«هناك حاجة لشعب يريد القتال، وحتى يكون راغباً في القتال يجب أن يكون شعباً، ونحن لسنا شعباً» - دافيد بن غوريون (1)


تحاول هذه المقالة تسليط الضوء على الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) باعتبارها أحد نماذج «حروب إسرائيل الجديدة»، من خلال الاستناد إلى كتاب «حروب إسرائيل الجديدة» للباحث الإسرائيلي أوري بن أليعازر (2) الذي ينصبّ جهده في هذا المؤلَّف على تقييم أداء ثلاثي السياسة والجيش والمجتمع في التعامل مع الانتفاضة، من خلال تفسير سوسيولوجي – تاريخي، والتي تعتبر حقبة مهمة وحساسة في تاريخ صراعنا مع العدو الإسرائيلي، لكن هذه المرة من داخل مجتمع العدو. كما يتناول ظاهرة جديدة وهي «الحروب الجديدة»، معتبراً «انتفاضة الأقصى» الأرضية التي انبثقت عنها وتم التخطيط بموجبها للحرب الجديدة، وبدت تمظهراتها بشكل أوضح لاحقاً في العدوان على لبنان 2006 والعدوان على غزة 2008.
*ملاحظة مهمة: بالضرورة أن يبقى في بالنا أننا نناقش كتاباً إسرائيلياً لمؤلّف إسرائيلي، يطرح وجهة نظر نقدية من المجتمع الإسرائيلي نفسه وباتجاهه.

(سيف دحلح - أ ف ب)


في تعريف الحروب الجديدة
كان الباحث الإسرائيلي مارتن فان كريفليد من أوائل الذين انشغلوا في بحث هذه المسألة، (Van Creveld, 1991) وزميله الباحث الكندي كالوي هولستي (Holsti, 1996)، واللذان اعتبرا أن عصر الحروب بين الدول، «الحروب الكلاوزفيتزية»، قد انتهى، وأن حقبة جديدة قد بدأت، تتسم فيها الحروب بمحاولة لتقديم إجابة، بواسطة عنف منظّم، حول طابع المجتمعات وليس حول مكانة الحرب، التي ارتدت أشكالاً عديدة، تظهر تحت مسميات مختلفة: «حروب ما بعد الحداثة»، «حروب من النوع الثالث»، «حروب وهمية»، «حروب تكنولوجية»، «حروب هجينة»، وغيرها. وتنقسم الأدبيات الاكاديمية التي تناولت مفهوم «الحروب الجديدة» من ناحية تحليلية إلى فئتين، الأولى مرتبطة بالتطورات التكنولوجية. ففي صلب الاستراتيجيات العسكرية تقف حالياً تقنيات المعلومات، حيث إن الثورة تتجلى في القوة العسكرية، التي تتجسد بصورة عامة في الحروب غير المتناظرة، باتت أقل ارتباطاً بحجم القوات وروحها القتالية، ولكن هي مرتبطة أكثر بالمستوى التكنولوجي للأسلحة الموجودة في حوزة القوات وبالقدرة التدميرية لهذه الأسلحة. والمثال على هذا النوع من الحرب، هو الحرب في كوسوفو، التي لم يتكبّد فيها التحالف الأميركي المنتصر أي خسارة.
أما الفئة الثانية من «الحروب الجديدة»، فتركّز أكثر على التغييرات الاجتماعية والسياسية التي طرأت في الساحة العالمية، وأحدثت تغييراً في طابع الحرب. وللحروب الجديدة بحسب بن أليعازر سمات ومميزات كثيرة.
أولاً، لم يعد الحديث يدور الآن على حروب بين دول، وقطعاً ليس بين الدول القوية، بل عن حروب أهلية، أو حروب لها سمات وخصائص الحروب الأهلية، حروب بين طوائف وبين دول وكيانات «غير دولتية»، والحروب من هذا النوع كما يقول بن اليعازر ليست حروباً بين جيوش مهنية، أو بين جيوش نظامية تابعة لدول، على الرغم من أن مثل هذه الجيوش يمكن أن تكون ضالعة فيها. وتشارك في هذه الحروب – وأقله في أحد الأطراف المتحاربين – قوى جديدة، من قبيل جيوش خاصة، ميليشيات، وحدات عسكرية تعمل بإدارة ذاتية، مجموعات شبه عسكرية، جيوش إقليمية، جيوش قبلية، حركات وطنية، منظمات سرية، مقاتلو حرب عصابات، جنود مرتزقة، عصابات، منظمات إرهابية وإجرامية، أمراء حرب وما شابه... هناك علامة فارقة أخرى في هذا النوع من الحروب، وهي انعدام التناظر في القوة بين الأطراف المتحاربين، وبالتحديد عندما يدور الحديث عن مواجهة بين دول وكيان غير دولتي، كذلك تتميز هذه الحروب بكونها لم تعد تجري في ساحة قتال محددة يمكن لمعركة واحدة فيها أن تتحول إلى معركة حاسمة تقرر مصير الحرب، كما حدث في ستالينغراد أو الجولان السوري عام 1973.
«السلام الحقيقي» عادة ما يذهب نحو التغيير الإيجابي على الطرفين، إلا أنه في الحالة الفلسطينية تعزز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة


