فرضت التطوّرات على الساحة اللبنانية، والتي تخلّلتها استقالة الحكومة، البحث عن شكلٍ مغاير للحكومات التي تعاقبت على إدارة الدولة، في محاولة لإيجاد مخارج للأزمة التي ظهّرت حركة الشارع مدى استفحالها من جهة، وعمق الهوّة التي تفصل بين الممسكين بمفاصل الحكم وبين الناس من جهة أخرى. ويحظى الجدال حول إمكانية اعتماد حكومة تكنوقراط مساحة واسعة من النقاش الدائر في هذا الإطار.

وفيما تذهب قوى سياسية واقتصادية إلى التأكيد أنّ الحكومة التكنوقراطية قادرة على اجتراح الحلول للمشكلات المتفاقمة، مستندةً في ذلك إلى نجاحها في بعض التجارب العالمية، كالتجربة الصينيّة، يرى آخرون أنّ هناك مبالغة في بناء الآمال على هذا النوع من الحكومات، خصوصاً في بلد كلبنان، الذي لا يمكن بأيّ حال قياس نموذج نظامه السياسي، وما يحتضنه من تعدّد وتنوّع طائفي وحزبي وإيديولوجي وطبقي، إلى النموذج الصيني، نظراً للاختلافات الجذريّة بين النموذجَين.
يرى أصحاب هذا الرأي، أنّ المجتمع الصيني، توفّرت له خصائص مكّنته من الاستفادة من النمط التكنوقراطي الذي استطاع الانتقال بالصين إلى المرحلة الحالية من التقدّم الاقتصادي. وتمثّلت هذه الخصائص بتمركز القرار الاستراتيجي بيد حاكم مطلق، على رأس قيادة موحّدة، تحكم مجتمعاً موحّداً (سواء طوعاً أو قسراً)، يخضع بمجموعه لحزب واحد، ولا يقيم اعتباراً للعامل الديني في نمط حياته. وبمعنى آخر فإنّ خلو المجتمع الصيني من التعدّدية السياسية والحزبية والدينية (المعترف بها)، مكّن سلطة القرار من رسم الاستراتيجيات العامّة وخطط النهوض القصيرة والطويلة، بما ينسجم مع هذا المجتمع الموّحد، وفرضها نظرياً وعملياً على الوزراء المتخصّصين لتنفيذها من خلال وزاراتهم، وبالتأكيد وفقاً للرؤية السياسية التي ينتهجها النظام الصيني.
ومن نافل القول، إنّ رسم الاستراتيجية العامّة ينطلق من معرفة خصائص البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية للمجتمع، والحاجات التي يتطلّع إليها، وما يتمتّع به كلّ قطاع من القطاعات وما هو مأمول منه وله، ومدى انعكاس تطوّره على القطاعات الأخرى في المراحل المحدّدة. فيصبح تنفيذ السياسات المرسومة بمثابة سمفونية يشرف عليها مايسترو يواكب حركات النشاز خلال الأداء، لتصحيح الاختلالات التي تتبدّى عند التنفيذ والعودة إلى المسار المرسوم.
إنّ محاولة إسقاط هذا التناغم على الواقع اللبناني هي محاولة فاشلة، إذ يكفي التذكير بتعدّد رؤوس الحكم واختلاف ميولها وتحالفاتها، وتعدّد الطوائف والمذاهب واختلاف معتقداتها وامتداداتها الخارجية، وتعدّد الأحزاب والقوى السياسية واختلاف مصالحها وتبعيتها الدولية، وتعدّد البيئات الاجتماعية واختلاف انتماءاتها ومشاربها الغربية أو الشرقية... لمعرفة صعوبة وضع استراتيجية عامّة تأخذ بالحسبان كلّ هذه الاختلافات. ومع هذه الصعوبة (وربّما الاستحالة) تُطرح إشكالية أساسية تتعلّق بالكيفية التي ستمارس بها الحكومة التكنوقراطية سلطتها التنفيذية. وتتداخل مع هذه الإشكالية تساؤلات عن طبيعة الدور الذي سيمارسه كلّ وزير تكنوقراطي في وزارته.
