جاءت التصريحات اللافتة والقوي، التي أدلى بها المرجع الشيعي بشير النجفي أخيراً، في خضم الجدل الدائر حول مشروعَي قانوني «الأحوال الشخصية والقضاء الجعفري»، وهما في الواقع مشروعا قانونين، الأول هو قانون القضاء الجعفري، والثاني قانون الأحوال الشخصية الجعفري، لتثير الكثير من التساؤلات، وتومئ إلى العديد من الاحتمالات، ولكنها، مع ذلك، لا تخلو من غموض يثيره اختلاط ما هو فقهي شيعي حوزوي بما هو سياسي واجتماعي عراقي. الأسئلة التي تثيرها تصريحات المرجع بشير النجفي بالأمس القريب كثيرة.


وقبل أن نناقش بعضاً منها، لنلق ِنظرة على حيثيات تلك التصريحات:
المرجع بشير النجفي، وهو بدرجة آية الله العظمى، ومن أصل هندي بنجابي يقيم في النجف منذ زمن طويل، كما تقول سيرته الذاتية، وواحد من أهم ثلاثة مراجع للطائفة الشيعية في العالم؛ يتقدمهم المرجع الأول السيد علي السيستاني، إلى جانب المرجع الثالث السيد محمد سعيد الحكيم، عُرف بمواقفه وتصريحاته النقدية الشديدة للحكومة العراقية الحالية ولرئيسها المالكي، أدلى ببيان بدأه برفض «أي تطاول على آية الله العظمى المرجع الديني السيد علي السيستاني»، معتبراً «أن قانون الأحوال الشخصية الجعفرية، رغم ضرورته وأهميته، ينطوي على شطحات في الصياغة الفقهية والقانونية». ويضيف المرجع في بيان صدر عن مكتبه في النجف «مع تجدد الحديث عن قانون الأحوال الشخصية الجعفرية، نعتقد أن هذا القانون قد رافق طرحه الإساءة غير المسبوقة إلى المرجعية التي ضحت عبر التاريخ للمواقف الحقة بالغالي والنفيس حتى الدماء»، مؤكداً أنّ الاعتداء على المرجع السيستاني «هو اعتداء على شخصية تمثل رمزاً للمذهب الإمامي وعلى سمو مقام المرجعية، وهو أمر مرفوض ومدان قطعاً ولا يجوز السكوت عنه، نقف مع سماحة السيد حفظه الله صفاً واحداً ولا نتهاون في هذا الأمر مطلقاً». وبعد أن يطالب المرجع المعتدين بتقديم اعتذارهم، يعود إلى التأكيد أنه سبق وأنْ بيّنَ لمن سماهم ذوي الشأن «أن هذا القانون، رغم ضرورته وأهميته لدينا، ينطوي على شطحات في الصياغات الفقهية والقانونية ولا يوافق عليها فقيه»، ويختم المرجع النجفي بيانه بالدعوة إلى عرض هذا القانون على المرجع السيستاني للاستنارة برأيه. ونختم هذا التلخيص بالقول إن مصدراً وصِف بالمقرب من المرجع الأعلى السيستاني أعلن أنّ وزير العدل حسن الشمري لم يستفسر عن رأي المرجع الديني قبل إعلانه إنجاز مشروعي قانوني الأحوال الشخصية والقضاء الجعفريين، وأن المرجع السيستاني عدّ هذا القانون «ماساً بحقوق سائر المكونات من أبناء الشعب العراقي/ وكالة «أين»).
وأخيراً، فإنّ رفض القانون ونفي موافقة المرجع السيستاني عليه يؤكدهما أيضاً ثالث المراجع الكبار السيد محمد سعيد الحكيم، ما يعني أنّ مشروع قانون الشمري جاء بالضد من إرادة ورأي المراجع الكبار الثلاثة، وأنه اختراع شخصي للوزير حسن الشمري ولحزبه «الفضيلة الإسلامي» ومرجعه الشيخ اليعقوبي.
مع الإشارة إلى أن الشيخ اليعقوبي قال في تصريح لوفد من مريديه ومقلديه إنه علم بأمر تقديم المشروعين من قبل وزير العدل إلى الحكومة قبل يومين من الإعلام. ويمكن تفسير كلامه بأنه يقصد خبر تقديم المشروعين ولا يعني أنه لم يكن على علم بصياغتهما التي استغرقت ثلاثة أعوام كما قال الوزير الشمري ذاته. وفي تصريحه ذاته، قال اليعقوبي إنه لا يريد إبطال مفعول قانون الأحوال الشخصية 188 الذي جاءت به ثورة 14 تموز 1958 الجمهورية وأقرته في سنة 1959، بل يريد إيجاد قضاء خاص بأبناء الطائفة الشيعية إلى جانب هذا القانون. وقد رأى محللون في هذا الكلام محاولة لإمرار القانون وقوانين مثيلة له للطوائف الأخرى كمرحلة أولى تتلوها مرحلة دفن القانون 188 دفناً تاماً، وهذا رأي وجيه لا يمكن دحضه بسهولة لأنه سيكون بمثابة تحصيل حاصل، علماً بأنّ قانون 188 لا يعتبر قانوناً مثالياً أو قريباً من الكمال، بل هو قانون متواضع لا يخلو من العيوب والهنّات، وهو قانون توفيقي وانتقائي بين المذاهب الإسلامية يؤكد متخصصون أنه أخذ الكثير من المذهب الجعفري الشيعي، وخصوصاً في مسألة المواريث، ولكنه لا يرقى مثلاً إلى مصافي قانون الأحوال الشخصية التونسي أو الجزائري أو اليمني الجنوبي، قبل الوحدة، رغم أنه أثار حين صدوره عاصفة من الرفض المرجعي في عهد المرجع الراحل محسن الحكيم الذي عرف بعدائه الشديد لثورة تموز 1959 وبرامجها التحررية في السياسة والاقتصاد والمجتمع لكون هذا القانون أنصف النساء نسبياً ووضع شروطاً تُصعّب الأخذ بتعدد الزوجات ولا تمنعه، وقارب مسألة المساواة بين الذكور والإناث في المواريث، لكنّ مشرّعيه تراجعوا عن ذلك في ما بعد.
