في الشهر الماضي نشرت دار النشر العريقة ‹بِنْغْوِن/penguin› التي تأسست عام 1935، ترجمة إنكليزية للمؤلَّف الإسباني بيدرو بانيوس «Pedro Baños, Asi Se Domina El Mundo/هكذا يتحكّمون في العالم» للكولونيل احتياط الإسباني بِدرو بَنْيُس الذي تسلّم عدة مناصب عليا في بلاده، منها إدارة الأمن القومي ورئيس دائرة الأمن ومكافحة التجسس في الفيلق الأوروبي في ستراسبورغ. الكولونيل الكاتب يسرد سيرته الشخصية العملياتية بالقول:

«كنت رئيس دائرة الأمن ومكافحة التجسس في يوروكورب في ستراسبورغ 2004 - 2010 وأمضيت هذه السنين في تدريس الاستراتيجية والعلاقات الدولية في المدرسة العليا للقوات المسلحة وهي المركز العالي لدراسات الدفاع الوطني في مدريد، وفي عام 2010 كنت أشارك في الدليل العام لسياسة الدفاع خلال الرئاسة الإسبانية للاتحاد الأوروبي (2010-2012) وعُيّنتُ رئيس وحدة التحليل الجيوسياسي في قسم الدراسات الإستراتيجية والأمنية التابع للأمانة العامة لسياسة الدفاع. وحضرت بصفتي هذه العديد من الدورات المدنية منها والعسكرية ليس فقط في إسبانيا، لكن أيضاً في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وبلجيكا وتركيا والمملكة المتحدة والصين و[كيان العدو الصهيوني].
لقد كنت محاضراً دورياً في العديد من الجامعات والمراكز والمؤسسات في إسبانيا والخارج حول موضوعات مثل الإستراتيجية والجغرافيا السياسية والاستخبارات والإرهاب والعلاقات الدولية والدفاع والأمن. كما كنت أكتب عن هذه المواضيع لأكثر من عشرين صحيفة ومجلة وصفحة ويب وأشارك في فصول مؤلفات عديدة. حضّرت درجة الماجستير لمدة عامين في الأمن والدفاع بجامعة كومبلوتنسي بمدريد، وكنت أعمل في البرلمان الأوروبي في بروكسل مستشاراً عسكرياً وشاركت في ثلاث بعثات في البوسنة والهرسك (قوة الأمم المتحدة للحماية وقوة تحقيق الاستقرار وقوة الاتحاد الأوروبي)».
أردنا من إيراد هذا الاقتباس المطوّل المترجم من صفحة الكولونيل الكاتب على الإنترنت أن نوضح للقراء أننا لا نتعامل مع شخصية مغمورة تتناول بالبحث موضوعاً مثيراً بهدف لفت الانتباه إليها، وإنما مع شخصية مرموقة في بلادها وفي القارة الأوروبية وحلف الناتو.
عنوان المؤلّف يشير إلى محتواه وهو التحدث عن 22 استراتيجية سرية تتبعها القوى العالمية للتحكم في المعمورة واقتصادات مختلف البلاد، لكن ليس هذا موضوع هذا المنبر وقد نُفرد للمؤلف عرضاً مفصّلاً إن رأينا حاجة القراء إلى ذلك.