كذلك فإن أهداف الحروب الجديدة لا تكون دائماً واضحة ومحددة في صيغة رسمية كأهداف الحروب القديمة، وفي هذه الحروب يغيب في كثير من الأحيان إعلان الحرب، كما أن نهايتها لا تكون حاسمة أو قاطعة، وتتسم «الحروب الجديدة» أيضاً بالعنف الجامح الموجه ضد المدنيين، والذي يصل في غير مرة حدّ الإبادة الجماعية، وهنا أختلف قليلاً مع الكاتب، فالحروب التقليدية أيضاً شهدت استهدافاً وعنفاً قوياً وابادة جماعية بحق المدنيين، كذلك تغيير التكتيكات القتالية، إذ أصبح المكوّن الرئيسي فيها هو حرب العصابات و«الإرهاب» المصحوب بعناصر مباغتة الخصم.
يعتقد بن أليعازر أن هذه الحروب تتسم بتوسيع رقعة المواجهة في محاولة لجعلها تدور في أكثر من مكان والاستمرار فيها لفترة طويلة، ولا سيما حين تتحول الرغبة في إلحاق الأذى بالخصم من وسيلة إلى هدف، ويرى بن اليعازر أنه قد ولّى الزمن الذي كانت فيه الحروب تنتهي في ستة أيام (حرب حزيران 1967) أو في ثلاثة أسابيع (حرب تشرين الأول 1973)، وأن حروب العصر الحديث كانت طويلة صحيح، لكنها حين انتهت، كانت نهايتها واضحة ومؤكدة.
يسوّق الكثير من المؤرخين والباحثين في إسرائيل أن «انتفاضة الأقصى» بدأت بمظاهرات من جانب الفلسطينيين، وتحولت إلى حرب جديدة، وأن أحد أسباب ذلك يكمن في توطد نظام بنيوي في إسرائيل أعطى الشرعية للحل العسكري لمشاكل سياسية (بن أليعازر 2016، 50) وان الانتفاضة الثانية كحدث جاء من خلال الترتيب أو النظام المؤسسي الذي تشكل في إسرائيل، وقد تحول هذا النظام البنيوي إلى نظام سائد في خضم صراع ضد البديل المدني، الذي كانت «فرصته ذهبية» في أوائل التسعينيات مع توقيع اتفاقيات أوسلو. هذا النظام الذي ساد وتوطد، بصبغة عسكرية – دينية، حملت لواءه وتبنّته فئات مختلفة، ولا سيما المستوطنون ومؤيدوهم (بن أليعازر 2016، 47).
وقد دار جدل كبير حول نظرية صرف الانتباه بواسطة الحرب التي يستخدمها باحثون مختلفون في تفسير الحروب، أبرزهم الباحث جاك ليفي (J.Levy)، الذي يقول إن استخدام القوة والعنف المنظم تجاه الخارج، لا ينبع بالضرورة من تهديد خارجي حقيقي، بل ينبع مراراً من أسباب داخلية: من رغبة واعية لدى القيادة في شن الحرب، بغية صرف انتباه الجمهور عن مشاكل داخلية، أو من أجل التقليل من أهمية تناقضات داخلية. فزعماء الدولة يدركون تأثير النزاع الخارجي على التكاتف الداخلي، ولذلك نجدهم أحياناً يفتعلون مثل هذا النزاع بشكل متعمّد، من خلال الدعاية والتحريض اللذين يضخّمان خطر «العدو الخارجي»، وبالتالي الحاجة إلى «التكاتف ضده» (بن أليعازر 2016، 49). يتعزز هذا النمط من صرف الانتباه بواسطة الحرب، في الدول الديمقراطية أكثر منها في الدول ذات الأنظمة الشمولية، بحسب الباحث كريستفر جيلبي (Gelpi, 1997) والسبب في ذلك هو أن الحكام في الدول الديمقراطية مرتبطون أكثر بإرادة الجماهير كلها أو جزء منها (بن أليعازر 2016، 50). إلا أن نظرية صرف الانتباه المنتشرة لدى علماء السياسة والباحثين في العلاقات الدولية، وبحسب بن أليعازر، تختزل فهم الحرب في مجرد ألاعيب ومناورات تمارسها النخب المختلفة، لكنه يرى أن هذا التفسير أضيق من أن يفسّر الحرب، لذلك يتوسع أكثر ويدعي أن استراتيجيا صرف الانتباه الملموسة التي استخدمتها الزعامة السياسية في إسرائيل نجحت لأنها جرت على أرضية خصبة، وهي أن السياسة كانت محددة بواسطة الثقافة، ويوضح قائلاً: «إن انشاء وتوطيد البنية المؤسساتية التي أعطت الشرعية للحلول الحربية، هو الذي أدّى – عند فشل محادثات كامب ديفيد في تموز 2000 – إلى نجاح استراتيجيا صرف الانتباه التي اتبعتها الزعامة الإسرائيلية والتي حولت الاضطرابات التي أثارها الفلسطينيون إلى حرب جديدة، وبذلك حرفت النزاع الداخلي الإسرائيلي نحو الخارج».

