أول ما يلفت نظرك، وأنت تسير في شوارع المدن الصينية، أن التراث والقِيم الإنسانية والأخلاقية الموروثة تتراجع إلى حدّ كبير تحت وطأة انتقال المجتمع الصيني بفئاته كافة، لا سيما الشبابية منها، لصالح التجديد والتقليد في الزي والمأكل والملبس لكلّ ما هو غربي أو أجنبي، في عملية محاكاة واضحة للنموذج الغربي في التعاملات والعلاقات، ما يشكّل ظاهرة ملفتة ومقلقلة في آن!

من بين تلك الظواهر المُقلقة والواضحة في المجتمع الصيني، أن تحقيق المنفعة، وطغيان هَم تحصيل المال وتحقيق الربحية صار أحد سِمات الشرائح الاجتماعية، التي تخطّ شوطاً متسارعاً نحو القيم المادية بعيداً عن القيم الأخلاقية في تعاملاتها وعلاقاتها، شأنها في ذلك شأن المجتمعات الرأسمالية الجانحة نحو تحقيق المنفعة الفردية، ولو على حساب منفعة الجماعة ككل.
ويرى الباحث السياسي لورنس برام «أن الزعماء الصينيين غير مهتمّين حالياً بالأيديولوجيا، وليسوا مشغولين بالاشتراكية بخصائصها الصينية، بل إنهم مشغولون بنقل مجتمعهم إلى العصر الصناعي المعاصر وجَني المزيد من المال، وفتح الأسواق الخارجية وتصريف السلع والمنتجات، ورفع مستوى المعيشة لدى أضخم شعب في العالم من حيث عدد السكان... إن الأيديولوجيا لم تعد تعني الكثير للصينيين حالياً، وأغلب الصينيين يشاركون نظراءهم من أفراد الطبقات الوسطى في العالم اهتماماتهم الخاصة بتحسين مستوى الحياة».
من هنا لا بدّ من الاستنتاج، أن الفشل الناتج عن انهيار النظام الشيوعي والحال التي آلت إليها الأوضاع في جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، شكّلا تحذيراً للمجتمع الصيني لوعي خطورة إمكانية تفكك النظام السياسي الصيني مستقبلاً، وذلك على خُطى بقية الأنظمة، التي سقطت تحت وطأة فشل طروحاتها السياسية وعجزها الاقتصادي.
في المؤتمر الوطني الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني سنة 1997 أُجريت تعديلات على المكتب السياسي واللجنة الدائمة للمكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب والتي تعتبر الأذرع الرئيسية للتخطيط السياسي في الصين. وفي المؤتمر الوطني السادس عشر للحزب الشيوعي الصيني في سنة 2002 تم تجديد القيادة، حيث انتقلت السلطة، بسلاسة واستقرار من جيل إلى جيل. وكان ذلك إيذاناً بانتهاء نظام أبدية السلطة والمركزية المفرطة لسلطة كبار قادة الحزب والدولة.

ظلَّ المجتمع الدولي ينظر إلى الإصلاحات التي كانت تُطرح في الصين على أنها اقتصادية محض


