لا شك أنه لأمر مثير للاستغراب الشديد أن يكون رئيس البلاد، في هذه المرحلة التي بلغت فيها الأزمة الاقتصادية ذروة غير مسبوقة، مهجوساً بتفسير المادة 95 من الدستور فيما لا يحتاج فيها إلى تفسير! كان الأولى بالرئيس أن يستخدم حقه الدستوري لمخاطبة المجلس (البند 10 من المادة 53) بشأن تلك الأزمة، قبل أن تبلغ البلاد، بسبب تفاقمها المخيف درجة الانهيار والإفلاس!

لكن، مع ذلك، لا ينبغي تجاهل أهمية مسألة التعامل مع الدستور بمناسبة هذه الرسالة أو، حتى، بدون مناسبة. إن تجاهل أو تعطيل بنود أساسية في الدستور إنما يقفان في صميم سياسات أدت وتؤدي بالبلاد إلى ما هي عليه من تفكك وانقسامات وتعطيل وعجز ونهب وفساد ومخاطر مفتوحة على أسوأ الاحتمالات بينها تهديد الاستقرار في البلاد (وربما السلام الأهلي)، وتهديد لقمة عيش الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، وإثارة فوضى قد تكون شاملة تستغلها قوى متآمرة ومتربصة من أجل الإطاحة بمنجزات تاريخية حققها الشعب اللبناني. وهي منجزات تحققت في مواجهة العدو الصهيوني الذي احتل، أوائل الثمانينات، نصف البلاد ومنه العاصمة بيروت، ثم اضطر أن ينسحب مدحوراً إثر ملحمة صمود ومقاومة لم يعرفها تاريخ الصراع معه طيلة 70 عاماً.
يبحث الرئيس عون وتياره (منذ عودته عام 2005)، عبر السياسات والتحالفات الداخلية والخارجية، وعبر نصوص الدستور تفعيلاً أو تعطيلاً، وعبر الشعارات والتعبئة الطائفية في معظم الحالات، عن «الحقوق» و«الصلاحيات»... أي هو يبحث عن استعادة السلطة أو معظمها على غرار ما كان قائماً قبل عام 1975 عموماً، وقبل إقرار تسوية «الطائف» لعام 1989 خصوصاً. من وجهة نظر خاصة، إذا لم نقل فئوية، هذا المسعى مشروع. فالسلطة عموماً في اضطراب. الاضطلاع بمسؤوليتها يفتقر إلى العنصر الأساسي الذي يمكِّن من الإمساك بزمامها. والأساسي هو امتلاك ما يسمى بقوة قادرة أو «قاهرة» تتيح تطبيق القانون من خلال سلطتي الشرعية الدستورية، من جهة، والأدوات الأمنية والعسكرية، من جهة ثانية.
لكن هذا المبدأ الضروري لكل سلطة كي تستطيع القيام بمسؤولياتها يساوي في ظروف الوضع اللبناني استعادة «هيمنة» طائفية رافقت نشوء الكيان اللبناني في ظل الانتداب الفرنسي، وبعد الاستقلال، حتى تسوية «الطائف» عام 1989.
في «فلسفة لبنان»، حسب الكاتب والصحافي والمصرفي ميشال شيحا (1891-1954) يقول إنه بلد أقليات طائفية هي أساس وجوده. ونظامه ينبغي أن يجسد ذلك في هياكل سلطته. ومن شروط قدرة السلطة على القيام بدورها، بالنسبة لمنظّر «الصيغة اللبنانية»، أن ترتكز على معادلتي «الشراكة»، من جهة، وتفوق وهيمنة أحد الشركاء، من جهة ثانية. اغتنم ممثلو الموارنة اللحظة المناسبة وكانوا سبَّاقين في الترويج لفكرة تفرّد لبنان: في امتلاك أساسها الديموغرافي (أرجحية عددية افتراضية نسبية مسيحية مقابل المحمديين)، والذهني التعبوي، والاقتصادي، ودعم فرنسا الدول المنتدبة، والتنظيمي (الإكليروس والكنيسة والنخبة الاقتصادية البرجوازية)، والتفوق في مجال التعليم (دور الإرساليات وإنتاج الكادر المتعلم المؤهل)... يقول المفكر الشهيد مهدي عامل في كتابه «مدخل إلى نقض الفكر الطائفي» إن الشراكة والتوازن الطائفيين لا يعنيان «إدارة مشتركة للدولة من قبل الطوائف» بل هما قائمان على قاعدة من «الهيمنة الطائفية» التي تحكم «الشراكة» و«التوازن» «لأنه بها يقومان كتوازن وشراكة طائفيين... فإن تعطَّلت اختلا هما، واختل، بالتالي، النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية المسيطرة». في الواقع الملموس، يستطرد مهدي، بأن ما اعترف به شيحا، بأنه «ديكتاتورية»، يتمثل في «هيمنة السلطة التنفيذية، بشكل شبه كامل على السلطة التشريعية» (الصلاحيات الشاملة وشبه المطلقة لرئيس الجمهورية).
