لماذا الآن؟ يتساءل الكثيرون عند تناول موضوع تحرّك المخيمات دفاعاً عن حقهم في العمل، والصحيح أن نسأل: لماذا ليس أمس؟ والأصح: لماذا ليس قبل أمس؟

افتقدنا حيوية المخيّمات لعقود خلت، ولم تكن المشكلة في أهلها. حجم الأعباء التي وضعتها المرجعيتان اللبنانية والفلسطينية على كاهل سكانها هائلٌ وبمقدوره هدَّ جبال، لكن «جمل المحامل» قد صمدَ كما بدا. أخيراً تمَّ ما كنّا ننتطره منذ عقود. تحرُّكٌ جماهيري يثير الإعجاب، فكلّ التحية لأهلنا في المخيمات، وخاصة الشباب منهم، الذين هبّوا دفاعاً عن حقوقهم المنتهَكة على مدى عشرات السنين، من قِبل عدة جهات: أولها، إسرائيل لأنها سبب نشوء مشكلته واستمرارها وتفاقمها؛ ثانيها، المجتمع الدولي لأنه أعطى «الشرعية» للمشروع الصهيوني ودعم تنفيذه، ولأنه لم يبذل أيّ جهد لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وخاصة ما يتعلّق بحق عودة اللاجئين؛ ثالثها، المرجعيات الفلسطينية المفلسة سياسياً، وغير المبالية بالشأن المعيشي لأهلنا، والتي باتت تنظر إلى المخيمات كخزان بشري جاهزٍ للاستثمار في أجندات فئوية بعيدة كلّ البعد عن المصلحة الفلسطينية العامة؛ ورابعها، الدولة اللبنانية التي تحرمنا لأكثر من 70 سنة من عدة حقوق أساسية لا يمكن بدونها العيش بكرامة. إذن، ما قام به الوزير كميل أبو سليمان لم يكن سوى شرارة أشعلت ناراً في هشيم وضع المخيمات. ما عاد الأمر يُطاق؛ حرمانٌ من أبسط الحقوق، واتّهامٌ بالإرهاب مع أن المخيمات ليست مصدره وإنما ضحية له؛ وحصار دائم لها، وعبثٌ لبناني رسمي وحزبيّ بشؤونها. إلى متى سيظلّ الأمر كذلك؟ إلى متى تبقى لقمة العيش والكرامة أسيرة لقرار وزير أو حكومة أو حتى دولة؟ فالعيش بكرامة من الحقوق العابرة في كل الأنظمة والدول والحدود ومن غير المقبول منع إنسانٍ من كسب قوت يومه.
من ناحية أخرى، ضاق أهل المخيمات ذرعاً بـ «المرجعيّات الفلسطينية» الطفيلية، وغير المعنية بأحوالهم ومعيشتهم، والتي تبذل كلّ ما في وسعها لإبقائهم مسلوبي القرار والفعالية لمدِّ أجل سيطرتها عليهم. صار خروج المخيّمات على وصايتها غير الشرعية أمراً محتوماً ينتظر الظرف المناسب. جاء قرار الوزير ريحاً قويّاً نفض الرماد عن جمر المخيمات ونادى بالفلسطيني: قُمْ وتولّ أمرك. ما حكَّ جلدك مثل ظفرك. هذا أوانك والكلمة لك.