«انتفاضة الأقصى» البدايات والانفجار
صحيح أن الصاعق الرئيسي في تفجّر الانتفاضة الثانية كان زيارة أرئيل شارون للحرم القدسي الشريف يوم 28 أيلول 2000، واستفزازه لمشاعر العرب والمسلمين في أماكن وجودهم، إلا أن الموضوع لا يتوقف عند لحظة الحدث ذاته، بل يجب النظر إلى الأسباب الكامنة والخلفيات التي أسهمت في الانفجار، فالعوامل كثيرة، الذاتية والموضوعية منها.
أظهرت القيادة الفلسطينية، وبالتحديد المتحمسة للسلام، تفاؤلاً باتفاق إعلان المبادئ «أوسلو» الذي كان مضمونه الأساسي اعتراف «منظمة التحرير» بحق اليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين التاريخية في مقابل اعتراف إسرائيل بـ«منظمة التحرير الفلسطينية» الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبناءً عليه عادت قيادة المنظمة إلى الأرض المحتلة على أساس وجود مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات من توقيع الاتفاق، وبعدها يتم الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، لكن الإشارة الأولى التي لم تفهمها قيادة «منظمة التحرير» جيداً كانت مشاركة الجيش في مجزرة الحرم الابراهيمي التي نفذها المستوطن باروخ غولدشتاين، وإطلاق النار على المصلين، واستكمال المجزرة عنه بعد أن قتله المصلين المدافعين عن أنفسهم. أما الإشارة الثانية التي هزّت المجتمع الإسرائيلي فهي اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية وصاحب الاتفاق اسحق رابين، يومها أطلق قاتله أول عبارة فور إلقاء القبض عليه في تظاهرة التأييد للحكومة في وسط تل أبيب قائلاً: «انظروا هنا الى الساحة، نصفهم هنا من العرب»، مع أن رابين لم يكن ليعطي الفلسطينيين أكثر مما حصلوا عليه عند توقيع الاتفاق، إلا أن المراهنين على السلام في ظل الاحتلال اعتقدوا أن بإمكانهم الحصول على شيء.
تراجع هذا التفاؤل بعد مجيء حكومة نتنياهو عام 1996 (3)، وما صاحبها من عراقيل وضعها أمام القيادة الفلسطينية في مفاوضات «واي ريفير» (4)، فلم تنفذ إسرائيل في سنوات توليه رئاسة الحكومة المراحل الثلاث من إعادة الانتشار الثانية التي اتُفق عليها، إذ لم تنسحب من المناطق التي كان يتعيّن عليها تسليمها للسلطة الفلسطينية، فقط التزمت بتنفيذ إطلاق سراح أسرى فلسطينيين ضمن شروط محددة، لهذا كان التفكير في أن عودة حزب العمل الذي وقّع الاتفاق هو بارقة الأمل التي من الممكن الاستناد إليها لاستكمال تسوية قضايا الحل النهائي (5) وإعلان قيام الدولة الفلسطينية في أيلول 1999. لهذا كان مجيء باراك إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية موضع ترحيب من القيادة الفلسطينية، إلا أن المتفائلين بمجيئه، وفي واحد من إخفاقاتهم، لم يلتفتوا إلى أن باراك صوّت ضد اتفاق «أوسلو» حينما كان وزيراً للداخلية في حكومة رابين، في الوقت الذي كانت فيه الثقة بالاتفاق عالية (تماري 2001، 9). فعندما وصل الى رئاسة الحكومة رفض التوقيع على تنفيذ المرحلة الثالثة من الانسحاب، وهذا ما معناه أنه كان يجب على السلطة التفاوض على قضايا الوضع النهائي وهي لا تسيطر على أكثر من 60% من الأراضي التي شملها الاتفاق، وهذا ما رفضته القيادة الفلسطينية رفضاً قاطعاً، وتشبثت بكل قوتها بالخطوط الفلسطينية الحمراء بشأن الوضع النهائي.

