في بلد مثل مصر لا تصح أحاديث الرثاء عن تدهور صحافتها، والبكاء على أطلال مجد تهدم للأبد. فقد شهدت الصحافة المصريّة مراحل متفاوتة من الصعود والتراجع طوال تاريخها. واستعادة ثقة الرأي العام في ما تقدمه ليست مستحيلة، إذا ما احترمت حقه في الاطلاع على كامل الصورة من دون وصاية، و إذا التزمت بالقواعد المهنية من دون تجاوز، و إذا عرفت طريقها لإعادة تعريف أدوارها في عصور جديدة.

لا يمكن أن تتأسس الثقة العامة على إهدار مواثيق الشرف المهني بالصراخ والاستباحة، ولا على حجب أخبار يطالعها المواطنون في منصات أخرى، ولا على ضيق بالتنوع الطبيعي في الآراء والتصورات طالما التزمت بالقيم الدستورية. فالحرية شرط ضروري لرد الاعتبار إلى مهنة الصحافة، وإذا غابت هذه الحريّة ضاعت معها ثقة القارئ، لكنها ليست الشرط الوحيد.
إن إعادة التأهيل المهني وفق الاحتياجات الجديدة، شرط ثان للالتحاق بالعصر إبداعا وابتكارا وتوسيعا لمساحات القراءة، من خلال استقصاء خلفيات الحوادث في قصص خبرية، لا الاكتفاء بإعادة نشر ما شاهده القارئ في المساء على شاشات الفضائيات، أو طالعه على شبكات التواصل الاجتماعي. «كل شيء يبدأ بالخبر، فلا قيمة لتحليل سياسي إذا لم يستند إلى قاعدة معلومات متماسكة وصحيحة». ولا وزن للصحيفة نفسها إذا ما فقد القارئ ثقته في ما تنشره من أخبار. وهذه مسألة قواعد صارمة إذا غابت تحولت الصحف إلى نشرات دعاية في أفضل الأحوال.
ورد الاعتبار إلى المدارس الصحافية شرط ثالث. إذ لا يعقل في بلد تنوعت فيه تلك المدارس بين محافِظة كـ«الأهرام»، وشعبية كـ«أخبار اليوم»، وثالثة تمازج بين حرية الرأي وإبداع الكاريكاتير كـ«روزاليوسف»، ولكل منها شخصيتها الخاصة في كتابة العناوين وصياغة الأخبار واختيار زوايا التركيز ومواطن الاهتمام وتوضيب الصفحات، لا يعقل أن تبدو كما لو كانت نسخة واحدة بلا طعم أو لون أو رائحة، وبلا تأثير يُذكر.
إن أزمة الصحافة المصرية، كما في دول عربية أخرى، تمكن قراءتها في أرقام التوزيع. رغم ارتفاع عدد السكان في مصر إلى ثلاثة أضعاف منذ سبعينيات القرن الماضي، انخفض التوزيع الإجمالي للصحف إلى ما دون الثلث. خلال السبعينيات كان هناك تنافس حقيقي بين «الأهرام» الأسبوعي و«أخبار اليوم» على كسر حاجز المليون نسخة.
وكان رأي محمد حسنين هيكل أن «أرقام التوزيع نصف الحقيقة». أما «نصف الحقيقة الآخر الذي نخفيه، فهو الطاقة القرائية للصحيفة، والوقت الذي يقضيه القارئ معها والخدمة التي يطلبها». ثم «ما حجم المشتركين الدائمين؟»، «أين مناطق البيع؟» (…) فـ«قارئ الصعيد غير قارئ الإسكندرية».
ومن الأسئلة الأخرى: «لماذا يزيد التوزيع في منطقة ويتراجع في أخرى؟». «ما معنى الأرقام كميا ونوعيا على الخرائط الاجتماعية؟». تلك أسئلة أساسية في نصف الحقيقة الذي نخفيه.
في منافسات «الأهرام» و«أخبار اليوم» منتصف السبعينيات، تراوحت الطاقة القرائية بين رقمي 4,5 و 7 قراء للنسخة الواحدة. في أيام كثيرة تراجعت «الأهرام» لكن طاقتها القرائية كانت أكبر. «كان يوم الجمعة يشكّل ذروة القراءة بالنسبة إلى «الأهرام»، والسبت ذروة «أخبار اليوم». وكان الأحد هو يوم التنافس الضاري، الأخبار تحاول أن تأخذ زخم السبت إلى اليوم التالي بينما الأهرام تحاول أن توقف النحر وتستعيد السبق من جديد».
إن المنافسة جوهر العمل الصحفي. «المثير الآن أن مستويات التنافس قلت رغم زيادة أعداد الصحف المطبوعة عما كان قبل أربعين سنة (…) ورغم الكفاءات الصحافية الشابة التي تعلن عن نفسها، إلا أن الظروف العامة لا تمنحها ما تستحقه من فرص للتنافس بقواعد والإضافة بتأثير».
