كرّر رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو موقفه، قبل أسبوع: لا مصالحة بدون اعتراف فلسطيني بيهوديّة إسرائيل. وهو يعلم أن هذا من المستحيلات. ليس فقط لأنه مطلب غريب عن المتعارف عليه سياسياً بين الدول الحديثة، فلا تسجّل الدولة «هويتها» في سجلّ الدول (الأمم المتحدة) بل عضويتها فقط، وليس من حقها مطالبة بعضها البعض بالاعتراف بهوياتها. هذا شأنها هي. فالدّول «ذات دوَل...» أيضاً (بيبي، انظُر: أبو العتاهية!)... بل لأن الاعتراف الفلسطيني بيهودية إسرائيل معناه القبول بالرواية الصهيونية، أي صهينة الرواية الفلسطينيّة.


وهذا انتحار وطني.
المؤرخ الإسرائيلي الشجاع هيلل كوهين عبّر عن الأمر بوضوح: «الإعلان عن الاعتراف بدولة يهودية، المطالب به منهم (الفلسطينيون) الآن، معناه الاعتراف بأن لليهود حقّاً في السيادة على البلاد، اعتراف بحق المسيرة التي حولت العرب من أغلبية في البلاد الى أقلية فيها، منح مصادقة على المسيرة التي حولت أغلبية الفلسطينيين الذين عاشوا في أراضي دولة إسرائيل إلى لاجئين وتأكيد مكانة الفلسطينيين من مواطني إسرائيل كأجانب في بلادهم. ومثل هذا الاعتراف هو اعتراف بهزيمة تاريخية وقبول الحكم بالظلم الذي هم ضحيته» (مقال في «معاريف»، أخيراً).
الكاتب العبري المشاكس بيني تسيبر كان حادَّ الموقف في هذا الصدد، وتناول المسألة في اتجاه إسرائيلي داخلي. وكتب قبل سنوات: «إنه مطلب يعبّر أكثر مما نتصور عن تلك العقلية المقرفة، وكأن كونك يهودياً هو أمر فريد من نوعه (...) أنا أعتقد أن كون الشخص يهودياً هو مثل أن يكون أيّ شيء آخر، فلا يوجد أكثر غباءً من محاولة التفرّد بشيء لست مسؤولاً عنه، بل هو بالأحرى معطى موضوعي ولدتَ معه. فأنا سأكون سعيداً لو أن إسرائيل، كشرط لتوقيع اتفاقية سلام مع الفلسطينيين، كانت ستطالبهم بالاعتراف بإسرائيل دولةً إنسانيةً، أو دولة رفاه، أو دولةً نظيفة. في هذه الحالة كنت سأوقّع على عرائض لإجبار الفلسطينيين على الاعتراف بذلك (...) أنا لا أشعر بأية قربى من (الوزير) أفيغدور ليبرمان، وهو من زعامات الزاعقين بمطلب اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولةً يهودية. فوفقاً لما أعرّفه قيماً يهودية، أي قيماً إنسانية، ليبرمان ليس يهودياً بنظري بتاتاً». وهو يختتم: «الويل لليهودية لو أن إسرائيل بما هي عليه اليوم هي دولة يهودية». («هآرتس»، تشرين الأول، 2007). سيكون شديد الخطورة أن يتساهل أي فلسطيني في هذا المطلب الإسرائيلي. مهما بلغت الضغوط، سواء بالترهيب أو الترغيب، بقطع المعونات أو بزيادتها، والأميركيون يمارسون هذا. ما يسمى «اتفاق الإطار» الذي وضعه أو يضعه وزير الخارجية جون كيري واشتراطاته هو جزء من الضغط. وتقول التسريبات إنه يتحدث عن «إسرائيل اليهودية». هذا ما نقله سفير واشنطن في تل أبيب دان شابيرو («صوت إسرائيل» أواسط شباط)، والمبعوث الأميركي للمفاوضات الفلسطينية _ الإسرائيلية مارتن إنديك («يديعوت أحرونوت»، أواخر كانون الثاني). هناك مصادر ذكرت أن الصيغة التي يوردها كيري قريبة من صيغة «وعد بلفور» (1917) السيئ الصيت، الذي تعهد «بخلق وطن قومي لليهود في فلسطين»، وقيل فيه بحقّ إنه «صدر عمّن لا يملك وأعطى لمن لا يستحق».
كان ذلك «الوعد» فعلياً بمثابة رسالة وجّهها وزير خارجية بريطانيا أرثر بلفور الى مواطنه الإنكليزي الثريّ اللورد ليونيل والتر روتشيلد. من الغباء مطالبة الفلسطيني بتبنّي رسالة أرسلها مسؤول/ مواطن إنكليزي الى مواطن إنكليزي. ما شأننا نحن؟ ويصبح من الجريمة مطالبة الفلسطيني بتبنّي رسالة موضوعها السمسرة ببلاده في صفقة «إنكليزية _ إنكليزية»، يتم فيها اقتلاع شعبه رمزياً، ولاحقاً فعلياً، في خطوة عقاريّة الشكل واستعمارية المضمون.
