الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها

(ابن خلدون)

تتكوّن الحياة السياسية اللبنانية من مجموعة من التوافقات السياسية والقرارات المتّفق عليها مسبقاً، وتفيد التجربة السياسية اللبنانية بأن الإخلال بمبدأ التوافق يعرّض البلاد لعملية عصف واهتزاز تحاصر الكيان الهشّ وتشلّ الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. من هنا، أصبح جميع السياسيين في لبنان، مهما بلغت اتّجاهاتهم الفكريّة الخاصّة ونزاعاتهم التحرّرية بفعل التجربة الخاّصة أو بفعل الثقافة والتعليم، يمارسون فعل «التوافق» في الخدمة العامّة، لمجرّد أن يصبح أحدهم في الوزارة أو في النيابة أو الفئة الأولى من موظّفي الدولة.
يقع الفرد في هذا السياق بين خيارَين؛ الخيار الوطنيّ العام الذي يشمل كلّ لبنان، والخيار الطائفيّ الخاصّ الذي يشمل الطائفة فقط، وأيّ عملية توافق أو تناقض بين الخيارَين تدفع بهذا الفرد إلى ممارسة عمليّة من التضليل والمراوغة، لتبرير ما أقدم عليه، فتجعل منه في أفضل الأحوال، وفي حال نظافة الكفّ، ذا صفات من المكر والتدليس «والذكاء اللبناني»، في كيفية تنفيذ الأمور والتعاطي العام. أمّا إذا كان فاسداً، فتخلق له هذه الخيارات مساحة واسعة من ممارسة أفعال الاحتيال، وتصريف النفوذ، ونهب المال العام، وممارسة الفساد. وطالما أنّ الفرد يحمل الطائفة في يد والوطن في اليد الأخرى، لا يمكن للنظام القائم إيجاد أيّ آلية لمحاسبته، فالفكرة الاجتماعية التي أسّست لبنان أقوى وأشدّ من الفكرة السياسية التي تبني المجتمعات وتؤسّسها.
بالتالي، فإنّ هؤلاء السياسيين يستمدّون قوّتهم من الحضن الطائفيّ، وأيّ إجراء أو محاولة إجراء قانونيّ أو تشريعيّ يفكر فيه أو يعمل عليه مَن في موقع السلطة بهدف مشروع يتعلّق بطبيعة الحكم أو عمل الإدارة، يخضع لتقييم الطوائف عليه، رفضاً له أو قبولاً به، على اعتبار أنّه يرتبط بمصالحها أو يعاكسها، وقد يصل الأمر إلى خوض معارك كبرى في بعض المسائل التي تمسّ «حصة» الطوائف. أمّا المهم في ما يجري الآن، فهو: هل يخاطب مصالح الطوائف الكيانية أم يناقضها، وهل يشكّل فرصة لها لإعادة صياغة علاقتها بالدولة؟ وهل من أثمان في سبيل ذلك؟
دفع الحراك اللبناني الحالة الاجتماعية إلى الاقتراب من الحالة السياسية، بالمعنى المؤسساتيّ التنظيمي والعاطفي. وبغضّ النظر عن شوائب هذا الحراك، فهو فرصة لدمج الحالَتين ونقل لبنان من حالة الكيان إلى حالة الوطن، وهو المفهوم الوحيد الذي يقود إلى بناء الدولة وفق آلية التطوّر الاجتماعي وبناء السلطة السياسية، الذي وصلت إليه الدولة العصرية في المجتمعات الحديثة سواء الأوروبية أو الأميركية.
وتُشكّل محاولة تأليف الحكومة اللبنانية، وتمهّل رئيس الجمهورية في الدعوة إلى استشارات نيابية، ومحاولته التوافق مع مختلف القوى السياسية والمجموعات الطائفية اللبنانية من أجل إيجاد صيغة مشتركة، فرصة تاريخية لتغيير الحالة القائمة التي أصبحت أكثر نتوءاً وصلفاً وأحياناً أكثر تباهياً في ممارسة دور الطائفة ــ العشيرة على حساب الطائفة ــ الوطن، وبشكل كبير بعد اتّفاق الطائف.