بدأت الانتفاضة في مراحلها الأولى تأخذ زخماً شعبياً كبيراً يشبه إلى حد ما بدايات الانتفاضة الأولى 1987


شكّلت «أوسلو» في ذاتها الخلفية الأعمق «لانتفاضة الأقصى» (تماري 2001، 10)، فقد عاش الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة تجربة إفرازات أوسلو في ذلك الوقت، أي المرحلة الانتقالية التي أفرزت وضعاً وظروفاً لم تحتملها الأكثرية في الضفة والقطاع، مع أن من المفترض أن يكون عكس ذلك، فـ«السلام الحقيقي» عادة ما يذهب نحو التغيير الإيجابي على الطرفين، إلا أنه وفي الحالة الفلسطينية تعزز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبقيت الحركة بين المنطقتين مقيدة بشكل شبه تام، باستثناء عدد قليل من النخبة السياسية الفلسطينية وكبار التجار. وهذا ما يوضحه سليم تماري في مقالته حول الانتفاضة بعنوان انتفاضة الأقصى: الخلفية والتشخيص، حيث إنه وفي حين كان لنحو 100 ألف عامل متنقل (أقل من 5% من السكان) الحصول على أذون للعمل في إسرائيل نفسها، فإنهم (كباقي السكان) لا يستطيعون الحصول على أذون للسفر إلى مناطق أخرى في الأراضي المحتلة. في مقابل ذلك كان الاقتصاد الإسرائيلي يمر بفترة نمو وتطور وازدهار إبان الانتفاضة، وكان الإنتاج القومي الإسرائيلي يمر بفترة نمو وتطور وازدهار ومستوى الفرد كان يتحسن بشكل مطرد (النقيب 2003، 50)، أما ترتيبات ما يسمى "الممر الآمن"6 فقد تبين أنها نظام تصاريح (أذون السفر) المكروه في قناع جديد كما يصفه تماري. وفي داخل مناطق الضفة الغربية وغزة، وبالتحديد داخل الضفة، فقد تم تجزئتها إلى "معازل" متفرقة بعضها عن بعض، تشقها طرق التفافية إسرائيلية مخصصة لعبور المستوطنين منها فقط، ومناطق تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة (مناطق ج ) التي هي مناطق زراعية بالأساس والتي تسارع الاستيطان حولها لمحاصرتها، ولم تتوقف معاناة سكانها من أطماع المستوطنين واعتداءاتهم على الشجر والبشر، وحتى (مناطق ب) تقريباً عاشت الظرف نفسه، ولا يستطيع من يسكن الضفة الغربية الإفلات من السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلا في حال وجوده داخل مراكز المدن، هذا إذا أفلت من المطاردة الساخنة من قبل قوات الجيش الإسرائيلية ووحداته الخاصة. وقد استمرت عملية توسيع المستوطنات الاستراتيجية وتطويق القدس بمستوطنات محصنة وفصلها عن باقي أراضي الضفة الغربية ومنع الفلسطينيين من الدخول إليها إلا من خلال تصاريح تُمنح لفئة قليلة من السكان. كل هذه الظروف أفرزت وضعاً سيئاً ومُحبِطاً للأكثرية الفلسطينية التي تفاءلت بالسلام والهدوء، إلى أن جاءت «انتفاضة الأقصى» وبمزاج جماهيري يريد التخلص من الوضع القائم، فكانت زيارة زعيم الليكود في حينه أرئيل شارون إلى المسجد الأقصى التي لم تستمر نصف ساعة، لكنها أجّجت مشاعر العرب والمسلمين سنوات عديدة دفعوا ثمنها شهداءً وأسرى وجرحى وإعاقات وبيوتاً مهدومة وأشجاراً مقتلعة، ومستوطنات أكثر التهمت ما تبقى من الأرض، هذه المواجهة التي صدّر بها الاحتلال وجنرالاته أبشع ما لديهم من قوة وعنف تجاه شعب أعزل لا يملك إلا إرادته وبعض السلاح.