بالمناسبة: نتنياهو يحمل مواطنة أميركية. وقال بلسانه إنه يحمل جواز سفر أميركياً منذ الولادة (مناظرة تلفزيونية حين ترشح لرئاسة الحكومة، أيار 1996). ربما لم يعد يجدّد جواز السفر منذ انتخابه رئيساً للحكومة، انصياعاً لقانون أميركي يلزم بالتنازل عن مواطنة الولايات المتحدة لمن يحتل في دولة أخرى منصباً بمسؤولية اتخاذ قرار، لكنه لا يزال أميركي الهوى والهوية السياسية... ومثله، يحمل الوزير القومي اليهودي جداً نفتالي بينيت جواز سفر أميركياً ولا يتنازل عنه. وقال إنه لن يفعل ذلك إلا إذا اقتضى الأمر («غلوبس»، كانون الثاني 2013). هذان المحاربان بشدّة على «بلاد الأجداد» لا يتنازلان بسهولة عن جواز الأسياد!
لذلك، فبوسع الوزير الأميركي جون كيري إرسال رسالة الى المواطن الأميركي (سابقاً؟) بنيامين نتنياهو، وزميله المواطن الأميركي الحالي نفتالي بينيت، وليتحدّث فيها عن يهودية إسرائيل وليعترف بما شاء، ولكن لن يكون الفلسطينيون ملزمين بها بالمرة، بالضبط مثلما لم يلتزموا بـ«وعد بلفور». فالشعب الخاضع للاستعمار، لا شيء في الكون يجبره على الإذعان لقرارات المستعمرين، لأنه ضحيتها. يجدر التأكيد: المسألة ليست رفض الاعتراف من باب التعنّت القومي الفارغ، وإنما من باب رفض الإلغاء الذاتي للفلسطيني. رفض شطبنا من التاريخ والحاضر. وأؤكد ما سبق أن كتبته في هذا الشأن.
أولاً: المجرم يطالب الضحية بتوقيع صك براءته! ولكن ما الذي يختبئ عملياً خلف تلك البدعة الخرقاء؟ والمقصود بـ«عملياً» هو الهدف السياسي العيني المباشر الذي يُراد تحقيقه تحقيقاً مخطّطاً. من الواضح أن أكثر ما يؤرق مؤسسة إسرائيل الرسمية هو قضية اللاجئين، لأن الخوض فيها، بل مجرد الاعتراف بالمسؤولية عن نشوئها سيقوّض معظم الرواية الرسمية المليئة بالثقوب التي تراكمت خلال عقود. فالغطاء الذي يوفره ناطقو المؤسسة لرفضهم مجرد الاقتراب الجدي من تلك القضية الجوهرية، هو ذلك الديموغرافي، أي المرتبط مباشرة بالمعتقد الغيبي الذي يُسبغ على الدول هويات غيبية. من هنا، لا يمكن إلا ربط مطلب الاعتراف بيهودية إسرائيل، بالمحاولة المتعنّتة المتشددة للتهرّب من استحقاقات قضية اللاجئين لكون عودتهم تمس بيهودية الدولة. هذا هو الفخ الجديد. («فخ جديد لقضية اللاجئين»، تشرين الثاني 2007).
لذلك، ثانياً: لا يجب على المفاوضين الفلسطينيين رفض هذا المطلب فقط، بل يجب رفض مجرّد الخوض فيه وإعطائه الشرعية. فليُترك حتى يتعفّن... هناك حاجة إلى التذكير بأن أفضل التسويات السياسية ستظل في أدنى حدود العدالة بالنسبة إلى شعب وجد نفسه مضطراً إلى التنازل عن الجزء الأكبر من وطنه بغير ذنب اقترفه! وهو ليس تذكيراً للرسميين الإسرائيليين فقط، بل لعربٍ أيضاً، قد لا يُقدمون على تقديم تنازلات جوهرية إرضاءً لإسرائيل بالضرورة، بل خنوعاً لأوامر البيت الأبيض، راعي الاحتلال الأكبر. («كفكاوية مقلوبة على بوابة قانون إسرائيل»، تشرين الثاني، 2011).
فليفعل كيري فعل بلفور، ليكشف أوراقه كلها، ولتخرج قضية شعبنا الفلسطيني من براثن السقف الضيّق للحظيرة الأمريكية. سيكون هذا ربحاً صافياً للقضية الفلسطينية العادلة.
* كاتب فلسطيني