كالعادة، وفي أعقاب أيّ عملية تقوم بها المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ردّاً على اعتداءاته المتكررة وعدوانه المتواصل على لبنان وشعبه وسيادته وأرضه، والتي كان آخرها استهداف ناقلة جند في مغتصبة «أفيفيم» (صلحا)، يتعالى صراخ بعض اللبنانيين من مسوؤلين حاليين وسابقين وقادة أحزاب ونخب صحافية وثقافية وأكاديمية، الذي يعمدون وحتى قبل انجلاء غبار المواجهات، إلى التصويب على المقاومة وإدانتها والتشكيك والتوهين بإنجازاتها وانتصاراتها، والتهويل على بيئتها خصوصاً، واللبنانيين بشكل عام، واتهامها بالمغامرة بأرواح اللبنانيين وأرزاقهم، وتحميلها مسؤولية الأضرار والخسائر المادية والبشرية والاقتصادية التي قد تحدث نتيجة أي عدوان إسرائيلي على لبنان، دونما الإشارة حتى من قريب أو بعيد إلى أصل المشكلة أي إسرائيل وطبيعتها العدوانية وأطماعها التاريخية بهذا البلد.

بعيداً عن مصطلحات التخوين والعمالة التي نربأ بنعت أيّ لبناني بها إلا من أصحابها، ولأننا لسنا ممن يوزّع شهادات الوطنية على أحد، وحتى أخذنا أقوال وكلام هؤلاء المسؤولين والنخب على محمل الحسن، قد لا نجد سوى تفسير واحد لهذه الحملات، ألا وهو محاولة سلب لبنان مقومات وأسباب قوته ومنعته التي وفرتها له هذه الظاهرة (المقاومة) الفريدة (التي تواجه بالحصار وبلقمة عيش أهلها وبيئتها)، فضلاً عن إنكارهم حق لبنان في الدفاع الشرعي عن نفسه، وقد فاتهم أن المؤسسة الأممية الأعلى في العالم أي الأمم المتحدة، حفظت للشعوب والدول والأمم هذا الحق في ميثاقها، واعترفت به المعاهدات والقوانين والأعراف الدولية.
ومن المفارقات المهمة (وبحسن النية أيضاً)، أنه في أحيان كثيرة يجاهر العدو بهزيمة جنوده أمام بسالة وأقدام المقاومة كما حصل في عام 2006، ويعترف بالخيبة من عدم قدرته على تحقيق أهدافه التي حالت المقاومة دون تحقيقها، فيما هم لا يرون سوى مشاهد الموت والدمار والخراب التي خلفها العدو، وكأنما الحرية والسيادة والاستقلال تأتي على طبق من ذهب، بل يذهبون بعيداً في مكابراتهم، إلى حدّ نزع الصفة اللبنانية عن عناصر المقاومة واتهامهم بتنفيذ أجندة إقليمية، حتى بات العدو يستشهد بتغريداتهم وتعليقاتهم ومقالاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، للدلالة على وجود أصوات وآراء في لبنان، تشاطره رؤيته بخطر المقاومة المحدق على لبنان وكيانه وديمقراطيته، وتتماهى مع أمنياته (الدائمة) بوجوب سحقها وصولاً إلى اقتلاعها من جذروها.
في العلم العسكري لا مكان للعواطف أو الأمنيات والتكهنات والاجتهادات، كما أن لا الصراخ أو النظريات الدونكيشوتية أو التغريدات الهوائية قد تحدد موزاين الربح أو الخسارة، فالوقائع على الأرض، وحدها كفيلة في الحكم ولها كلمة الفصل عند مقاربة أي حرب أو معركة (بين المقاومة وإسرائيل) أو مواجهة أو جولة أو عملية ما. وعليه فإن الوقائع على الأرض (خلال جولة المواجهة الأخيرة بعد عدوان عقربا والضاحية)، بدءاً من لحظة قصف إسرائيل لنقطة وجود الشهيدين حسن يوسف زبيب، وياسر احمد ضاهر في بلدة عقربا السورية ليل 24 /25 آب الماضي، مروراً بخطاب «الرد» للسيد نصرالله، وصولاً إلى تعامل إسرائيل مع تهديدات نصرالله والإجراءات العسكرية التي اتخذها في مناطقه الشمالية، وانتهاء بالعملية ونتائجها وتداعياتها، فإنّ ردّ المقاومة بـ «عملية أفيفيم»، لهو انتصار كبير واستثنائي للمقاومة ولبنان بكافة المقاييس الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والنفسية والمعنوية وذلك انطلاقاً من المعطيات الآتية:

أولاً: في الوقائع على الأرض
تمكّنت المقاومة من اختراق وتخطّي جميع الإجراءات والتدابير العسكرية التي اتخذها الاحتلال بعد عملية الاغتيال في سوريا وإرساله طائرات مسيرة ومفخخة إلى الضاحية، وأطاحت بجهوده الاستخباراتية العالية خلال تلك الفترة على الحدود الجنوبية ومنطقة الجليل لقطع الطريق على المقاومة ومنعها من تنفيذ وعدها. فلم يفلح في اكتشاف أي أثر للمقاومين الذين استطاع عناصرها الوصول إلى نقطة تمركزهم القريبة من الحدود، ورصد الهدف وتحديده ثم ضربه، فذهبت كل احتياطاته هباء منثوراً، بعد أن كان قد أصدر تعليمات لقواته بالامتناع عن التنقل في شوارع المستوطنات الشمالية التي أصبحت منطقة أمنية بامتياز، وتغييره نمط الدوريات العسكرية الاعتيادية لكي لا تتحول هذه القوات إلى هدف سهل للقنص أو للقصف، وإغلاقه أجزاء من شوارع عدة قريبة من الحدود، وانتشاره في مواقع حساسة على الحدود وسحب جنوده من نقاط مراقبة مكشوفة وحواجز أبرزها الحاجز الدائم على مدخل قرية الغجر عند مثلث الحدود اللبنانية السورية الإسرائيلية. إضافة إلى هجر جنوده لثكناته (وهو ما وثقته كاميرا مراسلة قناة روسيا اليوم في 2 آب الفائت)، وتعزيز وسائله الدفاعية ونصب منظومة القبة الحديدة في مناطق بالجليل الأعلى والجولان تحسّباً لأيّ هجوم صاروخي، وتكثيفه لنشاط الطائرات الاستطلاعية لجمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الحدود.

منذ نشأة الكيان لم يسبق لإسرائيل أن وجدت نفسها في وضع مزرٍ تعلن استعدادها لقبول ردّ «حزب الله» على جنودها


غنيّ عن القول إن الحدود الإسرائيلية (السياج الشائك) والمساحة المتحفظ عليها من الجهة اللبنانية والتي تُعرف بالخط الأزرق، والطريق المحاذية له وكافة جغرافية الجليل، من أكثر المناطق الخاضعة للرقابة في العالم، نظراً إلى ما تحتويه من أجهزة إنذار مبكر، وأنظمة تجسس ورصد واتصالات، وكاميرات مراقبة ومناظير حرارية ليلية ونهارية ووسائط الدفاع الجوي، تعتبر الأحداث (على مستوى الدولي) من حيث تطورها ومميزاتها التنقية وقدراتها على اكتشاف أي حركة بشرية أو حيوانية، والأهم ارتباط كل ذلك، بمنظومة تحكم مركزية متّصلة بالأقمار الصناعية والشبكة العنكوتية التي تتيح لإسرائيل مشاركة المعلومات الاستخباراتية وتبادلها مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي على مدار الساعة.

