في المرحلة التي استقرّ فيها حكم النظم العربية التي تتبنّى النيوليبرالية كوجهة اقتصادية كان العالم يشهد تغييرات كبيرة، على مستوى تركُّز الثروة وتراكمها. دول العالم الثالث التي كانت تتبنّى الاشتراكية، والتي لم تنعطف باتجاه اليمين كما حصل هنا كانت في طريقها إلى التحوُّل إلى رأسماليات دولية طرفية. وهو ما جعل الدولة هناك تحافظ على دورها، مع فارق أساسي يتمثّل في الانتقال من مرحلة الإمساك بكامل الثروة وتوزيعها وفقاً للمنهج الاشتراكي إلى مرحلة تنظيم حركة الرساميل، بحيث لا تؤثّر على طبيعة النظام نفسه بعد تحوُّله من الاشتراكية إلى رأسمالية الدولة. الحفاظ على هياكل الدولة حصل هناك من دون أثَر كبير على الحراك الطبقي الذي كان مرتبطاً بالتغييرات التي أحدثتها الاشتراكية في بنية الدولة والمجتمع. لم تحصل لا في آسيا ولا في أفريقيا، حيث المعقل الثاني لحركة التحرّر العالمثالثية سابقاً انهيارات اجتماعية شبيهة بتلك التي جرَت في مصر والمنطقة العربية عموماً إثر تفكيك بنى الاشتراكية لمصلحة التوجّه النيوليبرالي الذي كانت تقوده السعودية في الإقليم.


استمرار صعود الطبقات الاجتماعية
عدم حصول قطيعة مع الاتجاهات السابقة للتراكم في الحقبة الاشتراكية سمح بالحفاظ ليس فقط على الهياكل الدولتية التي كانت تقود العملية، بل أيضاً على المنحى الثابت لصعود الطبقات الاجتماعية هناك. النهضة الكبيرة التي شهدتها الأرياف، سواءً في الصين أو في سواها لم تتراجع، رغم حصول تركُّز أكبر للثروة في المدن إثر الدخول في مرحلة التصنيع الكبير. التفاوتات الطبقية التي حصلت نتيجة هذا الانتقال كانت ملحوظة، وتسبّبت في هجرة كبيرة من الأرياف إلى المدن في معظم هذه الدول، ولكن حصولها لم يكن خارج إطار التغييرات التي تديرها هذه الدولة أو تلك لمصلحة نمط التراكم الجديد الذي يتمحور حول الصناعة والتصدير الكثيف. الانخراط أكثر في الأطر الإقليمية التي تسهِّل حركة التجارة، وحتى في الأسواق الدولية في مرحلة لاحقة، ضاعَفَ من حجم الثروة التي تدخل إلى البلاد. وهو ما جعل التوازن في عملية التنمية بين المناطق الزراعية والحضرية يستمرّ بالثبات في كلٍّ من آسيا وأفريقيا، على اعتبار أنّ الزيادة الملحوظة في نسبة الدخل القومي تسمح بتصحيح أيّ خلل في عملية التوزيع لمصلحة المناطق التي تشهد طفرة إنتاجية أكثر. بهذا المعنى، لم يترافق الانخراط التدريجي في أطر التجارة الدولية مع صعود فئات اجتماعية تستفيد من الترسمل على حساب غيرها، وتبدأ بسبب ذلك في تشكيل قاعدة جديدة للنظام بعد «مغادرته الاشتراكية». الإدارة الصارمة لهذه العملية لم تمنع فقط هذا الشكل من الصعود، بل سمحت أيضاً بتعزيز شرعية الانتقال الجديد، على اعتبار أنّ عدم استفادة أقلّية معينة من الترسمل هو لمصلحة الأكثرية، حتى ولو كانت استفادتها متفاوتة تبعاً لمساهمتها في الشكل الجديد لعميلة الإنتاج.