وفي كل المؤتمرات اللاحقة للحزب الشيوعي حتى يومنا هذا، برزت تغييرات كبيرة أيضاً، من خلال إصلاح نظام قيادة الحزب والدولة خلال المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي عُقد في سنة 2007، حيث بدأ انضمام المزيد من المسؤولين على المستوى القاعدي إلى مجموعة القيادة المركزية الصينية. هكذا انتقل العقل الصيني لإيجاد آليات دفاعية احترازية في مرحلة صعوده الأسطورية نحو العالمية. آليات تجمع بين دعم عوامل السوق ومحاولة الإبقاء على طموحات قِيمية تستند إلى قيم الأصالة والتراث.
على مستوى علم الاجتماع السياسي، يجب التنبّه إلى العلاقة بين التيارات التي تنادي بالديمقراطية وحجم الطبقة الوسطى في أيّ مجتمع من المجتمعات، إذ يتبيّن من عدد من الدراسات في هذا المجال، أن هناك علاقة طردية بين حجم الطبقة الوسطى، ومستوى النزوع المجتمعي إلى الديمقراطية. ذلك يعني أن الإصلاحات الاقتصادية قد تحمل معها تغيّراً في البُنية الاجتماعية للمجتمع الصيني، الأمر الذي يؤدّي مع الارتفاع المستمر في معدل دخل الفرد إلى تزايد حجم الطبقة الوسطى، ما يعزّز المطالب الليبرالية. وهذا ما شهدناه ولا نزال نشهده في الشارع الصيني من خلال تململ الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة مما آلت إليه الأحوال وهي تنادي بالتغيير، وتتّهم سياسة النظام بالعنصرية والفشل في إدارة الاقتصاد وبالانحياز إلى البرجوازية الحزبية المتحكّمة بسلطة القرار في الصين. علماً أن النظام السياسي في الصين مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمؤسّسة العسكرية، الأمر الذي يعني ضرورة الأخذ بعين الاعتبار، مدى تشكيل هذه المؤسسة كابحاً أو داعماً للتوجّهات عند دراسة النظام السياسي من ناحية، ومدى انغماسها في النشاط الاقتصادي من ناحية أخرى.
ومن بديهيات القول إنه في ظلّ التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي يشهدها العالم، يفرض الإصلاح نفسه على الواقع السياسي لأيّ دولة من الدول سواء كانت صغيرة أم كبيرة، وبصرف النظر عن طبيعة نظامها السياسي. ذلك أن تكييف آليات النظام السياسي بما يتلاءم مع المتغيّرات الحاصلة يصبح مُلحّاً في هذه الحال، وإلّا فإن تجربة الحُكم لأيّ دولة تصبح محفوفة بالكثير من التحدّيات والمخاطر غير المتوقعة، في حال لم يؤخذ بالحسبان تطوير آليات جديدة للتكيّف مع الوقائع المجتمعية والسياسية المستجدّة. وهنا لا بدّ من القول إنّ المجتمع الصيني، بقي منذ آلاف السنين يقوم على القرار الفردي في ما يُسمى بالسلطة الشخصية.
في المقابل - وحتى مراحل متأخرة - ظلَّ المجتمع الدولي ينظر إلى الإصلاحات التي كانت تُطرح في الصين، بدءاً من الثورة الثقافية التي أجراها الزعيم ماو تسي تونغ عام 1965 وصولاً إلى برامج التحديثات المتعاقبة في بُنية الدولة وأجهزتها، على أنها اقتصادية محض، بدون أن يُسجل فعلياً أنه إنجاز في عملية الإصلاح السياسي وفي عملية إصلاح البنية الاجتماعية للسكان.
لقد أدرك الحزب الشيوعي الصيني، بشكل عميق خطورة هذا الأمر فشرع بعد تنفيذ سياسة الإصلاح والانفتاح التي قادها الزعيم دنغ شياو بنغ بدءاً من نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلى إرساء معالم إصلاحات في بُنية النظام السياسي وهيكلياته التنظيمية، وفي تطوير وإعادة بناء النظام القانوني الحديث للدولة على مختلف الأصعدة خاصة ما يتصل منها بتحديث وتطوير النظام السياسي والتمثيل الشعبي وتأمين مصالح المواطنين وتلبية حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية، من خلال الهيكل الإداري للدولة وأجهزته المختلفة التي تميز بمركزية شديدة من قِبل السلطة الحاكمة على مدى عقود طويلة من الزمن.
والحقيقة أن الحكومات الصينية المتعاقبة، التي عملت تحت شعار سياسة الإصلاح والانفتاح، أنجزت تغيرات كبيرة على نظمها السياسية. هذه التغيرات يمكن رصدها في مجالات إصلاح نظام قيادة الحزب والدولة وقوانين التجارة والصناعة والملكية والضمان الاجتماعي...
ولا بدّ من القول إنه قبل الإصلاح والانفتاح، سيطر نظام أبدية السلطة والمركزية المفرطة لقيادات الحزب والدولة على التنمية السياسية في الصين. ويُسجّل في هذا السياق أن الخطاب السياسي للحزب الشيوعي الصيني قد تطوّر بدءاً من أواخر القرن الماضي وصار يدعو إلى تطوير الديمقراطية في البلاد تماشياً مع التطور الذي يشهده المجتمع الصيني في وعيه وفي تطوره الاقتصادي والسياسي. كما بُذلت جهود كبيرة لإصلاح نظام القيادة في الحزب والدولة في عدة مؤتمرات للحزب، فتمّ اعتماد نظام التقاعد وتقييد مدة الخدمة، وإقرار نظام القيادة الجماعية للدولة والحزب...
تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد انتخابات حزبية في الصين بالمعنى التقليدي السياسي للكلمة، ولكن الصين تتمتّع بمجموعة قيادات شابة من الجيلين الثاني والثالث للحزب، يجري كودرتها وإعدادها من قِبل اللجنة المركزية واللجان الحزبية الإعدادية ذات الصلة. وفي العام الماضي، جرى تكليف لجان متخصّصة لإعداد آليات لتجديد مبادئ الحزب الشيوعي الصيني وسياساته العامة بانتظام بما يتناسب مع متطلبات مرحلة التغيير والإصلاح وسياسة الانفتاح التي تنتهجها الصين، فيما يُعّد تغييراً عميقاً للنظام السياسي الصيني ونجاحاً غير مسبوق يواكب مقتضيات التطور في سعي الصين نحو تحقيق حضورها العالمي.
* أستاذ جامعي وباحث في العلاقات الدولية