خطة «حقل الأشواك» الإسرائيلية وعسكرة الانتفاضة
مارست الإدارة الاميركية ممثلة برئيسها كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت ضغطها على السلطة الفلسطينية لعقد قمة ثلاثية في «كامب ديفيد»، والتي اشترط فيها باراك عدم الالتزام بتنفيذ الاتفاقات المرحلية ولا أي انسحاب جديد ولا إطلاق سراح معتقلين ولا تسليم لقرى العيزرية وأبو ديس والسواحرة المجاورة للقدس، ونجحت خطة باراك وكان له ما أراد. وافق الرئيس الأميركي على عقد القمة بناءً على أجندة باراك بعد أن وضعه أمام احد خيارين؛ إما القمة العربية أو انفجار عملية السلام وسفك الدماء (نوفل 2001، 6). راهن باراك على ضغط يمارسه كلينتون الذي سيطرت عليه الرغبة في تحقيق نصر سياسي في منطقة الشرق الأوسط بعد مرور ثماني سنوات من ولايته، على عرفات لتقديم تنازلات بشأن القضيتين الأعقد (القدس واللاجئين) مع أن مستشاريه نصحوه بتأجيل الحديث عن هاتين القضيتين لأنهما قد تنسفان المفاوضات، لكنه أصرّ على موقفه، وقبل مغادرته مطار تل أبيب أعطى باراك توجيهاته إلى أذرع الأمن الإسرائيلية باستكمال الاستعدادات الميدانية الضرورية لوضع خطة «حقل الأشواك» المعدّة مسبقاً لقمع الفلسطينيين موضع التنفيذ، في حال فشلت مفاوضات القمة الثلاثية (نوفل 2001، 6). الخطة تقضي بإعادة احتلال أجزاء كبيرة من الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في وقتها، والتي نفذها أريئيل شارون في ما بعد، خلال عملية أطلق عليها اسم «السور الواقي» (7)، وبناءً على تعليمات باراك «شرعت قيادة الجيش الإسرائيلي وأذرع الأمن الأخرى بفحص وتدقيق المعلومات المتوفرة لديها وتحديثها حول القدرات العسكرية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية والفصائل والتنظيمات الوطنية والإسلامية، وعلى رأسها حزب السلطة «تنظيم فتح»، وفعّلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية صلاتها بعملائها من الفلسطينيين، السريين والمكشوفين، وشاركتهم المهمة. واستعدت القيادة العسكرية بأعداد محدودة من قوات الاحتياط، وأعادت النظر في انتشار وحدات الشرطة وحرس الحدود ووحدات المشاة الميكانيكية والدبابات المتمركزة في الضفة وقطاع غزة. واتخذت الأجهزة الأمنية المستوطنات الأمنية والسياسية مواقع قتال أساسية للجيش، وأقامت التحصينات الضرورية فيها، ورصدت كميات التموين والأسلحة والذخائر والمعدات الحربية اللازمة، وأدخلت المستوطنين المسلحين ضمن خططها القتالية المحلية، وربطتهم بتشكيلات القوات النظامية، لمواجهة أسوأ الاحتمالات وبما يكفل تنفيذ الخطة دفعة واحدة أو بالتدريج. وأولت المؤسسة السياسية والعسكرية أهمية للعمل الدعائي والإعلامي، ورصدت له الخبرات والإمكانات المادية لضمان النجاح في تضليل الرأي العالمي وتحويل الضحية إلى قاتل وجلاد، وقلب الصورة رأساً على عقب» (نوفل 2001، 11).