وأيضاً لنتذكّر دائماً أن «قوة الصحافة في تنوع مدارسها، ولا قيمة لأي دور إلا بقدر ما يضيف إلى الخبرات المتراكمة». وهذا تحدٍ مهني صعب، فيما الطاقة القرائية تحدٍ آخر: لماذا تزيد؟… ولماذا تنخفض؟. في مطلع هذا القرن نجحت صحيفة ظروفها الاقتصادية صعبة ونسخها المطبوعة محدودة أن تكسر أية أرقام مفترضة لطاقتها القرائية، فقد كان قراء النسخة الواحدة من جريدة العربي بين ستة إلى سبعة قراء. «اكتسبت تأثيرها من اتساع طاقتها القرائية لا من أرقام توزيعها».
القيم المهنية تحدٍ ثالث. «انتهاك قيم الحوار العام أحد أسباب تراجع الصحافة المصرية». بصورة أو أخرى فهناك إعراض من القارئ عن الكلمة المكتوبة. «الكلمة المكتوبة فقدت صدقيتها، وفي بعض الحالات انتهكت عذريتها». أما السبب الرئيسي لفداحة التراجع فهو تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والتلفزيون على قراء الصحافة المطبوعة. وهنا صلب الأزمة: «تأمل تجارب الماضي قد يساعدنا على النظر إلى المستقبل». إن «ظاهرة «أخبار اليوم» تستحق التوقف عندها، فقد وزعت في عددها الأول أكثر من مئة ألف نسخة، وهو رقم ضخم بالنظر إلى عدد السكان قرب منتصف الأربعينيات من القرن الماضي». و «تأثرت أخبار اليوم بمدرسة الصحفي البريطاني بيفر بروك في توضيبها ومحتواها، وبدت صيغة مصرية من الـ «صنداي إكسبريس» (…) كانت نوعا من الصحافة الشعبية أقبل عليها جمهور القراء». ،في أوقات مقاربة دعا اللورد نورثكليف، وهو صحفي بريطاني شهير آخر، إلى المقال السريع والخبر السريع تأثرا بالنموذج الأمريكي في الحياة ورائحة العصر ومذاقه. «كل شيء سريع من الخطوة إلى الوجبة إلى المعلومات والفكر، فالخبر لا يزيد على ٢٥٠ كلمة والمقال في عدد مماثل من الكلمات (…) أرجو أن تتذكر أن عهد اللورد نورثكليف انتهى مع بداية التجربة الهائلة لتيد تيرنر في الـCNN مطلع ثمانينيات القرن الماضي بتعبير فرانك جيلز رئيس تحرير الصنداي تايمز».
لكل عصر إيقاعه ونحن نعيش الآن عصر الكلمة المسموعة. »لكل زمن حواره وحوار هذا الزمن لا يتكلف شيئًا لفك رموز ما هو مكتوب على ورق». «إن أي مهتم بالشأن العام سوف يتابع الخبر صورًا متلاحقة على الشاشات المضيئة، وهو يطلب من الكلمة أن تروي له قصة ما جرى على مهل لأن ذلك دورها». «كل أسطح الحوادث مكشوفة تحت الومضات السريعة».
إن الكلمة في جريدة تفصل ما وراء الخبر، وتروي ما لا تستطيع الصور أن تصفه من دخائل ومشاعر.«في العصر الإلكتروني أريد أن أعرف ما الذي دار همسًا في أية لقاءات قمة لها أهمية بعد أن رأيت الصور الملونة على الهواء مباشرة». «هذه كلها استخلاصات توصلت إليها مناقشات مستفيضة في صالات تحرير صحف بريطانية شاركت في بعضها مع بداية العصر التليفزيوني (…) و هذا ما أدركته كبريات الصحف العالمية وعملت على أساسه في العصر الإلكتروني، فاستعادت ثقة قرائها وارتفعت من جديد أعداد توزيعها كـ «الواشنطن بوست» والـ «نيويورك تايمز» الأمريكيتين بالتحديد». شعار «نيويورك تايمز» يلخص فلسفة الصحافة الجديدة في عصر مختلف: «كل ما يستحق أن ينشر».
الأمر نفسه في الصحافة البريطانية فقد زاد توزيع الـ «ديلي تيلجراف» والـ «أوبزرفر» ونجحت الـ «إندبندنت» في تجاوز أزماتها المالية. لقد «راهنت كبريات الصحف العالمية على أن ما فقدته الكلمة بالجدة تعوضه بالعمق». «المثير أن التايمز لم تحقق النجاح ذاته، «رغم أن أصحابها حوّلوها إلى صحيفة تابليود بحثا عن شيء من الإثارة يرفع معدلات التوزيع».
وأخيراً يمكن القول إن «العصر اختلف، وتحدي الصحافة استجدت عليه حقائق لا بد من الاستجابة لها حتى ندخل سباقها من جديد».
هكذا تحدث محمد حسنين هيكل خلال حوار بيننا، قبل رحيله بوقت قصير، حول الصحافة أزمتها ومستقبلها.
* كاتب وصحافي مصري