كانت لافتة زيارة الرئيس سعد الحريري لمصر من حيث الشكل والتوقيت. ففي الشكل، برزت كأنها زيارة دولة؛ إذ التقى الحريري، على رأس وفد «مستقبلي»، كبار المسؤولين في مصر، وأبرزهم المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والمرشّح القوي للرئاسة المقبلة. كذلك كانت له لقاءات مع الرئيس عدلي منصور وعمرو موسى (رئيس لجنة الخمسين) وشيخ الأزهر وبابا الأقباط.


هذا من حيث الشكل. أما من حيث التوقيت، فالزيارة تأتي بعد عودة تيار المستقبل إلى السلطة في لبنان، من خلال حكومة تمّام سلام، وعشية انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان. وقد أعلن الحريري من القاهرة: «لدينا انتخابات رئاسية، وأنا لن أكون غائباً عنها، بل سأكون موجوداً في قلبها». تأتي هذه الزيارة أيضاً بعد دعم خليجي كبير للنظام المصري الجديد، أملاً بعودة مصر لاعباً إقليمياً على الساحة العربية في مواجهة النفوذ الإيراني. لماذا مصر؟ وما هي المؤشرات على ذلك؟
بعض المعطيات الجيوسياسية تجيب عن السؤال الأول. فمصر هي الدولة العربية الأكبر. ديموغرافياً تشكّل ثلث سكان العالم العربي. صحيح أن هذا الحجم الديموغرافي يشكّل عبئاً داخلياً، لكنه أحد عناصر قوة مصر الجيوسياسية في العالم العربي وفي منطقة الشرق الأوسط؛ فهي سوق مهمة للعديد من الدول الصناعية، وولا سيما الأوروبية، وتوفّر اليد العاملة للعديد من دول الخليج العربي.
موقع مصر في العالمين الإسلامي والعربي هو أيضاً عامل مهم في دورها الإقليمي؛ ففي القاهرة جامع الأزهر، أوّل مرجعية دينية في الإسلام السنّي، وفيها أيضاً المقرّ الدائم للجامعة العربية. كذلك كان لها دور كبير في تاريخ المنطقة الحديث. منها انطلقت النهضة العربية والتيارات السلفية الإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كذلك انتشرت زعامة رئيسها السابق جمال عبد الناصر على امتداد العالم العربي. أما على المستويين الثقافي والفني، فلها دور ريادي.
موقع مصر الجغرافي يسمح لها بفرض دورها الإقليمي على القوى العظمى. فقناة السويس، التي تصل بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، تشكّل أحد أهم المعابر البحرية في التجارة العالمية. فيها تعبر سنوياً 34000 باخرة، منها 2700 محمّلة بالنفط. كذلك يمرّ عبر مصر 4 ملايين برميل نفط يومياً متّجهة نحو أوروبا والولايات المتحدة الأميركية (1.5 مليون برميل محمّلة في بواخر والباقي عبر أنبوب النفط «سوميد»).
مصر أيضاً دولة متوسطية مهمة جداً، إن لم تكن الأهم، بخاصة على مستوى الشراكة الأورومتوسطية. وهي إحدى البوابات الأساسية للقارة السوداء، ولها مصالح ودور كبيران فيها.
نكتفي بهذا القدر من عوامل قوة مصر الجيوسياسية؛ فالسطور القليلة في هذا المقال لا تسمح بالتوسّع أكثر. وننتقل إلى المؤشرات الأخيرة لاستعادة مصر دورها الإقليمي في الشرق الأوسط، وهي عديدة.