دأبت مختلف القوى السياسية التي تعاقبت على تسلّم السلطة اللبنانية، على تطبيق مفهوم «التوافق» كقاعدة للحكم، أرستها التركيبة اللبنانية منذ عام 1943. وهناك خوف سياسي واجتماعي كبير من عدم ممارسة هذا المفهوم، الذي كان وما زال يصطدم بعملية التطوّر الطبيعيّ، سواء الاجتماعي أو السياسي ضمن التركيبة نفسها، والتي تحتوي على الكثير من الشقوق، الأمر الذي يسمح للمياه الخارجية بالتدفّق بسهولة داخل هذه التربة المتنوّعة. ودفع التناقض بين مفهوم «التوافق» وآليات التطوّر الطبيعي للأفراد والجماعات اللبنانية، إلى تصاعد عمليات القلق والاهتزاز الكياني، الذي راح يستنزف الدولة نفسها، بينما لا توجد أيّ ضوابط تكبح هذا الاهتزاز من التدحرج ليأخذ الطابع العنفي. وقد أثبتت الممارسة السياسية اللبنانية أن القلق واهتزاز الكيان قائمان ومستمران وخاضعان لطبيعة المعادلة السياسية اليومية، ولتطوّرات إقليمية ودولية بفعل التركيبة نفسها.

دأبت مختلف القوى السياسية على تطبيق مفهوم «التوافق» كقاعدة للحكم


من جهة أخرى، فرضت عملية التوافق داخل التركيبة السياسية اللبنانية عجزاً وشللاً وقيداً شديداً على بنية مؤسّسات الدولة، إدارياً وتنظيمياً وبالتالي مؤسّساتياً، فضربت فكرة الخدمات العامّة ومفهوم المواطنة شكلاً ومضموناً. ومن هذا المنطلق، لجأت «الجماعة اللبنانية» التي تنتمي إلى الدولة، وفق مفهوم الطائفة ــ العشيرة إلى تلزيم بعض تلك الخدمات إلى القطاع الخاص، ولكن وفق الآلية وخصوصية وتركيبة القطاع العام نفسها، فكان أكثر جشعاً واحتكاراً، على اعتبار أن بنيته تعتمد على التوافق وترتيب كمّية من الأرباح المستمرّة. وجد هذا القطاع مصلحته المشتركة في كيفية زيادة أرباحه وثروته، فخلق طبقة أوليغارشية تخطّت بفعل مفهوم الربح والثروة القواعد الاجتماعية والطائفية السائدة، فكانت هذه الطبقة، بفعل تكوينها، الأشدّ فتكاً بالطبقات الأخرى، خصوصاً الوسطى والفقيرة.
في هذه الأثناء، كانت التركيبة اللبنانية للنظام السياسيّ تعالج مجموعة المشاكل التي واجهتها، عبر إيجاد حلول مؤقتة للحاجات اليومية للمواطن، أو بتأجيل حلّ العديد من القضايا الملحّة والطارئة. وفيما أهملت التوازن بين الإنماء الطائفي والإنماء الوطني، تعطّلت تقريباً كلّ عملية الإنماء في لبنان، بفعل تسييس البنية الإدارية والاقتصادية للدولة اللبنانية، الأمر الذي يتنافى مع مفهوم الدولة ــ العادلة. إلّا أنّ تعطيل عملية الإنماء الوطني ترافقت مع حالة من المناورة السياسية بين القوى المسيطرة على الحكم، فهبط مستوى المفهوم والتقدير للسياسة والأخلاق العامة، وأصبحت معايير التقدم وتسلّم المقدرات العامة تخضع لمعايير منخفضة في المستوى الثقافي العام ومعدلات الذكاء والكفاءة، خصوصاً عندما قامت هذه القوى باستخدام أدوات طائفية وغير أخلاقية في صراعاتها، ولم تتوانَ عن ضرب وتهديد أيّ مشروع وطنيّ يتعارض مع مصالحها، في الدولة أو في الكارتالات التي امتلكتها بفعل هيمنتها على مقدّرات الدولة.
دفع كلّ ذلك شرائح اجتماعية وطنية كادحة ومثقفة، إمّا إلى الهجرة أو إلى الرضوخ والابتعاد عن الشؤون العامة. وظنّت الطوائف أنّ المشاركة التوافقية والجماعية بينها تحافظ على وجودها، فلم تلتفت إلى حقيقة أنها لم تعمل على تصويب الأخطاء المرتكبة من قِبل من يمثّلها في السلطة، وبالتالي لم تبادر، على مستوى «التربية السياسية» وبصفتها مرجعيات تقدّم العمل الأخلاقي على ما سواه، إلى محاولة تصويب الأخطاء. وقد نشأت بفعل ذلك فئات اجتماعية متضرّرة، وهي وطنية بامتياز لم تجد مصلحتها مع الطائفة أو مع هذه الفئة من القوى والأحزاب التي تسيطر على الحياة السياسية اللبنانية. عبّرت هذه الفئة عن نفسها في مناسبات وقضايا اجتماعية عديدة، كان من أبرزها العملية الانتخابية التي حدثت في عام 2018 سواء من حيث النتائج نفسها، أو من حيث عدم المشاركة في الاقتراع، أو من خلال الثقافة التي عبّرت عنها هذه الفئة في التعامل مع نتائج الانتخابات، والتي كانت تؤشر إلى حالة من الابتعاد الاجتماعي والثقافي عن الطوائف والطبقة السياسية.
