يمكن الزعم أن وعي الهزيمة والوقوف على أسبابها ومسبباتها غير هزيمة الوعي. الأول يتيح القراءة والتعلّم ومن ثم إعادة الوقوف واستنهاض القوى وتعبئتها وإعادة توجيهها... (وهو بالتمام ما فعله القائد الراحل جمال عبد الناصر عقب هزيمة عام ٦٧). أما الثاني فيستدعي الهزيمة ويستبق وقوعها ويهيئ لشروطها المذلّة حتماً. ولا يتردّد (عندما يتأخر وقوعها) في تظهير تلهفه واستعداده لاستقبالها وتالياً الرضوخ والتسليم بموجباتها النافية لكرامة الوجود الحرّ واستحقاقه.

كما يمكن الزعم أيضاً، وبقليل من التعسّف المدروس، أن استبطان الهزيمة المسبّق، والخشية منها، هو واحد من أسرع السبل المؤدية إليها. ولو لم يكن الأمر كذلك لتغيّرت نتائج الكثير من المواجهات العسكرية والسياسية والثقافية وحتى الاقتصادية التي طبعت تاريخ العالم. ولانقلبت بعض هزائم التاريخ (وبعضها كان مفاجئاً) إلى انتصارات مدوّية. وفي التاريخَين اللبناني والعربي القريب واحد من أبرز الأمثلة على صحة الفرضية أو الزعم الذي نذهب إليه. فلو لم يستبطن وعي المقاومة اللبنانية (وبشكل خاص حزب الله) إرادة الانتصار الحاسم، ويعمل له وعليه، وينطلق من مراجعة دقيقة ومسؤولة وجريئة للهزائم السابقة وأسبابها، لما تحقّق لها تحرير معظم الأرض اللبنانية، ولما تيسّر لها دحر العدو في واحدة من أروع ملاحم المقاومة ضد عدو لا نظير إقليمياً لتفوقه. فهذا العدو الاستثنائي في إجرامه وإرهابه وفوق تفوقه الواضح والجلي مدعوم ومتقدم ومدجج بأحسن العدّة وأحدث العتاد فضلاً عن النفوذ والتأثير المستمدَين من القوة الإمبريالية الأعظم في التاريخ الحديث. وكذا الحال مع انتصار تموز الذي نعيش هذه الأيام ذكراه الثالثة عشرة. فهذا النصر العربي التأسيسي الأول وشبه الحاسم في مسار الصراع المفتوح مع عدو الأمّة، والذي خيضَ في ظروف سياسية وعسكرية بالغة الصعوبة ما كان ليتمّ لولا استبطان قيادة المقاومة اللبنانية وأفرادها، رجالاً ونساء، لإرادة الانتصار والسعي الحثيث إليه. وإذا شئنا الاسترسال لتحدثنا، عربياً أيضاً، عن مقاومة الشعب الجزائري الذي بذل من التضحيات ما يقارب الخيال، وسطّر من الملاحم ما يفوق الوصف، وأرغم واحدة من أشرس قوى الاستعمار الأوروبي وأشدها فتكاً على الاندحار والتسليم بالهزيمة المذلة رغم كل ما ارتكبته من مجازر ممنهجة وجرائم مُجَدْولة لم تعتذر عنها حتى اليوم. وقائمة القوى والشعوب التي امتلكت إلى جانب الوضوح الثوري الإرادة الصلبة والعنيدة وروح الإقدام والمقاومة والاستعداد للتضحية واستبطنت الانتصار وسعت إليه برغم اختلال موازين القوى الفاضح والفادح تطول وتطول...
واستطراداً، وعلى سبيل المراجعة النقدية التي نحتاج لها ربطاً بما تعيشه المنطقة من أوضاع مفتوحة على رسم المصائر، وإعادة صوغ الخرائط، الذي يستهدف شطب واحدة من أعدل القضايا وأنبلها شطباً كاملاً، يمكن القول إن هزيمة المقاومة الفلسطينية في عام ١٩٨٢ لم تكن قدراً لا رادّ له. ولا نتيجة حتمية فرضت نفسها. العكس كان ممكناً! فلو امتلكت تلك المقاومة (جناحها اليميني الغالب تحديداً) إرادة القتال الحقيقي لأعدّت الخطط وخاضت المعارك ولمنعت جيش الاحتلال من الوصول السريع والخاطف إلى بيروت ومن ثم محاصرتها. بل إن هذه الهزيمة كانت، في واحدة من وجوهها، حصيلة طبيعية ومنطقية لسياسات خاطئة (ومهزومة، وهنا الأساس) سبقت هذا التاريخ وأسّست لوقوعها بالشكل الفضائحي الذي شهدناه. وما واقع التراجع الخطير الذي تعيشه القضية اليوم إلا نتيجة من نتائج السياسات الخاطئة والقاصرة والمهزومة التي وجدت سبيلها إلى أجندة المقاومة التي امتلكت فائض موارد وفائض احتضان ودعم شملا العالم وأحراره، ورفعت من الشعارات ما لم ترفعه أي ثورة سابقة أو لاحقة. ففي ذلك العام، وبفضل تلك الهزيمة التي شارك وعي يميننا الفلسطيني المهزوم في صنعها واستيلادها، فُتحت أبواب المنطقة، وشُرعت على انقلابات دراماتيكية قلبت الأوضاع ومعها الأولويات العربية كما شهد صعود وبروز قوى وشخصيات تفريطية طبعت المراحل اللاحقة بطابع انهزامي كاد لولا بقية العزم الذي امتلكه لبنانيون وفلسطينيون وسوريون وغيرهم... أن يُدخل المنطقة في زمن لا يشبهها ويتعارض مع حاجاتها وتطلعاتها.

