بتاريخ 13 أيلول 2019 تمّ عزلنا أنا وزملائي منسّقي "الماستر ـ ٢" البحثي والمهني في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال. ونحن ستة. تسلّمنا كمنسّقين قبل سنوات مهام تنفيذ "الماستر ـ ٢" وتطويره. وفّرنا بجهدنا الشخصي ومن دون تدخّل رئاسة الجامعة أساتذة لتنفيذ الدروس وفق أفضل المعايير الدولية. كان دأبنا على مدى السنوات تحسين مستوى الماستر بما يجعله الأفضل في لبنان والعالم العربي. تشهد على ذلك قرارات التعديل المتتالية للمنهاج التي أقرّها مجلس الجامعة حتى عام 2016. لم تكن لدينا أجندة غير رفع المستوى وتحسينه.

منذ ثلاث سنوات تُتّخذ تدابير تتناول عمل فروع الجامعة من دون إعلام المعنيين في الفروع بها، ومن دون أخذ رأيهم فيها. لم يُطلعنا العميد في جلسة سبقت عزلنا بيوم واحد على أي شيء. بل لم يطلب، ومنذ تسلّمه موقع العمادة، أن يلتقي بنا كمنسّقين للتعرّف إلى تجربتنا. نتوقّع الأسوأ في وجود كلّ من العميد الحالي والمدير الحالي.

■ ■ ■

استغرب فخامة رئيس الجمهورية أن يكون هناك رفض لعهده. عزا "التحرّك الشعبي" في آخر شهر أيلول إلى وجود "قوى خارجية تريد الاقتصاص من رئيس الجمهورية...". وتحدث عن "الحمايات السياسية الكبيرة" التي تمنع ملاحقة الفاسدين (الأخبار، 2/ 10/ 2019).
يختبئ في ظل العهد أناس يهمهم توفير "تنفيعات". وبقدر ما تتراجع أوضاع الاقتصاد والمجتمع، يشعر هؤلاء بأن عليهم مضاعفة الجهد من أجل البقاء. يصبح شغلهم الشاغل التكالب على تنسيب محاسيب. وبفضلهم تمتلئ الحياة العامة بمحاسيب من أعلى الهرم إلى أسفله.
ينتمي أغلب الذين يعوّل عليهم العهد إلى فئة "كارهي الدولة"، كما يسميهم مدير المالية آلان بيفاني. هناك فرز حاصل حالياً في المجتمع المدني والرأي العام بين فئة "كارهي الدولة" هؤلاء، ومن يريدون الإبقاء على مؤسسات الدولة وإصلاحها، لأن بقاءها هو بقاء للبنان.
هناك استهداف للجامعة اللبنانية كمؤسسة حكومية للتعليم العالي من قبل النخبة السياسية. يقول الأقطاب لماذا "ننحشر" بالإنفاق على جامعة حكومية، طالما يمكن أن يُنشئ كل منّا جامعة خاصة أو أهلية تكون مصدر دخل وتجعل الكلّ في "جماعتنا"، طلاباً وأساتذة وموظفين تحت رحمتنا.
■ ■ ■

أحد السياسيين ممن يستظلّون بالرئاسة لديه حقد خاص على الفرع الثاني. كنا قد شكوناه في كتاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية، لأنه تدخّل تكراراً لاستصدار طعون تتيح عزل العميد السابق والإتيان بأحد أزلامه إلى موقع العمادة. وقبل ذلك، كان قد اصطدم بالعميد الأسبق. حاول خرق نظام مباراة الدخول إلى الكلية لإتاحة الفرصة لدخول نحو 50 طالباً من دون مباراة في صيف 2016. ورفض إصدار نتائج من نجحوا في المباراة الأولى النظامية. صمد العميد وأخضع الطلاب للمباراة.
وخلق مشكلة مع عميد الكلية السابق لأن الأخير ألغى ساعات تدريس أحد الأساتذة الذي رفض إتمام تنفيذ عقده. وكان العميد قد تسلّم منصبه بعد انتخابات وفقاً لأعراف يتوزّع العمداء بموجبها مذهبياً. الأمر الذي لم يرُق الوزير.
وكانت علاقته قد ساءت مع أكثر أساتذة الجامعة عندما أحرجهم بتقديم نحو 400 اسم إضافي للتفريغ في 2014 بحجة أنهم مطلوبون من أحزابهم كشرط لقبول تفريغ الـ800 الأصليين.
وهو ينسّق مع "المكتب التربوي" للتدخل في قضايا هي في صلب الإدارة الأكاديمية للفرع. ويتعاون مع رئيس الجامعة، ويستخدم السلاح المذهبي للتحشيد.
■ ■ ■

