إنها حلب... تغيرت كثيراً بناسها وشوارعها وأرصفتها والباعة المتجولين فيها. ازداد الزحام فيها، وضاقت بشوارعها وأبنيتها وأزقتها. لا تترك شوارعها المكتظة في نصف المدينة المتبقية تحت سلطة الدولة مساحة كافية لعاشقيها لكي يتأملوها بشكل جيد. فرض ذلك كثرة النازحين إلى الأحياء والمباني والمدارس والمؤسسات الحكومية الذين قدموا إليها من بعض أحيائها المشتعلة في النصف الآخر ومن القرى والبلدات والمحافظات المجاورة، فبدت حركة الحياة فيها مكثفة ومضغوطة ومغلّفة بالخوف والقلق العارم في نصف مدينة يضجُّ بالحركة الحثيثة والازدحام الشديد ينتظر عودة نصفه الآخر.
يبدو وكأنه شيء لا يصدق من العبث والخيال الأسود قد هبط بأستاره، فأطبق على البلاد بطولها وعرضها. وبات اللامنطق فيها معقولاً تفرضه عقول الجهالة والانتقام بالأهواء الشيطانية كعقاب للمدينة على مواقفها التي تشككت بما دعي "الثورة السورية" منذ بدئها في آذار 2011.
تركّزَ الخوف والقلق في ملامح الناس وتعابيرهم. غابت عن الوجوه والابتسامات العريضة، فلطالما عرف عن حلب أنها من أكثر المدن فرحاً وسعادةً وأن أهلها تملؤهم رغبة الحياة، فتتفجر في جوارحهم حركةً لا تهدئ لإعمار الكون وصبغه بالجمال والسعادة والسرور.
صادق الحلبيون - خلال سنوات الحرب على سورية -الظروف القاسية وتسابقوا والردى إلى أماكن عملهم. هنا يصبح الموت زائراً يومياً يصادفهم في أي مكان، حتى داخل بيوتهم. أما عند المعابر الخطرة والمتاريس المتلاصقة فيصبح الموت فيها بكرةَ مسدسٍ أميركي قديم يحمله راعي بقر عديم الرحمة قاسي القلب غليظ الطباع... بكرةً سهلةُ الدوران، شُحِّمتْ بدماء الناس البسطاء ونقي عظامهم. كانت إذا أخطأت رؤوس الناس وقلوبهم طحنت عظام مرافقهم وركبهم لتتركَ الناجي من الموت بقايا إنسان، يشتكي الإعاقات طوال عمره... تدور البكرة على حيوات العابرين البسطاء وأحلامهم الصغيرة بشكل يومي، وعندما تتوقف لتصادفَ الطلقةُ بيتَ النار تنطلقْ رصاصةٌ من مكان مجهول خلف حائط مثقوب يتسع لبندقية... عندها تمحي في الأجواء زفراتُ عابرٍ لاهث، مستسلم الإرادة، خفيف الجثة، وتئد أحلامَه الصغيرة أحلاماً تسقط من قوافل العابرين. أحلام ممزوجة بدماء زكية وبما أمسكته أيديهم المقدسة من بضائع معيشة ولوازم طعام، أو مما يحمله الجسد المنتفض فوق بركة دمه، يتنشق آخر جرعة بقيت له من هواء، تتكسر عندها ارتال العابرين وصفوفهم وتندفع الحشود على غير هدى في كل الاتجاهات، وتطيش أقدامهم وتتخبط أجسادهم ويتساقطون على الأرض. كلّ واحد منهم يخشى الطلقة القادمة التي تئزُّ مع الريح تاركةً خيطاً من الوهم الرهيب يخترق آذان الجميع.

ستجد في حلب
من يمارس قرار الصمود
كـ«مازوشية» مقدسة

لعبة قذرة. لعبة موت مجاني... لعبة "أولاد حرام" لا تتوقف إلا لوقت كافٍ لمعرفة ما حدث ومن سقط وكم عددهم. لعبةٌ لم يعرفها السوريون قبلاً، لعبةٌ مستوردةٌ.
ساديٌ يغتسل كلَّ يومٍ بأكواب الدم السوري الزكي ويقتات أرطال اللحم الطاهر. يقف متلذذاً منتشياً بحصيلة يومه من فوارغ رصاصات، هي أعداد قتلاه ومصابيه المساكين الذين يثيرون الشفقة. يرضون أن يمروا تحت قوانينه العبثية ورصاصاته الغبية. يبحثون عن حظ جميل بمرورهم أحياءَ جانب الموت المحتم مُحمّلين بأشياء صغيرة مع أرواحهم.
