على وقع أصوات الاشتباكات العنيفة تارة، وهدوء رسائل حسن النية تارة أخرى، تتسارع جهود بعض الوجهاء والشخصيات السياسية والاجتماعية لوضع اللمسات النهائية على مشاريع تسويات جديدة في مناطق ساخنة عدة، مشابهة لتلك التي نفذت بنجاح إلى الآن في برزة ومعضمية الشام.


ومع أن بنود هذه التسويات كلها، سواء تلك التي نفذت فعلياً على أرض الواقع أو التي هي قيد التفاوض، تبدو واحدة مع تباين في تفاصيل محدودة تتعلق بآليات التطبيق والأمور اللوجستية للمناطق، إلا أن ذلك لا يجعل منها بحسب كثيرين إطار وطنياً يمكن الركون إليه وتعميمه على جميع المناطق، التي تشهد مواجهات مباشرة بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة، لأسباب كثيرة من المهم الإشارة إليها وتوضيحها وتحليلها.
تستمد هذه التسويات زخمها وقوتها في المقام الأولى من التأييد الشعبي الواسع لها، وتحديداً من السوريين الذين اضطروا إلى النزوح عن منازلهم وممتلكاتهم، وهؤلاء يقدر عددهم رسمياً بنحو ستة ملايين مواطن، وثانياً من رغبة الطرفين في وقف القتال وإراقة دماء بعضهما البعض ورفع المعاناة عن السكان المدنيين، لكن هل هذه النقاط تضمن وحدها استمرارية التسويات؟ وما الذي يحول دون تفجيرها في أي مرحلة؟ ومتى يمكن القول إن هذه التسويات باتت تشكل أرضية مناسبة ومساعدة للمصالحة الوطنية؟

مخاوف الانهيار

تكاد تلتقي جميع اتفاقيات التسويات بما تتضمنه حول ثلاثة بنود رئيسية هي:
ــ إخراج المسلحين الأجانب من المناطق المعنية، وتسوية أوضاع من يرغب من المسلحين السوريين.
ــ تسليم الأسلحة الثقيلة إلى الجيش السوري وإخفاء الأسلحة الفردية، ورفع العلم السوري على المؤسسات الرسمية.
ــ إقامة حواجز مشتركة بين المسلحين وعناصر من الجيش لضبط الأمن في هذه المناطق، والعمل على إطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين.
هذه البنود الثلاثة كانت كافية ليحقق كل طرف أهدافه المرحلية، فالجيش السوري يسعى إلى تقليل عدد الجبهات التي تحاول استنزاف قواه البشرية والعسكرية وتشتيتها ليتفرغ لحسم الجبهات الرئيسية المؤثرة في سير المعركة ومواجهة المجموعات التكفيرية المتشكلة غالباً من مقاتلين أجانب، أما المجموعات المسلحة فهي تجد في التسويات فرصة للخروج أمام الرأي العام المحلي كشريك في وقف القتال، ولا سيما في ظل حصار خانق وشحّ في الإمدادات والسلاح، ومعركة إن استمرت ستكون فيها هذه المجموعات خاسرة عاجلاً أو آجلاً.
لكن هذه البنود نفسها أيضاً تحمل من المخاوف ما يشكك عملياً في إمكانية ترسيخ مثل هذه التسويات، وجعلها مدخلاً لتحقيق الاستقرار على المدى البعيد، ويمكننا تحديد أبرز هذه المخاوف بالنقاط الآتية:
ــ التسليم بوجود سلاح آخر غير سلاح الدولة، حتى وإن كان سلاحاً فردياً، يعني أن ثقة الطرفين ببعضهما البعض يشوبها شكوك جدية، وتالياً فإن فرص تجدد المواجهات بين الطرفين تبدو مساوية لفرص استمرارية التسوية.
ــ نسيج المسلحين غير المتجانس فكرياً وعقائدياً وعدم اقتناع شريحة منهم بجدوى هذه التسويات، بدليل رفض بعضهم تسوية أوضاعهم مع الدولة ورغبتهم في الاحتفاظ بالأسلحة الفردية، وهؤلاء سيكونون على أهبة الاستعداد لاستغلال أي حادثة مهما صغرت لنسف هذه التسويات، وهذا ما جرى فعلاً في بعض المناطق أثناء التحضير لعقد التسويات فيها.
ــ مع الاتفاق على حل ملفَّي المعتقلين والمخطوفين، إلا أن ذلك لن يكون عاملاً مساعداً على ترسيخ التسويات ما لم يتفق الطرفان على آلية دقيقة وموضوعية لمعالجة ملف المفقودين، إذ إن عدم فعل ذلك يعني فتح الباب لاستمرار التجييش الشعبي ضد الطرفين، ولا سيما لدى عائلات المفقودين وأقاربهم.
ــ في سياق إعادة انتشار وحدات الجيش السوري في المناطق التي تشهد تسويات ومحيطها، ثمة مخاوف لدى بعض القادة العسكريين من إمكانية استغلال بعض عصابات التهريب والمافيا للواقع الجديد لتهريب السلاح والمتاجرة به، وإيواء المسلحين الفارين من المواجهات مع وحدات الجيش في مناطق أخرى.
ــ وجود مصلحة مشتركة لبعض الجهات في إفشال هذه التسويات وعدم تقدير جهات أخرى لأهمية هذه الخطوة على الصعيدين العسكري والاجتماعي. ففي عدد من المناطق، عمد مسلحون الى اغتيال وجهاء كان لهم دور بارز في جهود المصالحات وإنجاز التسويات، بينما تولى ضباط كبار في رئاسة الجمهورية ملف التسويات في مناطق معينة رغبة في إنجازها، وضمان تنفيذها بعيداً عن إشكاليات العمل الميداني.
في ضوء النقاط السابقة، فإن احتمالات خرق التسويات تبقى قائمة أو يجب أن تكون في حسابات الأطراف المهتمة بنجاح هذه التسويات، وإلا فإن حدوثها سيكون بمنزلة مفاجآت قاتلة، وهذا يطرح تساؤلات جوهرية عن صلاحيات وقدرة الوجهاء والشخصيات السياسية والاجتماعية على التحرك واحتواء الخروقات ومنع توسعها من جانب، وفعالية قنوات التواصل بين الأطراف المعنية من جانب آخر.