وإذا كان الحديث في هذا الموضوع يثير حساسيات كثيرة لدى البعض الذي سيسارع إلى اتّهام الكاتب بسلوك نظرية المؤامرة، فإن الفضيحة الكبرى تكمن في ادعاء جهات إشكنازية بأن المؤلف معادٍ لليهود (anti-semite). المشكلة أن قراء النسخ الألمانية والإنكليزية المترجمة لم يعثروا فيه على أي إشارة إلى يهود أشكناز أو غيرهم، ليتبيّن فيما بعد أن دار نشر بِنْغْوِن حذفت مقاطع كاملة من الأصل الإسباني تحوي إشارات ثلاث إلى عائلة رُتشِلد بما في ذلك قسم يقارن ثروتهم بالعائلات الغنية الأخرى ويخلص الكولونيل الكاتب إلى ما يلي: «من الواضح أن القوة الاقتصادية [لرُتشِلد] هائلة.. كما هي قدرتهم على التأثير من النواحي كافة، وبالنظر إلى المسافة التقليدية التي تتّخذها العائلة من أضواء وسائل الإعلام فإنها قادت إلى تكهنات متعدّدة حول قدرتها على التدخل في القرارات العالمية الرئيسة». قيام دار النشر العالمية المرموقة بحذف الإشارات إلى عائلة رتشلد يعني أنها تحاول جعل المؤلف كوشير ‹kosherize› [أن يلتزم بالتعاليم اليهودية الخاصة بالأطعمة] كي لا تثير حساسية يهود. هذا الحذف والعبث بالمؤلَّف حتى من دون إبلاغ القارئ به يعدّ فضيحة ما بعدها من فضائح في عالم النشر في الغرب، ويتنافى على نحو حاسم مع حرية الرأي والبحث العلمي. ومع أن الناشر رفض في البداية إلصاق تهمة معاداة اليهود بالمؤلف، فإنه رضخ في نهاية المطاف وشكّل لجنة تقويم «خارجية مستقلة [كذا!]» برئاسة الحاخام جوليا نرمبرغر وصلت، وكما هو متوقع، إلى استنتاج بأن نسخة المؤلف الإسباني معادٍ لليهود من ناحية أنه «صدى لنظريات المؤامرة اليهودية». إن خضوع دار النشر العريقة لسلطان اليهود والصهاينة وقوتهم التي تتجلّى في منع أيّ حديث في قوة اليهود والصهاينة أمر يدعو للتقزز والخجل.
بالعودة إلى قوة عائلة رتشلد المالية وتأثيرها فمن السهل التأكد من ذلك بالعودة إلى تصريح/وعد بلفور الذي وجهته الحكومة البريطانية إلى عائلة رتشلد، فكيف يمكن نفي مدى قوتها وعدّ ذلك معادٍ لليهود!
وهناك حقيقة أن كلمات الأغنية الشهيرة «fiddler on the roof» تقول بكلماتها اليديشية و«العبرية» ما معناه بالعربية «لو كنتُ من عائلة رُتشلد/ if i were a rothschild» والتي تضع في النسخة الإنكليزية كلمة (ثري/ rich) بدلاً من اسم العائلة اليهودية، ويمكن للمهتم التأكد من ذلك من النسخة اليديشية المتوافرة على الإنترنت. كما إن فئة الخمسمئة شِيكل القديمة في كيان العدو تحوي صورة البارون إدمند د رتشلد، فكيف يمكن نفي تلك الحقيقة التي أشار الكولونيل الإسباني إليها!
على أي حال، هذه الفضيحة دفعت كثيرين للتساؤل إن كانت دار بنغون تنوي حذف مؤلفات أخرى يقال إنها تثير حساسية يهود والصهاينة، ومنها مؤلفات جورج أروِل وكذلك حذف رواية الآيات الشيطانية لسلمان رشدي لأنها تثير حساسية مسلمين وكذلك مؤلفات تي إس إليُت! إن تصرف دار بِنغوِن المخزي بحذف مقاطع عادية من مؤلف فقط لإرضاء جماعات الضغط اليهودية/الصهيونية يشي بانعدام الأمانة الفكرية والالتزام بالحقيقة.
لكن ثمة فضيحة أخرى مصاحبة لهذا المؤلف ومرتبطة بمقالتي هذه. فقد اتصلت بالكولونيل الكاتب الإسباني طالباً منه تزويدي بنسخة رقمية من النسخة الأصلية بهدف عرضها في ملحق «كلمات»، فحولني إلى ناشره ودعم طلبي. الفضيحة أن هذا الأخير لم يجب عن رسالتَيَّ له رغم تدخل الكاتب مرتين لصالح طلبي، ما يوضح مدى خضوع الناشر الإسباني لجماعات الضغط الصهيونية مع أن النسخة الأصلية متوافرة في الأسواق في إسبانيا.