الحقيقة لا يمكن لعاقل يعيش في حلب ويعرفها تماماً أن يجد أجوبة مقنعةً لأسئلة متولدة عن سؤال مُحيّر ينشطر كمتتالية هندسية لا تتوقف.
سؤال يبدأ بكيف، ثم لا يلبث أن ينفجر بعشرات الأسئلة المتشظية من جسده المتسرطن. خلية واحدة متسائلة تنفلت عن عِقالها فتولد آلافَ الخلايا المتسائلة الخارجة ضد كل نسق منطقي... يبدأ السؤال بــ: - كيف تقلصت تلك الحدود الطويلة بين أحياء حلب الكثيرة لتضيق وتستدق، فتبلغ معبراً واحداً إلى الطرف الآخر عرضه لا يتجاوز الخمسين متراً؟! وكأن جدراناً عالية من نار فصلت طرفي المدينة، رسمها تنين أسطوري لا يرعوي... انفلت عن سيطرة آلهة خارجة من كتاب التعاويذ الشيطانية. - أين ذهبت الشوارع بين الأحياء وأين سُرقت الأزقة وأين غاب الناس؟ - أين ذهبت عشرات الآلاف من الأمتار بين الأحياء المنقسمة بين طرفي المدينة هذه الأيام؟ - وكيف أصبحت المدينة شرقية وغربية وكيف تحولت الحدود بينهما إلى حدود محفوفة بالقتل والموت العبثي؟! - كم من المسلحين والجنود والمدنيين الأبرياء سيسقطون على هذه الحدود المحروسة بالنيران؟
انقسمت المدينة على هذه الشاكلة على ذات الأرض وذات المواصفات التي ميزتها تاريخياً. مدينة واحدة ذات بنية واحدة، لا يمكن تصور تجزئتها بحدود الحقد والكره والنزاع على السلطة ولو في أسوأ كوابيس الحلبيين.
تحولت عشرات الكيلومترات من شوارع المدينة وأزقتها بين الحارات الحلبية في أقل من بضعة أشهر من الصراع المسلح إلى خطوط تماس واشتباك وقتال عنيف خلف المتاريس المنصوبة. لم يترك المتحاربون متسعاً للمرور الخطر بين الشطرين إلا بقدر خمسين متراً للعبور، وحرسوه بالموت المفاجئ والرصاص العشوائي وسموه "معبر الموت" قبل أن يغلق تماماً، فصار الانتقال بينهما يحتاج لرحلة تستغرق جهد يوم كامل.
قيل إن علامة الاستفهام"؟" كانت علامة تعجب"!"، لكن انحنى ظهرها من كثرة التساؤل... وها أنا الآن أخشى عليكم أن يحدث لكم ما حدث لعلامة التعجب، كما أخشى على أحبتي وعلى من يقرؤون حروفي من أن تصيبهم كثرة التساؤل بأمراض تحني ظهورهم وتحولهم إلى علامات استفهام بلا أجوبة مقنعة.
في المدة الأخيرة وبموازاة هجرات الغربة والسفر والرحيل، كثرت تلك التجمعات الخاصة التي تشكل نوى رومانسية حالمة تدعو للتمسك بحلب والدفاع عن سوريا بصورتها الجامعة الشاملة وميزتها الحضارية المتنوعة. النقاشات في الوضع الراهن ومحاولة متابعة الأحداث واستقراء المستقبل والإنصات لرياحه القادمة تشكل هاجس كل السوريين وقهوتهم الصباحية ورغيف وجباتهم اليومية. يقول أحد الأطباء الذي يرفض الخروج منها: حلب ترمز لأشياء كثيرة في حياتنا قد لا تمنحنا الأقدار فرصة معركة شرف واحدة. سوريا هي معاركنا كلها، وفي قلبها حلب. معركة القيم والمبادئ، سوريا تدافع عن نفسها، فلقد أحبتهم وصادقتهم وحمتهم فغدروا بها، فتحت [لهم] أذرعها فعاجلوها بخناجرهم في ظهرها.
ستجد في حلب من يمارس قرار الصمود "كمازوشية" مقدسة. يرفض المغادرة رغم امتلاكه القدرة والإمكانيات لتأمين فرص الهجرة والرحيل والعمل بظروف مدن العالم الكبرى.
