ما حفّزني على الخوض في موضوع التحريض على سوريا ومصر عشية حرب حزيران 1967 اطلاعي على كتاب «حروب مصر في الوثائق الإسرائيلية» لمؤلّفه الباحث محمد البحيري الذي ارتكز فيه إلى وثائق «إسرائيلية» نُزع عنها طابع السرية وعلى أخرى أميركية وعلى كتب ودراسات لخبراء مطّلعين في كيان العدو، وأيضاً الاطلاع على دراسة للدكتور محمود محارب بعنوان «دور إيران في حرب 1967». في الكتاب تطرّقٌ إلى التحريضَين الأردني والإيراني على ضرب سوريا ومصر، وفي الدراسة تناولٌ للتحريض الإيراني على ضرب مصر.


1 - تحريض النظام الأردني
في ظل احتدام الصراع بين حركة التحرر القومي العربي الممثلة بمصر الناصرية وسوريا البعثية من جهة والعدو الصهيوني وأميركا والنظامَين الأردني والسعودي من جهة أخرى، وقد شكل النظام السعودي رأس الحربة في مواجهة قوى التحرر العربي، وخاصة إعلانه الحرب على الثورة اليمنية وعلى الجيش المصري الذي آزرها ومن ثم إطلاق الملك فيصل فكرة قيام «حلف إسلامي» في مواجهة حركة القومية العربية. في سنة احتدام هذا الصراع برز دور العمل الفدائي على الجبهة الشرقية مما شكل إرباكاً للنظام الأردني، وعلى رأسه الملك حسين يدير علاقات سرية مع قادة صهاينة منذ عام 1963 وبذل جهداً كبيراً لعرقلة العمليات الفدائية ضد «إسرائيل».
«اعتبر النظام الأردني أن سوريا تشكل عقبة في طريق الهدوء الذي عمل عليه بالتفاهم مع «إسرائيل»، فوجّه قبل «عملية السموع» (1) بشهور قليلة بحسب ما تبيّنه الوثائق الأميركية رسالة إلى إسرائيل، كان نصفها مُشفراً ونصفها الآخر صريحاً تقول إن إسرائيل إذا وجّهت ضربة عسكرية سريعة إلى سوريا سوف لن تبدّد الهدوء المخيم على المنطقة، ولن تتدخل مصر فيما يحدث رغم اتفاق الدفاع المشترك بينها وبين سوريا(2).
إثر «عملية السموع» «اشتعل غضب الملك حسين الذي كان حريصاً على إقامة علاقة ودّية سرّية مع قادة إسرائيل وبذل غاية جهده لمنع حصول عمليات فدائية ضد هذا الكيان! وأثارت هذه العملية كذلك غضب الأميركيين الذين تساءلوا: لماذا اختارت إسرائيل مهاجمة حليفة قريبة بهذا القدر للولايات المتحدة الأميركية بينما منحتها ضوءاً أخضر لمهاجمة سوريا؟!... لماذا لم تهاجموا السوريين؟ بهذه الصيغة الوضيعة تساءل دبلوماسي أميركي رفيع غاضباً، طالباً الإجابة من أحد قادة الجيش الإسرائيلي خلال زيارة له إلى إسرائيل بعد عملية «السموع»! لماذا اخترتم المسّ بدولة ودودة وحليفة للغرب؟»(3).

2- تحريض شاه إيران المخلوع
استناداً إلى كتاب البحيري ودراسة محارب يمكن رسم صورة واضحة لمشهد تحريض الشاه للعدو الإسرائيلي على ضرب مصر: كانت إيران الشاه قلقة من الوجود العسكري المصري في اليمن ومن ازدياد المد الناصري في الجزيرة العربية، وعدّته خطراً على أمنها القومي يعرّض مصالحها للخطر وهذا ما استحوذ على ذهنية القيادة الإيرانية، ودفعها إلى القيام بخطوتين: أولاهما، دفع «إسرائيل» للقيام بعمل عسكري ضد مصر بهدف سحب جزء كبير من جيشها أو كله من اليمن وحشده على الحدود مع «إسرائيل». ثانيهما، السعي لدى الاتحاد السوفياتي من أجل أن يضغط على مصر لسحب جيشها من اليمن!(4)
قبل التطرق إلى الخطوة الأولى لا بدّ من إلقاء لمحة سريعة على التطور الكبير في العلاقات الإسرائيلية - الإيرانية في ستينيات القرن الماضي وأواخر خمسينياته في العديد من المجالات ولا سيما في العسكري والأمني-المخابراتي الذي تجلّى في زيارات سرية قام بها قادة المؤسستين إلى طهران (5).