ما بعد التسويات

لا شك في أن التسويات، التي تجرى اليوم في أكثر من منطقة سورية ساخنة، تمثل إنجازاً مرحلياً هاماً يوقف «مؤقتاً» سفك الدماء ويحدّ من تفاقم معاناة آلاف العائلات المنكوبة، لكن تحوّلها إلى إنجاز استراتيجي يجعل منها لبنة رئيسية في جهود المصالحة الوطنية، سيكون مرتبطاً بالتفكير بمستقبل هذه التسويات وصياغة المرحلة التالية لإنجازها، والتي لا بد لها من التركيز على الملفات الآتية:
ــ السعي إلى كسب تأييد مختلف الفئات الشعبية ودعمها للتسويات من خلال مشاركتها في كل ما يتعلق بالمرحلة الثانية، بدءاً من عملية إعادة إعمار تلك المناطق، مروراً بتنظيم وتفعيل جهود الإغاثة والمصالحة، وصولاً إلى بناء علاقة جديدة قائمة على الاحترام والشفافية، وهكذا ستكون أي محاولة لنسف التسويات وجهود المصالحة في مواجهة مباشرة مع المواطنين، قبل أن تكون في مواجهة الجيش والمجموعات المسلحة التي دخلت في هذا المسار.
ــ مطالبة الحكومة بوضع خطط اقتصادية وتنموية حقيقية على المديين القصير والبعيد لتنمية هذه المناطق بما يناسب موقعها الجغرافي وخصائصها وإمكانياتها الطبيعية والبشرية، فانتهاء المعارك يعني بوضوح انتقال اهتمامات ومطالب المواطنين من وقف القتال إلى مرحلة أخرى يجب أن تكون الدولة قادرة على مواكبتها بالتعاون مع الجهات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع الأهلي، ولا سيما في ظل فقدان عائلات كثيرة لأبنائها ووجود آلاف المعاقين واليتامى والفقراء والمحتاجين.
ــ بحث مستقبل المسلحين الذين قبلوا التعاون مع الجيش في حماية المناطق المنضوية تحت مظلة التسويات، فهل الخيار سيكون في إعادة تأهيلهم وتدريبهم ليكونوا في عداد جهاز الشرطة المحلية؟ أم أنهم سيعاملون معاملة اللجان الشعبية والدفاع الوطني التي سيتبلور مستقبلها بشكل أفضل مع انتهاء الأزمة؟
ومهما كان الخيار الذي سيعتمد، فمن المهم أن تكون مرحلة ما بعد التسوية جاذبة لجميع الأطراف لإعادة صياغة توجهاتها واهتماماتها بما يحافظ على ما حققته التسويات، ويعززها وجودها الإيجابي في سياق جهود السوريين لصياغة إطار وطني للحل، ينطلق من ثوابت أصبحت معروفة: وحدة البلاد وسيادتها واستقلالها، وحق الشعب السوري وحده في اختيار نظامه السياسي.
* إعلامي سوري