يتولى مسؤولون تربويون في الأحزاب من خارج الجامعة إدارة المعارك الانتخابية فيها. يصاب المطّلعون على المفاوضات التي يديرها هؤلاء مع المرشحين بالذهول من وقاحتهم. يطالب هؤلاء المتطفّلون الأشخاص المتقدمين إلى الانتخابات بالالتزام بأجنداتهم الانتخابية كشرط لنيل دعمهم.
كانت انتخابات ممثلي الفرع في مجلس المندوبين في "رابطة الأساتذة المتفرّغين" يوم الثلاثاء 9/10/2018 مناسبة تجييش لم يشهد الفرع لها مثيلاً. استقبل مدير الفرع رئيس "المكتب التربوي" في أحد التيارات السياسية وأمين سر هذا المكتب. وأجاز لهما التجوال في طوابق الفرع. وجرى الضغط من مكتب الوزير على مدير الفرع للإدلاء بصوته.
هناك استهداف للجامعة اللبنانية كمؤسسة حكومية للتعليم العالي من قبل النخبة السياسية


يصل الأمر بمسؤول المكتب التربوي المذكور إلى استدعاء المرشّحين للمثول أمامه. كانت لديه أهداف في حياته العملية لم يحققها. هو ليس أستاذاً في الجامعة، وليست لديه دكتوراه. الأمر الذي يفسّر حقده.
في حالة "المكتب التربوي" هذا، نحن أمام مجموعة "ضباع". يهدّد مندوب "المكتب" في الفرع زملاءه بإزالة أسمائهم من ملفات المرشحين لدخول الملاك إذا لم يسحبوا ترشيحاتهم. ويهدّد الأساتذة من المتعاقدين بالساعة قبل انتخابات مجلس الفرع وبعدها بساعات تدريسهم.

■ ■ ■

المتواطئون مع هؤلاء من داخل الفرع يستولون على المسؤوليات في فرعنا. تقبل رئاسة الجامعة طعن هذا وترفض طعن ذاك. تتم إدارة الانتخابات من خارج الفرع. والمطلوب في كل الحالات تولية الأسوأ مهنياً وأكاديمياً، ليصار إلى تسليمهم كل مفاصل الكلية.
سنشهد نهاية الفرع الثاني كفرع متميّز بجودة مستواه، أخذاً بالاعتبار الدور الذي سيلعبه العميد ومجلس الفرع، بعدما فاز أغلب أعضاء هذا المجلس المذكور بالتزكية ورُدّت كل الطعون المقدمة بحقهم.
سيؤدي وضع الماستر تحت السلطة المباشرة لرئيس الجامعة، في ظل وجود عميد لا يفتح فاهه، وليس له رأي في أي موضوع، إلى إلغاء جهود التطوير والتحسين الذي تابعها المشرفون عليه منذ ٢٠٠٧ ـ ٢٠٠٨. وسيتحوّل الفرع إلى بازار للتنفيعات على حساب جدّية التعليم وجودته. هناك تغيير قد يطال ساعات الأساتذة بحيث يفقد البعض منهم بالساعة نصابهم ويسقط حقهم في التفرّغ. هناك جهود عقدين تريد الزمرة الحالية إلغاءها واعتبارها كأنها لم تكن.
■ ■ ■