بدأت أحداث الانتفاضة تتدحرج، وكان مشهد الطفل الشهيد محمد الدرّة وهو يسقط في حضن والده المشهد الذي هزّ العالم وأسهم في انخراط عدد كبير من الناس في فعاليات الانتفاضة. وبدأت الانتفاضة في مراحلها الأولى تأخذ زخماً شعبياً كبيراً يشبه إلى حد ما بدايات الانتفاضة الأولى عام 1987، تظاهرات جماهيرية واشتباكات بين الجنود المسلحين والشبان الفلسطينيين بحجارتهم، إضرابات عامة، وتشكيل ائتلاف عريض من الفصائل الفلسطينية «القوى الوطنية والإسلامية» (رباني 2001، 15). وفي يوم 6 تشرين الأول 2000 زحفت جماهير مدينة نابلس بقراها ومخيماتها نحو «قبر يوسف» (8) واشتبكوا مع حرّاس الموقع، ومن ثم تحولت المظاهرات إلى اشتباكات مسلحة قوية تعرض خلالها الجنود الإسرائيليون لنيران كثيفة من عدة اتجاهات. تواصلت الاشتباكات طيلة الليل، ولم تفلح القوات الإسرائيلية في إخلاء الجنود من الموقع، فطلبت من السلطة الفلسطينية ذلك، وكلّف ياسر عرفات قيادة جهازي الامن الوقائي والوطني بهذه المهمة، وتم إنجازها بعد التفاوض مع الجماهير الغاضبة التي بدأت بهدم الموقع ورفعت العلم الفلسطيني عليه. بهذا يكون «قبر يوسف» أول موقع عسكري تحرّره الانتفاضة بالقوة (نوفل 2001، 50)، ردّ الإسرائيليون مباشرة على ذلك بإحراق مساجد في طبريا وعكا، وحاولوا إحراق بعض المساجد في يافا، ومن بعد ذلك أحرق الفلسطينيون الكنيس اليهودي في أريحا (تماري 2001، 14). لكن السمة الجماهيرية للانتفاضة بدأت شيئاً فشيئاً بالخفوت والتراجع، بعد الشهور الأولى من الانتفاضة، ولم يكن دور الفصائل في تعبئة وتنظيم الجماهير كما المطلوب، وبالأساس لم يكن هناك اتفاق فلسطيني - فلسطيني على أهداف الانتفاضة وأدوات عملها ولا حتى قيادتها، أي لم يكن هناك قيادة وطنية موحدة للانتفاضة على غرار ما كانت عليه الأمور في الانتفاضة الأولى 1987 – 1993. وبسبب الإجراءات العسكرية الإسرائيلية والعنف الشديد في التعامل مع المنتفضين، تحولت الانتفاضة إلى مواجهات عسكرية واشتباكات وعمليات فدائية داخل الأراضي الفلسطينية عام 1948، أسهم في ذلك، بحسب صالح عبد الجواد، شعور الفلسطينيين بأن نهج اللاعنف لم يحقق الكثير في الانتفاضة الأولى، من دون البحث في الأسباب الحقيقية وراء ذلك، مثل درجة التنظيم والاستعداد والتدريب والعامل القيادي، كما ساعد في ذلك الانتشار الكبير للسلاح قبل سنوات الانتفاضة، إضافة إلى الوضع الجديد الذي أفرزه «أوسلو»، وبالتحديد الطرق الالتفافية التي فصلت بين المحتل والسكان، حيث أصبحت نقاط الاحتكاك مع قوات الاحتلال محدودة وتستلزم قوة الحجر (عبد الجواد 2001، 14).