إن هزيمة المقاومة الفلسطينية في عام ١٩٨٢ لم تكن قدراً لا رادّ له


الهزيمة التاريخية التي لحقت بالمقاومة الفلسطينية في ذلك العام جاءت في سياق واضح ومحدد، ونتيجة لسياسات «تسووية» وتصفوية اخترقت الفعل النضالي الفلسطيني وكبحت تطوره، ووصلت إلى حدّ أن طغت عليه. وكلنا يذكر وقائع تلك المرحلة وسياساتها التي راحت تنحط باتجاه التركيز الوحيد على هدف استجداء الاعتراف السياسي، وبأيّ ثمن، بوهم البناء عليه تمهيداً لحجز المكان الثانوي الموعود في «قطار التسوية». إن هذا القطار المشؤوم الذي انطلق بزخم الهزيمة القاسية ورُفعت أسهمه بفضل قوى الالتحاق العربي التي كانت قد خرجت من جحورها وراحت تحثّ المتقاعسين وتتوعّد المترددين وتهدّد الرافضين بالويل والثبور قد أوصلنا إلى محطة آن أوان الخروج منها، بل وضرورة إلغاء كلّ ما ترتب على أوراقها التي صيغت في «أوسلو». وهكذا، وبدلاً من الوقوف على دروس الهزيمة واستخلاص العبر الناجمة عنها باتجاه تجذير الموقف وتحصينه بتنا أمام دعوات ومساع ذليلة للحصول على اعتراف لفظي من قِبل القوى نفسها التي تولّت عملية طرد المقاومة من بيروت. والأرجح أن هذا الأمر ما كان ممكناً، بالطريقة التي جرت فيها، لولا سيطرة التصورات الجديدة التي ارتسمت في ذهن القيادة الفلسطينية (اليمينية طبعاً) التي أُخرجت (عنوة) من بيروت. والواقع يوجب القول إنها لم تكن بالتصوّرات الطارئة بل إن تمكّنها من الوعي الفلسطيني (اليميني مجدداً) الحاكم وتسللها إليه يعود إلى زمن سابق على التاريخ المذكور. وهنا كانت المأساة. خصوصاً أنها جاءت من خارج السياق، وخارج الوقائع التي كانت ترسمها الانتفاضة الأولى. أما صلتها بالبرامج النضالية المعروفة وبمفردات الحق الفلسطيني وأدبيات المقاومة والتحرير فكانت معدومة. إن تلهّف تلك القيادة المكشوف والمفضوح، وتعجّلها محاولة قطف ثمار الانتفاضة الأولى التي كانت قد أعادت بعض الروح، وأعادت فتح باب الأمل الذي كان سبق للمقاومة اللبنانية أن بشّرت به، تسبّب في خسران وضياع وتبديد كل تلك النتائج التي صنعتها انتفاضة جبّارة. وجعل من بيعها لقاء المشاركة في حضور طاولة صنعها الإسرائيلي وهندسها الأميركي ودفع تكاليفها العربي الذليل ضرباً من التفريط لم يسبق لمهزوم حقيقي أن فعله.
إن استبطان الهزيمة ومن ثم وقوعها هو الأساس والنتيجة الطبيعية التي أفضت لاحقاً إلى تمكّن المدعو محمود عباس وأمثاله من القفز إلى مواقع القرار الفلسطيني. وإذا شئنا التهذيب لاكتفينا بالقول إن هذا الكائن يمثّل الترجمة الدقيقة والأمينة والمثال الأكمل عن حقيقة الوعي المهزوم ومآلاته الشنيعة. وربما كان هذا هو الدرس الأساس الذي حفظته المقاومة اللبنانية وبنت عليه.
إن الدور المتنامي والمتعاظم الذي تلعبه قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية يساعد ولا شك في القطع الحاسم مع مسار الانحطاط الفلسطيني الذي تمثله ما يسمى بـ «السلطة». كما من شأنه أن يفاقم من عزلتها وانعزالها، بعدما أوغلت في الدم الفلسطيني، وتفوقت في وظيفيتها القذرة على الممارسات التي اعتيدَ إيكالها لفرق «المستعربين» الذين يتناسلون ويتكاثرون في مشيخات النفط المسروق.
ويوماً بعد آخر نستوثق من صحة الطريق الذي سبق للمناضل جورج حبش ورفيق دربه وديع حدّاد وباقي الرفاق الروّاد أن دلّوا عليه، وسلكه مناضلون كثر ليس آخرهم أبطال غزة والضفة، الذين يواجهون الأعداء مسلحين بوعي عميق بحتمية انتصار الإرادة والوعي المقاوم.