ليست هناك مبالغة في القول إنه لن يكون بإمكان الحكومة التكنوقراطية رسم سياسات عامّة للحكم في لبنان على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، في ظلّ كلّ هذه التعدّديات (ولن ننسى أن لا وزارة تخطيط لدينا). ولو فرضنا أن القيّمين على تشكيل الحكومة لم يوفقوا إلى إيجاد شخصيات متخصّصة كفوءة بعيدة عن الانتماءات الحزبية والسياسية، وقرّروا الاستعانة باختصاصيين حزبيين فماذا يكون الفارق بين هذه الحكومة والحكومة السياسية غير تمتّع وزراء الأولى بعنصر الاختصاص الذي لن يغلب العنصر السياسي بعملية اتّخاذ القرارات.
ولنفرض جدلاً أنه تيسّر وجود مثل هذه الشخصيات غير المنتمية حزبياً وسياسياً (وهو أمر مستبعد)، ماذا سنفعل بانتماء هؤلاء الديني؟ ومحاولاتهم تغليب مصالح طوائفهم؟ وكيف نثق بعدم قيام هؤلاء بتغليب ما يتناسب مع طموحاتهم الشخصية لفرض أنفسهم شعبياً؟ وكيف نضمن عدم ولاء هؤلاء لامتداداتهم الخارجية ومراعاة سياساتها؟ خصوصاً أن معظم الوزراء في لبنان غالباً ما يكون حاملاً لجنسية ثانية. ومن المعروف أنّهم يتأثّرون بالسياسات العامة للدول التي يحملون جنسياتها.
ثمّ، وفي حال أراد الله أن يمنّ على اللبنانيين بمثل هؤلاء الذين يفتقر لبنان لوجود أمثالهم، كيف سيتمّ اختيار «المنهج العلمي» العام الذي ستعتمده الحكومة في رسم وتنفيذ سياساتها؟ وكيف نلزِم كلّ وزير باتّباع «المنهج العلمي» الأمثل لانتشال البلاد والعباد من الأزمات الراهنة؟ فمن المعروف أنّ كلّ اختصاص يتضمن أساليب ومذاهب علمية مختلفة، فمن يحدّد المنهج العلمي الذي يجب على الوزير اتّباعه؟ خصوصاً أنَّ «ولاءات» المتخصّصين للمناهج العلمية التي يتّبعونها لا تقلّ حدّة عن الولاءات الأخرى. وبالتالي فإنّ تسيير وزير ما لأعمال وزارته بما يتّفق مع منهجه العلمي المغاير والمتعارض مع المنهج العلمي الذي سيُعتمد من قِبل وزير آخر في وزارته، سيؤدي إلى استفحال ما نعانيه وحدوث ما هو أشدّ وطأة على لبنان.
وإذا كان النشاز في السمفونية ليس من شأنه أن ينعكس سلباً إلّا على المايسترو وعازفيه، فإنّ النشاز في العمل الحكومي خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان من شأنه أن يُسقط البلد برمّته. وعليه، تكون المغامرة بخوض تجربة مجهولة المصير، في زمن لا نملك فيه ترف التجارب، واقعة في غير محلّها الاعتباري. ومن جهة ثانية، فإنه لا بدّ من الاعتراف بأن نمط الحكومات السابقة أوصل لبنان إلى ما وصل إليه، وصار لازماً البحث عن حكومة تختلف في إطارها ومضمونها ونهجها عمّا سبق. وقد تكون الحكومة التكنوسياسية هي الأجدى، حيث يتناغم العامل السياسي والعامل العلمي لإخراج أفضل السيناريوهات الممكنة التي تفيد بحالتنا المستعصية.
* حقوقي لبناني