* صحافي فلسطيني وطالب ماجستير «دراسات إسرائيلية» في جامعة بيرزيت

المراجع

• أريان، آشر. 1994. «الأمن الاسرائيلي والعلمية السلمية: الرأي العام سنة 1994». مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 18: 133 - 151 . https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D
9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9.pdf

• بايبه، ايلان. «التطهير العرقي في فلسطين». 2007. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

• بن اليعازر، أوري. «حروب إسرائيل الجديدة: تفسير سيسولوجي – تاريخي». ترجمة سعيد عياش. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار. 2016.

• الأعرج، عبد العزيز. 1994. «المستوطنون ضد «اتفاق أوسلو»». شؤون الأوسط عدد 27: 21 - 35. 261898/Record/com.mandumah.search://http

تماري، سليم. 2001. «انتفاضة الأقصى: الخلفية والتشخيص». مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 45، 46: 7 - 23. https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/MDF%20007-025.pdf

• الحسيني، مأمون. «المستوطنون وانتفاضة الأقصى». شؤون الأوسط.

• خواجه، محمد. «إسرائيل: جيش صغير وذكي.. لكن» شؤون الأوسط عدد 146: 125 - 132.

• رباني، معين.2001. «الحجارة والصواريخ: النتيجة الحتمية لاتفاق أوسلو». مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 47: 7 - 19. https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE.pdf

• مصطفى البرغوثي. صالح عبد الجواد. ممدوح نوفل. جميل هلال. 2001. «ندوة: وجهات نظر في تطورات الانتفاضة واهدافها». مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 47: 42.

• مصطفى النقيب، فضل. ربيع 2003. «تأثير انتفاضة الأقصى في الاقتصاد الاسرائيلي». مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 54: 50 - 62. https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/%D8%AA%D8%A3%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%B5%D9%89.pdf

• نوفل، ممدوح. 2002. انفجار عملية السلام. عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع.

• ينزيمان، عوزى. 1993. «مفاوضات أوسلو: قصة الاتصالات السرية التي سبقت الاتفاق» مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 16: 136 - 144.https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA%20%D8%A3%D9%88%D8%B3%D9%84%D9%88%20-%20%D9%82%D8%B5%D8%A9.pdf