التشوّهات التي أحدثتها المرجعيات الفلسطينية ليست سهلة الإصلاح


مشكّكاً بهذا التحرّك، أعرب وزير العمل عن استغرابه من أن يكون التحرك ضد إجراءاته أقوى بأضعاف من الاعتراض على «صفقة القرن». أين الغرابة في ذلك يا معالي الوزير؟ أظن أنك تعرف حق المعرفة، أن الجماهير لا تتحرّك بهذه العفوية إلّا إذا شعرت بخطرٍ مباشرٍ يداهمها. أما عندما تكون الأخطار مؤجلة التحقُّق فإن ردّ فعلها، عادة ما يكون، ضعيفاً ولا يقوى إلا بدفعٍ من أحزاب ومرجعيات قادرة على ذلك. ثمَّ، إذا كان اللبناني جورج زريق، المتمتّع بكامل حقوقه (قانونيّاً وليس عملياً!) يُقْدِمُ على حرق نفسه لأنه لم يستطع دفع قسط تعليم أطفاله، فإن ما قام به الفلسطيني يبدو طبيعيّاً مئة في المئة. فالشعور العام لدى الفلسطينيين في لبنان، ومنذ عشرات السنين، أنهم صاروا كالأيتام على مائدة لئام السلطة اللبنانية والمرجعيات الفلسطينية، وأنه لا بدّ من قلب الطاولة.
آن أوان ذلك، لكن النجاح في هذه المهمة لا يتحقّق إلا بعملٍ منظّم ومبرمج هدفه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبوصلته فلسطين. كيف يمكن إنجاز ذلك؟ سؤالٌ محوري تصعبُ الإجابة عليه، لكني على يقين أن شبابنا المنخرط في هذا الحراك قد اكتسب من الخبرة ما يؤهله أن يتلمَّس الطريق السليم ولو عن طريق التجربة والخطأ. لا يوجد حلٌ جاهز، فالتشوّهات التي أحدثتها المرجعيات الفلسطينية ليست سهلة الإصلاح، والوضع اللبناني معقد ومأزوم، لكنّ الحل ممكنٌ إذا أحسنّا إدارة التحرك. لذا ألفت نظر المعنيين إلى التالي:
• نجاح التحرّك بأن يتحوّل إلى مسارٍ نضالي طويل النَّفَس يصبّ في المصلحتَين الوطنيتين الفلسطينية واللبنانية. ويتطلب الأمر متابعة جهود تشكيل الإطار الناظم لهذا التحرك، بعيداً عن هيمنة المرجعيات الفلسطينية القائمة؛ ومن الحكمة أن يكون هذا الإطار جامعاً لكل الفئات الشعبية في كل المخيمات وخارجها، ومستفيداً من جميع الكفاءات المتوفرة، وإيجاد شكل مناسب لقيادة جماعية درءاً لمخاطر التفرد بالقرار والأهواء الشخصية. لضمان استقلالية التحرك لا بد من الاعتماد على التمويل الشعبي لتغطية المصاريف عند الضرورة.
• العالم لا يحترم الضعفاء ولا يكترث لهم .... وحقنا وعدالة قضيتنا أكبر مصدرٍ لقوتنا. بالنسبة إلى اللاجئين يمثل التمسك بحق العودة والنضال من أجله مصدراً رئيساً لقوة المطالبة بحق العيش الكريم في البلد المضيف، وبدون ذلك سيتم التعامل معنا باستهتار. لنتذكر أن تفريط «أوسلو» بحق العودة قد أدّى إلى تضييق جميع الدول العربية الخناق على اللاجئين الفلسطينيين العاملين لديها.
• تشتيت جهود اللاجئين في اتجاهات متعددة إضعافٌ للتحرك وحرفٌ للأنظار عن القضية الجوهرية. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار طرح موضوع اللجوء (تتم الهجرة بناءً على المهن والاختصاصات التي يحتاج لها البلد) إلى بلدٍ ثانٍ غير مناسبٍ من حيث التوقيت والشكل، مع التأكيد أن السعي وراء العيش الكريم وفرصٍ أفضل حقٌ فردي لا جدال فيه.
آن أوانُ خروجِ المخيّمات من القمقم، والاستعداد لخوض نضالٍ متعدد الأبعاد وطويل الأمد، وهذا لا يتم إلا بتنظيم عالي المستوى، واعٍ وعقلاني وهادف ومُبرمج.

* كاتب وباحث فلسطيني