المؤشّر الأول هو نجاح «ثورة 30 يناير»، واستعادة الجيش المصري مقاليد الحكم وقدرته على تحقيق الاستقرار الداخلي (على رغم بعض الأعمال الإرهابية للإخوان). والسبب هو أن الجيش المصري هو المؤسّسة الأقوى في الدولة والقادر على توفير هذا الاستقرار، عبر وضع حدّ سريع لمخاض الثورات ومنع غرق مصر في حروب داخلية وصراعات على السلطة تضعف الدولة. تحقيق كل ذلك هو الشرط الأساس لعودة مصر إلى أداء دورها على الساحة الإقليمية. ما يؤكّد قوة الجيش المصري هو سماحه بإسقاط سريع لنظام حسني مبارك الذي كان «وريثه»، جمال مبارك، يهدّد «الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية» بدعم من بعض رجال الأعمال. وللتذكير فقط، فإن للجيش المصري مؤسّساته ومصانعه التي تؤمن الاستقلالية في ميزانيته العسكرية والتحكّم بالاقتصاد. كذلك يرأس كبار ضباطه أبرز المرافق في البلاد، وفي مقدّمها شركة قناة السويس. وعندما لاحظ الجيش أن نظام محمد مرسي بدأ يهدّد مصالحه ومواقع نفوذه، عبر «أَخوَنَة» الدولة، قام بإطاحته.
المؤشّر الثاني هو أن النظام المصري الجديد يضع نصب عينيه استعادة مصر لدورها في المنطقة. ويؤكّد ذلك إعلان وزير الخارجية نبيل فهمي في 20 تموز الماضي، أي بعد أقل من شهر على الثورة الثانية، المحاور الأساسية لسياسة النظام الجديد، وهي: 1) حماية الثورة ودعمها والعمل على إظهار الوجه الحقيقي لمصر في الخارج، 2) العمل على استعادة مصر لدورها في العالم العربي، في أفريقيا وعلى المتوسط، 3) وضع الأسس المتينة لسياسة مصر الخارجية.
المؤشّر الثالث هو حاجة العالم العربي لدور مصر الإقليمي الذي ظهر من خلال الدعم الخليجي السياسي والمالي السريع والكبير للنظام الجديد. فحجم الدعم المالي وصل إلى 12 مليار دولار على شكل مساعدات عينية وودائع مالية (من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والكويت). يأتي هذا الدعم لمساعدة النظام الجديد على الخروج من حالة الركود الاقتصادي التي تشهدها البلاد. فخلال الثلاث سنوات الأخيرة خسرت مصر 50% من احتياطها من العملات الأجنبية، وتراجع القطاع السياحي فيها، الذي يشكّل 11% من الدخل القومي، بنسبة 41%.
صحيح أنّ الدعم الخليجي يأتي على خلفية الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنه يهدف أيضاً إلى قيام مصر قوية قادرة على مواجهة النفوذ الإيراني الذي وصل مخابراتياً إلى صحراء سيناء. وها هو الرئيس المخلوع محمد مرسي يحاكم بتهمة «التخابر الخارجي» مع الحرس الثوري الإيراني (إضافة إلى حركة حماس وحزب الله).
أما المؤشّر الرابع والأهم، فهو بدء عملية إعادة التموضع السياسي للنظام المصري الجديد على الساحة الدولية. وهذا ما تدلّ عليه حالة الفتور في العلاقات مع واشنطن والاتصالات مع موسكو والزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين، وكانت آخرها زيارة المشير السيسي لروسيا ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين. هذا لا يعني أن مصر ستقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، ولا يمكنها ذلك. لكن يظهر أنها ستُقلع عن الارتماء كلّياً في أحضان القوة العظمى التي لم تراعِ مصالحها ولم تحفظ لها دورها الإقليمي، ما أضعف المنطقة العربية وجعلها مفتوحة لتمدّد النفوذ الإيراني عبر البوابة السورية إلى لبنان وفلسطين.
لا شك أن محادثات الرئيس سعد الحريري في القاهرة تطرّقت إلى الاستحقاق الرئاسي اللبناني، ولكن الجزم بدور مصري فاعل فيه هو استعجال للأحداث، وخاصة أن مصر ستكون مشغولة في الوقت ذاته بانتخاباتها الرئاسية. أما عودة الدور الإقليمي لمصر، فلا شك آتٍ. ولمَ لا يكون لبنان مدخله، حيث أصبحت المواجهة العربية – الإيرانية والسنّية – الشيعيّة مباشرة وشبه متوازنة بعد تراجع دور النظام السوري المنهمك بحربه الداخلية؟
* باحث وأستاذ جامعي