ستجد في حلب مئات المنظرين السياسيين وقراء التحولات الاستراتيجية يتكلمون ويكتبون ويناقشون فلا يكترث لهم أحد. بينما قد تسمع عن صوفي أو صاحب طريقة أو شيخ يشرح لأتباعه عن أخطار الخروج وأن سفينة الدين تجري في سورية منذ عقود بسلام، وأنه لا فائدة من خرقها أو عرقلة سيرها الآمن فيتبعه الآلاف ويطيعون أوامره فتستمر كل الشخصيات الدينية الوازنة بخطها المعهود في تدريس ونشر الإسلام السوري الشامي المعتدل بأشكاله المتأصلة [الحنفي والشافعي والصوفي] بعيداً عن التأثيرات الواردة من دول النفط والمحملة بالتضييق والتكفير بما يناقض فعلياً زمناً طويلاً من الفهم والتعايش والاندماج منذ قرون طويلة بين الأعراق والمذاهب والأديان، فأنى لرياح السموم أن تؤدي إلى تداعي وتصدع صخور الشهباء الراسيات!
كلٌ يحب حلب على طريقته، وحلب ليست مكاناً حصرياً للقديسين والنبلاء والشجعان والأبطال، ففيها انتهازيون يقفزون من ضفة لضفة أخرى، وفيها تجار صغار تتضخم أرصدتهم البنكية باستمرار ويهوون ارتفاع الدولار ويعشقون رنين الذهب وكنز السحت.
مسكين أنت يا وطني! يأكلُك الأغنياءُ ويدافع عنك الفقراء. تظلُّ تُسمِّن أبناءَك وعندما تحلُّ المخمصة يهربون بشحومهم المكتنزة إلى حيث أعداؤك يتآمرون. يأكلون بنهمٍ من قصعتَك ثم فيها يغسلون أيديهم وأرجلهم ويتخلصون من درنهم ثم يتمضمضون، وفيها يبصقون.
من لم يعرف الحضارة واحترم التنوع والتعايش في حلب، ولم يتعلم الحب والحياة والإنسانية فيها فلن يتعلمها في أي مكان في العالم. من عاش في حلب ولم يتسع قلبه لكل البشر فقد أكل وشرب حصة لا يستحقها من خير سوريا. من مشى على حجارة أرصفة أسواق حلب وحاراتها القديمة، ولم يردعه تعاقب الأمم الكثيرة البائدة على هذه الأحجار الصماء من أن يتواضع مع خلق الله وأن يكف لسانه ويده عن الشر، فقد تودع منه ولا أمل فيه ولا خير... ولو مشى على الماء أو طار في الهواء.
تنتهي حوارات الحلبيين دائماً بالدعاء "الله يفرجها ويحلها من عنده"، وهي كناية عن أنهم صابرون رصدوا ذلك الانهيار الأخلاقي والمجتمعي وحجم الخراب الرهيب الذي أفرزته بعض الطبقات الحانقة من السوريين ومن المصدَّرين إليها من صحارى الأعراب وفيافي الربع الخالي. عقولهم ليست قادرة على أن تلمس نوراً ولو خافتاً في نهاية النفق يمكن أن ينبثق عندها حل ما... لم يجدوا الحلَّ على الأرض فطلبوه من السماء... يؤمنون بذلك ملء قلوبهم المطمئنة.
إن الحكم على وضع سوريا عموماً وحلب بشكل خاص - وهي في قلب الحرب - والتصوير كأن هذا سيكون حالها الدائم والأزلي ولا أمل ولا مجال للعمل أو النجاة أو للإصلاح، يمثل "خللاً منهجياً" يلغي عمراً طويلاً عشناه في هذا البلد كنا ننهل منه بغير حدود، وعندما أصابه الوهن والتعب والإرهاق في فترة قصيرة (خمس سنوات)، قرر بعضنا أن هذه البلاد لم تعد صالحة للحياة فيها وأنها غير ملائمة لأحلامه.
بلدنا في سرير المرض وليتخيل قراؤنا الكرام لو أن الأطباء تركوا المرضى على أسرة العلاج أو في غرف الإنعاش، وقالوا: ليس ثمة أمل، وغادروا واجباتهم جميعاً. عندها سيتحولون إلى عمال تأبين أو موظفين في جبانات دفن الموتى.
هذه العروس الجميلة الحاملة لأجمل قيم الحضارة والإنسانية، هذه الفاتنة الممشوقة المشرفة أصابها الوهن بغدرنا وجهلنا وتقصيرنا، فاستلقت من تعبها وصدمتها وأصابها الإعياء ونوبات الوسن والإغماء... فهلّا وقفنا إلى جانبها في مرضها وأعطيناها جزءاً مما منحتنا من حب ورعاية واهتمام؟
* كاتب سوري