الحفاظ على مصالح الطبقة العاملة
حصول التطوّر الرأسمالي بهذا الشكل لم يكن على حساب الطبقة العاملة كما يحصل في الدول الرأسمالية، حيث الانتقال من مرحلة إلى أخرى هناك لا يجنّب عادةً هذه الطبقة مخاطر الترسمل الشديد، وغالباً ما يكون الانتقال على حسابها، ولمصلحة الأقلية الأوليغارشية التي يزداد التراكم لمصلحتها. وهو ما يفسّر تدهور أوضاع العمال في الولايات المتحدة بالمقارنة مع نظيرتها في الصين ابتداءً من أواخر السبعينيات من القرن الماضي، حين بدأ التركّز يحصل لمصلحة الرأسمال المالي على حساب نظيره الصناعي. في هذه المرحلة أيضاً بدأت تنحسر الكينزية في أميركا والتي كانت تحافظ على قدر من التوازن في عميلة التوزيع الاجتماعي، بحيث لا يتسبّب التمركز المفرط للثروة في انهيار المزيد من الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة. الصعود الصيني بقيادة دينغ سياو بينغ أخذ في الاعتبار هذه التجربة الآخذة بالتحوّل نحو النيوليبرالية تدريجياً، وفضّل على العكس منها تعزيز دور النشاط الصناعي بقيادة الدولة، لكي لا يضطرّ في مرحلة لاحقة بعد تحوُّل الصين إلى دولة رأسمالية بالكامل إلى التنازل للرأسمال المالي الذي سيصبح في ما بعد، إثر صعود موجة العولمة، وجهة التراكم الرئيسية في العالم.

الإفقار الذي حصل للجميع لم يواجَه طبقياً، بل خضع للانقسامات العرقية الآخذة في التزايد

تعزيز دور الدولة في قيادة عملية التصنيع والانتقال إلى الرأسمالية لم يبعد فقط شبح النيوليبرالية عن الصين، بل حافظ كذلك على مصالح الطبقة العاملة، وخصوصاً في المناطق الزراعية التي شهدت انحساراً ملحوظاً للنشاط الإنتاجي لمصلحة المدن. الطفرة التي حصلت هناك، سواءً بالنسبة إلى النشاط الإنتاجي الكثيف الذي عزّزته الهجرة من الريف، أو بالنسبة لبروز مظاهر الثروة نسبياً في المدن لم تترافق مع تراجع في مستوى المعيشة الخاصّ بالأرياف على نحو ما حصل في الدول الرأسمالية التي انعطفت نحو النيوليبرالية. التفاوت هنا لم يزدَد كثيراً، لأنّ تركُّز الثروة في المدن نتيجة للنشاط الصناعي فيها حصل بعد انتقال أكثرية السكان إليها، وهذا يعني أنه نشاط مرتبط عضوياً بحراك الطبقة العاملة (حتى ولو كان على حساب الريف)، ولا يقوم كما في الحالة النيوليبرالية على الفصل بين النشاطين المالي والصناعي. التفاوت يزداد ويتحوّل إلى سمة ملازمة لعمل الرأسمالية حينما يتخلّى الرأسمال عن قاعدته الإنتاجية ويبدأ بخلق الثروة وتركيزها اعتماداً على نشاطات المضاربة المالية التي تقضي على الوظائف وفرص العمل. وهو ما أتت العولمة المالية بقيادة الولايات المتحدة لتجذيره لاحقاً، وتحويله إلى نمط تراكم عالمي.

سحق الأطراف عولمياً
المنحى الثابت للصعود الصيني كان بعكس اتجاهات تطوُّر معظم الدول التي انخرطت لاحقاً في العولمة على أساس تبنّي النيوليبرالية كوجهة اقتصادية. الطفرة التي خلقتها العولمة كوسيلة لتوحيد أشكال الانخراط في دورة رأس المال العالمي انتقلت إلى الأطراف في ظلّ الافتقار إلى قاعدة مادية شبيهة بتلك التي أرستها الصين أثناء انتقالها من الاشتراكية إلى رأسمالية الدولة. الترسمل هنا حصل بوجود دولة تتحكّم بحركة الرساميل وتنظّمها، وتحمي أثناء صعودها الفئات الأضعف من تبعات هذا التركّز الشديد لرأس المال. الحفاظ على استقرار المجتمع بهذه الطريقة سمح بالانتقال إلى المرحلة التالية من دورة رأس المال، والتي يكون فيها التحدّي أكبر، لجهة تجاوز الأطر الدولتية، والانخراط أكثر في أشكال تبادل لا تستطيع الدولة بمفردها التحكّم فيها. الانعكاس الأبرز لهذه المرحلة كان في ازدياد التفاوت الاجتماعي نسبياً، على اعتبار أنه ملازم لاتجاهات الثروة حين تنتقل بفعل تغير نمط الإنتاج من حيّز اجتماعي إلى آخر. حصول هذا التفاوت كان طبيعياً، ولكنه ظلّ مضبوطاً وضمن حدود معينة، وبالتالي لا يمكن مقارنته بأشكال التفاوت الأخرى (والكبيرة في معظمها) التي خلّفها الانخراط في العولمة من دون وجود أطر تحمي الفئات والشرائح الأضعف من تبعاتها. النيوليبرالية بطبيعتها تعمّق هذا التفاوت وتدفع به إلى الحدود القصوى، حتى في دول المركز نفسها، ولكنه في الأطراف، حيث الحماية غير متوفرة، والنظام السياسي الاقتصادي غير موجود أو تابع، يفضي إلى انهيارات كبيرة في بنى المجتمع والدولة، ويقود إلى تعميق ارتباط هذه الدول بالمنظومة التي تسحقها. وهذا يعني أنّ العولمة إذا لم تكن مصحوبة بأنماط تبادل قادرة على فرملتها والحدّ من تبعاتها المدمّرة كما في الحالة الصينية، فستتحوّل إلى خطر ليس على مجتمعات الأطراف أو دول العالم الثالث فحسب، بل أيضاً على المجتمعات الرأسمالية نفسها.