فرضت فكرة التوافق السياسي نفسها على الخيارات الاقتصادية، فخلقت اقتصاداً هجيناً وشللاً وبيروقراطية في الأداء والنمو. ويفرض التوافق الاقتصادي عمليات تسوية بين القوى الطائفية المتمثّلة في السلطة، عبر أحزاب سياسية أتت إلى السلطة من خلفية الحرب الأهلية، وهي لا تملك بنية اجتماعية سليمة، ولم تنبثق من فعل صراع سياسي، على أقلّه بعد انتهاء الحرب الأهلية. لذلك، هي لا تملك مقومات أخلاقية لتسلّم الحكم وإدارته ولا تملك الكفاءة لذلك، فأصبحنا أمام بنية حزبية هجينة أيضاً تضمّ كل أنواع التناقضات والشوائب. وهو ما برز عبر عملية القهر وإهانة الكرامة الإنسانية التي مارستها تلك الأحزاب، خصوصاً أثناء عملية التوظيف في مؤسسات الدولة، أو تحويل الميادين والشوارع العامة إلى ساحات خاصة بها، أو تحويل بنية الدولة إلى منافع خاصة بها. تحكّم كل ذلك بوطن صغير مُتعب، هو في الأساس ضائع ومشتّت في نظرته إلى ماضيه.
من جهة أخرى، خلق مفهوم التسوية الاقتصادية نظام المنفعة ودفع نفسه إلى خلق منظومة فساد وعملية هدر كبرى استنزفت الدولة والمواطن اللبناني، الذي كان يشعر كلّما مرّ الوقت بمزيد من العجز والإهانة. وهذه الآلية نفسها، المبنيّة على التسوية والتوافق، خلقت أقلّية تتحكّم بموارد البلاد الرئيسية وتديرها كما تقتضي مصالحها. بفعل طبيعة عيش هذه الأقلية، لم تعد تربطها بالواقع الاجتماعي صلة وثيقة تعكس اهتمامه وحاجاته فأصبح الواقع نفسه منعزلاً عنها، ولم تتمكّن من التحكّم العاطفيّ بالنفس الاجتماعية، لهذا الواقع. وهذه الأقلية تنتمي إلى الأحزاب نفسها التي تتحكّم بالسلطة القائمة، وهي تدمج الطائفية بالعلمانية بالمدنية بالاشتراكية بالرأسمالية بالفردية بالإقطاعية بالعائلية... ويعمل أفرادها على تبرير أفعالها وتناقضتها باستمرار، عبر عملية استخفاف وإهانة مستمرّة ثقافياً وعلمياً وأخلاقياً لمجتمع ولأفراد بفطرتهم وبجدّية يعملون على اكتساب العلم والمعرفة.

فرضت فكرة التوافق السياسي نفسها على الخيارات الاقتصادية فخلقت اقتصاداً هجيناً


إنّ البحث عن حكومة وفاق وطني/ توافقية ــ كما يطلق عليها ــ ما هي إلّا تسوية سياسية واقتصادية بين هذه القوى نفسها التي أوصلت الواقع القائم إلى ما هو عليه، وستعيد إنتاج الفعل ذاته وفق العقل الثقافي ذاته. ويشير هذا النوع من الحكومات، بفعل الواقع الحالي والتجربة التاريخية، إلى أن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها بشكل آخر. تفترض الوقائع التي خرجت إلى العلن منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، أن يُعاد البحث في اتّفاق الطائف والحالة الميثاقية التي أنشأت لبنان.