كانت إيران الشاه قلقة من الوجود العسكري المصري في اليمن ومن ازدياد المد الناصري في الجزيرة العربية


وحول لقاء الشاه برابين الذي حرّض خلاله الشاه على ضرب مصر، تقول الدراسة: «كانت أهم الزيارات تلك التي قام بها إلى إيران رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إسحق رابين في 14/04/1967 حيث اجتمع مع الشاه ورئيس حكومته وقادة المؤسسات العسكرية والأمنية وعالجت مباحثاته القضايا الاستراتجية التي تربط الدولتين وفي مقدمتها ضرورة التعاون بينهما لمواجهة مصر بقيادة الرئيس عبد الناصر، ولا سيما الوجود العسكري المصري في اليمن، وازياد نفوذ الناصرية في الجزيرة العربية، وطالب رابين بزيادة كمية النفط التي تحصل عليها إسرائيل من إيران والتي كانت تشكل 85 % من استهلاك كيانه»(6)، «وقد عبّر الشاه لرابين عن قلقه من الوجود المصري في اليمن لأنه يشكل عائقاً جدياً أمام امتداد النفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية وخطراً على العالم العربي [كذا] وأن هذا الخطر يهدد مصلحة إسرائيل أيضاً، وأن هناك مصلحة مشتركة بين البلدين لإشغال الجيش المصري في أماكن أخرى، وإشغال سوريا حتى لا تساند مصر»(7).
«يشير [عامي] جالوسكا(8) إلى دور إيران في تصعيد الموقف ودفعه إلى حافة الهاوية عبر تسريبها معلومات استخبارية كاذبة إلى الاتحاد السوقياتي بشأن نوايا إسرائيلية بشن هجوم مباغت على سوريا، الأمر الذي أدى إلى غضب جمال عبد الناصر وإعلانه تحريك القوات المصرية وتضامنه مع سوريا، وانتهى بتورط مصر في حرب لم تكن مستعدة لها على الإطلاق. وحقق مصلحة إيرانية في النهاية بتخفيف الضغط المصري على منطقة الخليج العربي، وإحلال الضغوط الإيرانية مكانها»(9).
الخطوة الشاهنشاهية الثانية: السعي لدى الاتحاد السوفياتي
سعى الشاه لدى الاتحاد السوفياتي من أجل أن يضغط على مصر لسحب جيشها من اليمن وكبح نفوذها في الجزيرة العربية. وقال الشاه لرابين، إنه «أوضح للسوفييت أن مصلحتهم في إيران لا تقلّ عن مصلحتهم في مصر، ولذلك وقع مع الاتحاد السوفياتي على اتفاقيات اقتصادية وتجارية ضخمة شملت مجالات كثيرة مثل النفط والغاز وإقامة مصانع روسية في إيران وشراء أسلحة. وقال الشاه لرابين، إن خطوته هذه التي فاجأت الكثيرين ومنهم الأميركيين، هدفت إلى جعل الروس يفكرون بجدية في ماذا يربحون من علاقتهم مع الرئيس عبد الناصر في مقابل ما يجنونه من علاقتهم بالشاه»(10).
لكن وكما تؤكد المعطيات المتوافرة كافة عن تلك الحقبة فإن سعي الشاه لدى السوفيات لم يجد آذاناً صاغية في الكرملين. وترافق مع هذين التحريضين تحريض آخر تمثل في رسالة بعث بها العاهل السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأميركي ليندون جونسون بتاريخ 23/11/1966 طلب فيها من الإدارة الأميركية بأن توعز إلى «إسرائيل» بأن توجه ضربة عسكرية إلى مصر الناصرية.
* كاتب لبناني

هوامش:
(1)عملية السموع: مجزرة ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قرية السموع الأردنية بتاريخ 13/11/1966 وأدّت إلى قتل وجرح العشرات من سكانها ومن أفراد الجيش الأردني وإلى تدميرها.
(2) «حروب مصر في الوثائق الإسرائيلية» محمد البحيري، ص 122.
(3) المصدر عينه، الصفحة عينها.
(4) دراسة الدكتور محمود محارب بعنوان «دور إيران في حرب 1967».
(5) المصدر أعلاه.
(6) المصدر اعلاه.
(7) «حروب مصر في الوثائق الإسرائيلية» ص 131.
(8) عامي جالوسكا: عميد احتياط في الجيش الإسرائيلي أعد دراسة لقسم التاريخ في هيئة الأركان الإسرائيلية بعنوان «إشكول أصدر أمرك» وقد حوّلها إلى رسالة خولته نيل درجة دكتوراه من جامعة القدس، ولاحقاً أصدرها في كتاب حُذف منه بعض المواضيع التي اعتبر نشرها للملأ يمس بالأمن الإسرائيلي.
(9) «حروب مصر في الوثائق الإسرائيلية» ص 131.
(10) دراسة «دور إيران في حرب 1967».