تبعات النيوليبرالية الغربية على مجتمعاتها
في الولايات المتحدة مثلاً، وبعد انحسار دور الدولة لمصلحة الشركات المعولمة ابتداءً من أوساط الثمانينيات من القرن الماضي تراجعت بشكل كبير مساهمة الطبقة العاملة في النشاط الإنتاجي. لم يقتصر الأمر على انحسار الصناعات التقليدية التي تساهم في خلق أكثر الوظائف وفرص العمل هناك لمصلحة صناعات التكنولوجيا العالي، بل تغيّرت البنية الصناعية بأكملها، بفعل انتقال الصناعات التقليدية نفسها للخارج، بحثاً عن يد عاملة أرخص، وقيود أقلّ على حركة الرساميل. العولمة سهّلت هذه العملية، وشجّعت على انتقال الصناعات إلى الخارج (المكسيك والصين و.. إلخ) في ظل توجّه يميني واضح لمجابهة المسعى الصيني للتأثير على حركة التجارة الدولية. أولوية مجابهة الصين والتي كانت تغذّي الميل المتعاظم هناك لقيادة العولمة المالية تقدّمت لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة على توفير سبل حماية للفئات الأكثر فقراً أثناء هذا الانتقال. انتشار البطالة بكثافة والفقدان الجماعي للوظائف كانا السمة الغالبة لهذه المرحلة، والمحاولات التي جرت أثناء ولايتي بيل كلينتون وباراك أوباما للتخفيف من حدّة التفاوت الطبقي الحاصل لم توفَّق كثيراً لأنّ الطبقة العاملة في هذه الفترة كانت قد انقسمت على نفسها، ولم تعد تمتلك رؤية موحّدة لكيفية الخروج من الأزمة. الإفقار الذي حصل للجميع لم يواجَه طبقياً، بل خضع للانقسامات العرقية الآخذة في التزايد نتيجةً لاستفحال النيوليبرالية في بنية الدولة والمجتمع على نحو كبير وغير مسبوق. هذا جعل إمكانيات الحماية أقلّ بكثير، ووضع الدولة نفسها في موقف محرج، كونها أصبحت أقلَّ قدرةً على التدخّل، وحتى لو تدخّلت فستُتهم هي وحزب الأغلبية بالانحياز لفئة طبقية أو عرقية على حساب أخرى. الفوضى السياسية والاجتماعية التي تعيشها أميركا حالياً جرّاء هذه التحوّلات هي الأعنف منذ عقود، وعلى الأرجح أنها ستستمرّ لفترة طويلة، على اعتبار أنّ التغيير الذي أتت به النيوليبرالية لم يحصل هذه المرّة داخل الطبقة السياسية - كما كان يحدث دائماً - أو حتى ضمن أوساط الأعمال، بل داخل المجتمع نفسه. ويمكن القول في ضوء ذلك أن ثمار العولمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة والغرب عموماً لم تستمرّ كثيراً، لأنّ المجتمعات هناك لم تكن مستعدّة لحصول تغيير بهذا العمق، وكانت تفضّل بدلاً من خسارة الوظائف والمنازل والمدّخرات وتزايُد الانقسامات العرقية أن يحصل كلّ ذلك بعيداً عنها، وفي أماكن اعتاد الغرب على التدخّل فيها باستمرار من دون أن يكون لتدخّلاته أيُّ أثر يذكر على نظامه الاقتصادي الاجتماعي.

*كاتب سوري