ضد تلك «الهيمنة» كانت الاحتجاجات الاعتراضات المتعددة: على الامتيازات والتمييز، وعلى السياسات الداخلية والخارجية... وكانت، أيضاً، التوترات وآخرها الحرب الأهلية الكبرى 1975-1990. تسوية «الطائف» أقرت آلية انتقالية تحرر الإدارة السياسية من القيد الطائفي. أُحيل الهاجس الطائفي إلى مجلس «شيوخ» مستحدث بصلاحيات محدودة ومحصورة. جرى تعطيل هذه الآلية، فحُرمت البلاد من تحقيق قفزة نوعية إلى الأمام بـ «إلغاء الطائفية السياسية». بذلك تعطَّلت السلطة نفسها وأصبحت بتراء تراوح في مرحلة انتقالية كان ينبغي، حسب الدستور أن تبدأ وتنتهي مع أول مجلس نيابي منتخب على أساس «المناصفة» الطائفية (أي مجلس أعوام 1992-1996). الإدارة السورية رعت هذا التعطيل وفرضت سلطتها، هي، بديلاً عن تطبيق الإصلاح المقر في الدستور وعن تشكيل مجلس نيابي متحرر من القيد الطائفي ومبلور لأكثرية تحكم (كقوة شرعية «قاهرة» مهيمنة جديدة، على أساس سياسي لا طائفي، في معادلة دولة مواطنين متساوين لا دولة طوائف) وأقلية تعارض. رعت السلطة السورية أيضاً، محاولة حلفائها اللبنانيين ملء «الفراغ» بإحلال سلطة هيمنة طائفية جديدة بديلة للهيمنة السابقة. تجدد «الفراغ» عام 2005 حين فُرض انسحاب القوات السورية، وبدأ صراع تجدد بشكل صارخ مع التيار العوني الذي حاول، كما أسلفنا استعادة «الهيمنة» السابقة خصوصاً بعد نجاح العماد عون في تسلم رئاسة الجمهورية وفي استخدام هذا الموقع ومواقع أخرى، فضلاً عن العلاقات الداخلية والخارجية، لاستعادته «الحقوق» و«الامتيازات» السابقة.
ليس من الصعب توقع دوامة جديدة من الانقسام والتعطيل والتوتر (وربما العنف كما حصل في السابق) بسبب الإصرار، من قبل كل الطاقم السياسي الحاكم، على الاحتفاظ بالصيغة الطائفية لتوزيع المواقع المقررة في السلطة والإدارة. هذا الصراع المحكوم بفرز هيمنة جديدة (ديكتاتورية)، محكوم أيضاً بمنع البلد من الاستقرار كما هو محكوم بتعطيل الدستور والمحاسبة وبإجازة و«تشريع» الفساد والنهب. وهو، أيضاً، محكوم، كما في السابق، بالتبعية السياسية بعد الاقتصادية. وهي تبعية تهدف إلى الاستقواء وتتداخل فيها، على نحوٍ غير مسبوق، العناصر السياسية والطائفية والمذهبية...
لا إمكانية لتجديد الهيمنة، فضلاً عن أنه لا مصلحة حقيقية، في ذلك، لأي طرف مهما كانت رغباته وقدراته. النتائج الكارثية ظهرت سابقاً في الحروب الأهلية، والانقسامات، وتداعي الوحدة الوطنية، وعدم احترام القانون والمؤسسات، وانتهاك السيادة والوحدة والدستور والاستقرار... لقد انتهت، منذ وقت طويل، فُرص وشروط الهيمنة السابقة: الانتداب الفرنسي، التحول الديموغرافي، التفوق الاقتصادي ولو نسبياً، التفرد الخارجي...، وانتهى مشروع الهيمنة البديلة عبر الإدارة السورية وشركائها المحليين عام 2005...أو عبر محاولة الوصاية الأميركية، بواسطة تحالف 14 آذار، بعد خروج السوريين في العام المذكور.
أما الحل المرحلي ففي تطبيق الدستور بتنفيذ المادة 95 منه للتخلص من القيد الطائفي، وليس بتعديلها لإبقائه، والدخول، بسبب ذلك، في دوامة جديدة من الاضطراب والاحتراب والفوضى... من خلال ذلك يتم تكوين قوة قادرة و«قاهرة»، دستورية تستكمل تسوية «الطائف»، قوة شرعية جديدة تتوزع بين أكثرية حاكمة وأقلية معارضة. بالعبور إلى نظام مواطنة متساوية يمكن بعث الأمل ببقاء لبنان وتقدمه واستقراره.
*كاتب وسياسي لبناني