تشكل الطوائف اللبنانية كيانات اجتماعية تحمل إرثاً تاريخياً مثقلاً بالخوف والقلق، ولم يعد يكفي التمسّك بهذا القلق والخوف من أجل التمسّك «بالكينونة اللبنانية» كما هي، لأنّ هذه الكينونة اهترأت بين أيدينا ولم تعد تلائم مقتضيات زمن ما بعد الحداثة. وتبنّي عملية الإصلاح للنظام السياسي القائم يقع بالدرجة الأولى على عاتق الطوائف نفسها، تلك الطوائف مطالبة بأن تعيد بناء نفسها وتجد آلية رقابية على روح الدولة التي ستشارك في إعادة بنائها وتعيد تقييم دورها في علاقتها مع الدولة اللبنانية باعتبار أن العلاقة القديمة ستدفع نحو انهيار الدولة، وبالتالي تلاشي وجود الطوائف اللبنانية وانتهاء دورها التاريخي. وإذا كان المطلوب بناء الدولة اللبنانية وفق رؤية عصرية كذلك على الطوائف أن تحدّث بنيتها بالتوازي مع ذلك.
لم تعد جميع التوافقات والتسويات بصيغتها السابقة تنفع. وبات لا بدّ من إيجاد صيغة توافقية جديدة تسمح بالدمج بين «خوف الطوائف» وحداثة الدولة. وصيغة «التوافق الثوري» بين الطوائف من خلال مبادرته هي نحو تحديث الدولة اللبنانية، والذي سيقود إلى طريقة عمل مختلفة ومشتركة تعتمد الدمج بين هواجس الطوائف اللبنانية بصفتها الكيانية، وما نتج عن التطورات التي حصلت على مختلف الصعد التكنولوجية والثقافية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية، ودمجها في صيغة واحدة تأسيسية دستورية إصلاحية.
يفترض هذا الدمج خلع جميع التسويات الماضية، وتأليف حكومة طرف واحد تحافظ على التوازن الطائفي وتنسف فكرة التوافق الطائفي، تشكّلها أكثرية سياسية برلمانية تأخذ بركتها وشرعيتها الكيانية والمعنوية من الطوائف اللبنانية أنفسهم، على أنّ أداءها السياسي وطنيّ بالضرورة. ليجتمع رؤساء الطوائف اللبنانية ويدفعوا نحو تشكيل حكومة طرف واحد يقودها إنسان صالح، قادر، يملك رؤية عصرية لبناء الدولة اللبنانية، ويختزن خلفية تاريخية عن طبيعة لبنان الإشكالية. حكومة طرف واحد تتبنّى خوفهم وقلقهم وفي الوقت نفسه نسب تمثيلهم، وتكون حكومة تعيد صياغة الدولة اللبنانية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وفق مفهوم المواطنة.
ويجب أن تؤسّس هذه حكومة لدستور جديد، أساسه فصل دور وحركية الطوائف عن دور وحركية الدولة، أي فصل العمل الطائفي عن العمل السياسي. كذلك، يجب أن تصادر قوة لبنان الاقتصادية وتبني عليها، كما عليها أن تعتبر الحركة المصرفية أساسية في إعادة بناء وتكوين الاقتصاد اللبناني، إضافة إلى التركيز على أن المقاومة حاجة لبنانية امتداداً لمفاهيم الجيوبولتيك ومفهوم قوة الدولة. وتبني سياستها الخارجية وفق مفهوم العروبة المشرقية للبنان.
ستعيد حكومة الطرف الواحد تشكيل الحياة السياسية اللبنانية؛ عبر قانون انتخاب جديد يكون فيه لبنان دائرة انتخابية واحدة، وتضع برنامجاً مفصّلاً ومسؤولاً عن عملية التنمية والبناء. من جانب آخر، يجب على حكومة الطرف الواحد أن تدفع باتجاه تشكيل حكومة ظلّ معارضة تأخذ التركيبة ذاتها، وتعيد تنشيط الحياة السياسية اللبنانية، لتخرجها من الحلول المؤقتة إلى مفهوم التنمية المستدامة. كذلك، يجب أن تُنشئ قضاءً مستقلاً تشارك الطوائف نفسها في إعطائه الثقة. والأهم من كلّ ذلك، هو أنه يجب أن تدفع الطبقة السياسية إلى عدم استخدام الطائفية في مقاربتها المصلحة العامة، وتجعل من الطائفية حالة كيانية ــ وطنية تمارسها الطوائف عبر معالجة القضايا الوطنية الكبرى، وتعمل على الخروج أو الانتقال من الطائفة ــ القبيلة إلى الطائفة ــ الوطن، وهو أمر ممكن من خلال صيغة خلّاقة تشبه الفرد اللبناني.
* أستاذ جامعي