قبل يومين فقط على اندلاع الاحتجاجات، وفي كافتيريا الجريدة، كان الزميل محمد نزال يوافق على خطأ المقولة المترددة في كل زاوية من المدينة «هالشعب ما رح يتحرّك».

لكن من كان يحلم أن يكون الأمر بهذه السرعة؟ يفضّل منقّحو المصطلحات من أهل الاختصاص تسمية ما يجري في البلاد هذه الأيام بـ«الانتفاضة». بالنسبة إلى الناس، المعجزة تحققت: «الشعب قام وأخيراً». في الخارج، المدينة كأنها في حالة حرب، ولكن من دون أن يخيف الأمر أحداً هذه المرة.
كافتيريا الجريدة ستتحول فوراً إلى مقر متابعة لما تنقله الشاشات ودردشات الزملاء «شو بدنا نعمل لبكرا؟ وشو بدنا ننزّل هلق أونلاين؟». التحليلات لا تتوقف، وبين الحين والآخر تستمع إلى مشاهدات الزميل المصور هيثم الموسوي والمراسلين العائدين من ساحات الاعتصام. أثناء متابعة ما تبثّه تغطية الشاشات، تتطاير الانتقادات من صحافيي «المكتوب» على أداء بعض زملائهم في المرئي. طبعاً، صرعة الـ«هيلا هيلا... هيلا هيلا هو» وجبة رئيسية هنا، تتقدم متابعتها وتداول نهفاتها الباعثة على ضحك هستيري، فوق كثير من القضايا.
ثمة فوضى تضرب أطناب الجريدة هذه الأيام تشبه عفوية الحراك، تؤجّجها الحماسة في فريق عمل كانت قضايا التحرك خبزه اليومي منذ 2006. يعود الزميل علي عواد من «تحت»، وهذا يعني اعتصام وسط المدينة: «الناس تحت عم تتطلع ببعضها مش مصدقة!» .

«الواقعية» في بلد كلبنان وضعت للمرة الأولى على المحك، وباتت رهينة الشارع


على الأرض، حين تلتقي رفاق الجامعة في الاعتصام، وبعضهم لا يزال بلا عمل، وتكمل فوراً نقاشاً يائساً كان بدأ منذ سنوات الدراسة حول أحوال البلد والفساد، تتأكد لديك ببساطة استثنائية ما يحصل وتاريخيّته. تتفاوت الآراء حول الموقف ممّا يجري بين الزملاء، وهو نقاش يتوسّع شيئاً فشيئاً، خصوصاً أن «الواقعية» في بلد كلبنان وضعت للمرة الأولى على المحك، وباتت رهينة الشارع. الشارع الغاضب المقرّع والمعنّف للسياسيين بلسانه ويده، شتائمه مطلقة العنان تقول حان وقت الحساب، كأنها اندلاق الحنق المعتمر في الصدور ورغبة الناس الجامحة في أقسى انتقام وأفظع عقاب يجب إنزاله بهذه الطغمة.
نعود إلى كافتيريا الجريدة، ملجأ المدخنين بعد أن بدأت الإدارة بتطبيق قرار صارم بمنع التدخين في المكاتب الجديدة. وحزب المدخنين هنا ليس أقلية صغيرة. هؤلاء قلقون اليوم على رسم التدخين، وهو ما استدعى اجتماعاً عفوياً لحسبة كم ستبلغ كلفة كل علبة دخان بداية العام الجديد. أعداء التدخين موجودون أيضاً، علّق الزميل إيلي فرزلي متابعته لقرار الوزير محمد شقير وهرول فوراً للشماتة بنا حين علم بإقرار مرسوم زيادة الرسوم على السجائر في الحكومة. قضية المدخنين ليست «ترند» حتى إن التراجع عن رسم «واتساب» وأخواته حصل من دون الإشارة إلى مصير زيادة رسم الألفي ليرة ذاك على السجائر المستوردة.
تلك تفاصيل يومية. الأهم اليوم «غربة» أهل العنف. أصحاب العروق المنتفخة. لا شعبية لهؤلاء لدى الإعلام الفاسد، أو مرستقي أتيكيت التظاهر. وحدهم يبثّون الأمل من النار والتحطيم، أمام رتابة السلمية المفرطة وفولكلورية الشموع والاحتفاليات بوجه تماسيح السلطة وشياطينها!
صحافي في «الأخبار»