ثانياً: على مستوى النتائج والخسائر الإسرائيلية
وضع «حزب الله» قادة وعناصر وسكان المنطقة الشمالية في دوامة الترقّب والانتظار المثقل بهاجس الضربة التي كانوا يعدون الثواني والدقائق والساعات تحسّباً لحصولها، فيما الخوف والرعب لم يبارحهم كظلهم، وجعلهم يلجؤون إلى أساليب التمويه والتخفي أثناء تنقلاتهم في الآليات، في حين غابت حركة العناصر البشرية على طوال الخط الحدودي ولعمق محدد، بينما كانت المناطق على المقلب الآخر تضج بالحياة بل تحولت إلى ما يشبه صالة عرض للبنانيين لمشاهدة «وثائقي» الاختباء اليومي لجنود الاحتلال وآلياته.
لكن ثمة نقطة جوهرية في غاية الأهمية يجدر التوقف عندها، وقد تكون غابت عن أذهان الكثيرين، ألا وهي الأعباء المالية الهائلة التي دفعها الكيان الغاصب، في الأيام التي تلت الوعد الشهير للسيد نصرالله بالرد. إذ أن حالة الاستنفار فوق العادية لأذرع الجيش الإسرائيلي الثلاث البرية والبحرية والجوية، والظروف الاستثنائية التي مرت بها إسرائيل ما قبل العملية، والتي لم تكن في الحسبان، كبّدت إسرائيل نفقات مادية مضاعفة (قد تبلغ ملايين الدولارت)، وهو ما قد يؤثر سلباً في المدى المنظور على ميزانية جيش الاحتلال الذي يطالب قادته بعدم المسّ بها بسبب التحديات المستجدة التي تواجه الكيان (لا سيما خطر إيران و«حزب الله»)، وفي هذا الإطار تحدثت المعلومات عن إلغاء بعض المناورات بسبب التقشّف الذي يضرب بعد الوحدات العسكرية في جيش الكيان.
مسلسل الفشل الاستخباراتي للاحتلال توالت حلقاته تباعاً، آخرها إثارة كان العرض التلفزيوني الجديد «للعملية»، حيث تسنى للعالم أجمع متابعة صواريخ الكورنيت وهي تنطلق من قواذفها وصولاً إلى ارتطامها بـ«الذئب»، فيما بدا مطلقوها من عناصر المقاومة وهم في غاية الاطمئنان والسكينة، خصوصاً أن هذه المشاهد جاءت في ذروة الإطباق الاستخباراتي لإسرائيل التي تجلّى عجزها عن تعقبهم واكتشاف مخابئهم التي كانوا يجلسون فيها وكما لو أنهم في منازلهم، وغرف نومهم، في المقابل كان جنوده يفرون وهم في حالة ذعر موصوفة في طرقات المنطقة الشمالية في أعقاب العملية تائهين هائمين يبحثون عن زاوية أو جدار يقيهم نار المقاومة ولهيبها.
إضافة إلى ما ذكره السيد نصر الله في كلمته، عن الإذلال الذي تعرضت له إسرائيل، من تثبيت لقواعد الاشتباك ومده بجرعة قوة زائدة، وعدم وجود أي خطوط حمر للرد على أي اعتداء مستقبلاً، فإن إسرائيل وللمرة الأولى في تاريخها، كانت تستجدي العواصم الدولية والإقليمية لحثها على التدخل مع الحكومة اللبنانية لثني «حزب الله» عن الرد، وهو ما كشفته الرسائل السياسة التي وصلت الى الحزب من قبل هذه الدول، عبر القنوات الرسمية للدولة اللبنانية. الأمر الذي زاد من حراجة الموقف الإسرائيلي، وأظهر ضعفها وعدم قدرتها على الخروج إلى حرب واسعة بخلاف ما يدّعيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حفلاته الإعلامية الاستعراضية عن الذراع الطويلة لجيشه الذي قهره حزب الله في «أفيفيم».
فمنذ نشأة الكيان لم يسبق لإسرائيل أن وجدت نفسها في وضع مزرٍ تعلن استعدادها لقبول ردّ «حزب الله» على جنودها وتغريه بأهداف فارغة، وهي التي لم تتوانَ سابقاً عن اختلاق الذرائع لشن الحروب وإخضاع الشعوب.

ثالثا: عن اختراق عقربا والضاحية وأفيفيم
رغم خسارة الشهيدين واكتشاف موقعهما لا يخفى على أحد التفاوت الكبير بين القدرات التقنية والاستخباراتية للمقاومة وإسرائيل والتي ترجح كفتها لصالح الأخيرة، وهذا يعود إلى امتلاكها بنك من معلومات التي توفرها لها أجهرة الاستخبارات العربية والإقليمية الدولية وتصب بأغلبها في غرف التحليل الإسرائيلي.
وعليه فإن إسرائيل وإن كانت نجحت في تسجيل اختراق استخباراتي تمثل باستهداف مكان تواجد الشهدين زبيب وضاهر، إلا أن ذلك لا يرقى إلى مصاف الإنجاز العظيم للعدو، نظراً إلى مكان وجودهما في بيئة غير آمنة كالأرض السورية المفتوحة والمخترقة من معظم البلدان، بعكس إنجاز المقاومة في «أفيفيم» الذي كان وقعه أشد على الإسرائيلي نفسه الذي لم يستوعب بعد كيف تحولت قلعته الأمنية الشمالية، إلى حقل رماية للمقاومة التي أصبحت تعرف كل زاوية وركن فيها. يسري هذا الفشل أيضاً على مسألة وصول الطائرات المسيّرة إلى الضاحية التي تفتقر إلى وسائل الحماية الجوية كتلك التي يمتلكها العدو، بخلاف مستوطنة أفيفيم المحمية سماؤها بترسانة دفاع جوي ومنظومات مضادة للصواريخ «كالقبة الحديدية» التي تتسابق الدول على شرائها. من هنا تعمّدت المقاومة عرض مشاهد جوية لـ «أفيفيم» لإعلام العدو بأن الجليل بما فيه «نحفظه عن ظهر قلب».
خلاصة الأمر، استطاع الحزب من خلال وفائه بالرد على العدو، الفوز بهذه الجولة أيضاً، وحشر العدو في الزاوية وتمكن من تحجيمه عسكرياً وتكبيل يديه عن القيام بأي تهور جديد، وانتزاع منه أيضاً زمام المبادرة التي توهم أنه استرجعها لأيام معدودة، وذلك رغم الحصار والعقوبات التي يتعرّض لها، ولم تجدِ في إضعاف المقاومة، وهو كذلك وجه رسالة واضحة للصديق والعدو أن قرار المقاومة لا يخضع للمساومات والابتزاز، كما ثبت مصداقية المقاومة وأمينها العام أمام جمهورها وأعدائها على حد سواء، وأنها الحصن الحامي لحماية لبنان وشعبه وسيادته.
* كاتب لبناني