قتل أحد الأطراف والدها صاحب النفوذ المحلي في الجنوب خلال الحرب الاهلية. وهو ما لم نعرفه إلا مؤخراً. قالت لنا قبل عقود إن طائفتنا هي سبب نكبة عائلتها. لم نفهم وقتها ما قالته ولم نولِ ما قالته أهمية.
استقبلناها كما لم يُستقبل أحد. لكن غبنها استحال مع السنوات ومع الفشل المتكرر رغبة عارمة في إلحاق الأذى بالآخرين. ما حصل معها مصدر خجل. وهي لا تستطيع أن تتحمّل هذا الشعور. وتعتدي علينا كل يوم لاكتساب موقع وحصانة. هي مليئة بـ"السعار" (rage) الذي "الله يسترنا منه".
حين دخلت بالقوة إلى مجلس الفرع، لم نكن نعرف من هي فعلاً. لا أعتقد أنه ينبغي أن ندين أنفسنا لأننا لم نتصدّ لها من البداية. لم يكن فينا عنف. كنا نقف مشدوهين أمام سعارها.
لم نتعاطَ مع حقنا في الطعن بتعيينها كما فعل زملاؤنا في طرابلس في قضية مشابهة وربحوا قضيتهم. صمدوا عند حقهم ضد الألاعيب والتلاعب بالقانون.
■ ■ ■

أُجرِيت مقابلة "تلميع صورة" على تلفزيون N.B.N. في 23 أيلول قال فيها رئيس الجامعة إنه تحت سقف رئيس الجمهورية. فُتحت منذ اليوم التالي أبواب جهنم علينا. وقد سارع من هم في الفرع إلى استثمار عملية تلميع الصورة التي أجراها التلفزيون لترهيب العاملين في الفرع. لم نعد نعرف كيف نرد الضربات عنّا. أُرسل المحقّق من رئاسة الجامعة للتحقيق في 24 أيلول مع موظفي الفرع على مدى يوم كامل. بات يأتي تكراراً لاستكمال "التحقيق". لم يعد موظف أو أستاذ يجرؤ على إلقاء التحية على زميله.
■ ■ ■

هناك صورة للرئيس بشير الجميّل على مدخل الفرع. أثارت جدلاً طويلاً قبل سنوات نقلته الصحافة. كنا نعتقد أن المصرّين عليها يرونها رمزاً لحريتنا في التعليم. وكنا نعتقد أنهم يدافعون من أجلها عن حصانة الفرع.
أن تكون هناك مؤسسة يدأب من فيها على بنائها منذ عقدين وأن تكون هذه المؤسسة مفخرة، فهذا لا يعني أحداً من السياسيين. نستعطي السياسيين ذات اليمين وذات الشمال ليقفوا معنا. يتفرّج السياسيون على محنة الجامعة ولا يهتمون لأمر فيها، إلا إذا كان منه مكسب شخصي لهم.
نحن وحدنا في المعمعة. نكسب معركة الجامعة التي هي معركة التعليم والتعليم العالي الراقي إذا تحلّينا بحد أدنى من الشجاعة. والتعليم هو إنجازنا الوحيد كجماعة.
■ ■ ■

سكتنا على مدى سنتين ونحن نعدّ الضربات. فهم المعنّفون سكوتنا عدم قدرة على الدفاع عن أنفسنا. نحن مؤتمنون على جدية التعليم العالي في لبنان. هل ينبغي الذهاب إلى تعبئة مذهبية وطائفية لنحمي إنجازاتنا.
تريدون تحويل بلادنا إلى جمهورية مملوكية لا يجرؤ الناس فيها على قول كلمة آخ! طفّحتم حياتنا بكل هذه الرثاثة. ماذا تتركون لنا غير أن نحزم أمتعتنا ونطلب صفة لاجئين إلى كندا.
عندها سيقول الناس إنه في هذا العهد، بالذات، تم تدمير الجامعة اللبنانية.
* أستاذ جامعي