ولكن، ما حقيقة الاعتداء الذي قال المرجع النجفي إنّ المرجع السيستاني تعرض له؟ ومَن يمكن أن يقوم بهذا الاعتداء غير الطرف المتضرر من رفض المرجع لقانون الشمري للأحوال الشخصية الجعفري؟
بمراجعة أحداث الأيام القليلة الماضية، نعلم أنّ الشيخ اليعقوبي، والذي هو بمثابة المرشد الروحي لحزب الفضيلة الإسلامي الشيعي، الذي ينتمي إليه وزير العدل حسن الشمري، كان قد انتقد بحدة وغضب ولغة متشنجة إحدى المرجعيات الكبيرة، من دون أن يسميها، رغم أن الجميع يعلم أنه يقصد مرجعية السيد علي السيستاني، لأنه كما قال (رفض وعوَّق وطلب عدم إمرار مشروع القانون المذكور). وقد اتهم اليعقوبي «ذلك المرجع الكبير» حرفياً «بالخذلان والخيانة، وأنه خذلان للإمام الحسين «ع» وخذلان لأهدافه المباركة»، وأن «الخيانة ليس فقط لأهداف الأئمة المعصومين «ع» بل خيانة لهؤلاء العشرين مليون شيعي جائع». وأضاف اليعقوبي: «كان أضعف الإيمان أن يسكت _ ذلك المرجع الكبير _ وأن لا يقف مانعاً، فيترك الآخرين يتحملون المسؤولية». صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها خلاف بين المراجع النجفيين، لكنها المرة الأولى التي يختلط ما هو فقهي بما هو سياسي في أسباب الخلاف وفي أنه خرج إلى العلن وفي أن اللغة التي استعملت فيه ليست معهودة ولا مسبوقة تماماً.
أما بصدد رفض النجفي لقانون الشمري الممزوج بتأكيده أن قانوناً كهذا ضروري ومهم، لكنه يعاني من شطحات فقهية وقانونية، فقد تساءل مراقبون عن القيمة الحقيقية لهذا الرفض، وهل يتعلق الأمر بخلاف فقهي حوزوي بين المراجع الدينيين على التفاصيل فقط، أم أنّ الأمر يتعدى ذلك إلى مشمولات أخرى؟
إذا كان المرجع السيستاني قد تحفّظ كما تقول التقارير الإخبارية السالفة الذكر على القانون لأنه اعتبره «ماساً بحقوق سائر المكونات من أبناء الشعب العراقي»، فهل يكون العلاج برفض القانون جملة وتفصيلاً كما يحتم الظرف والسياق، أم بإعادة كتابته من قبل المرجع السيستاني أو غيره؟
كما تساءل آخرون عن السبب الحقيقي الذي دفع المالكي إلى إمرار مشروع القانون هذا الى البرلمان إذا كان مختلَفاً عليه حتى بين المراجع الكبار؟ وكيف يعلل المالكي هذا القرار وهو يدّعي أنه من المقلدين «المقتدين دينياً» للمرجع الراحل محمد حسين فضل الله الذي عرف بفكره المستنير واللاطائفي، ألا يدل هذا التصرف على نوع من الانتهازية السياسية والدينية؟ ألا يعطي هذا التصرف مزيداً من الصدقية للأنباء التي تحدثت عن صفقة بينه وبين حسن الشمري تتعلق بتقاسم كعكة الدعاية الانتخابية؟ نسجل أيضاً، في هذا الصدد، غياب أي صوت نقدي أو رافض لهذا المشروع التقسيمي في المناطق الغربية والشمالية إلا ما ندر، وكأن الموضوع يتعلق بحدث داخل الطائفة الشيعية فقط، ولا شأن للآخرين به، وهذا تحليل ساذج وخاطئ تماماً؛ فهذا القانون هو نقطة البداية لتشريع قوانين طائفية مشابهة كما أعلن الرسميون، واحد للطائفة السنية وآخر للمسيحيين بمختلف طوائفهم، ورابع للصابئة وخامس لليزيديين، وعندها سينجح دعاة تقسيم العراق مجتمعياً وطائفياً وقضائياً رغم كل الرفض الإنشائي واللفظي للتقسيم الذي يكررونه في الإعلام. إنّ الأصوات المعارضة في هذه المناطق بسكوتها عن مشاكل العراق الأخرى، تعطي لحراكها المعارض للحكومة الاتحادية شكلاً طائفياً محضاً، إذ يبدو أنها لا تتحرك إلا بخصوص ما يتعلق بحصة طائفتها في الحكم والامتيازات والمغانم التي تريد تكبيرها وتوسيعها، وهي بهذا تخرج عن المسار الوطني المفترض وتكرس الجزئية والفئوية في حراكها السياسي والاجتماعي. أما استرخاء أو صمت الجهات والمنظمات المدنية وبخاصة النسائية والقضائية من نقابات المحامين وغيرها، فلا يمكن تفسيره أيضاً إلا ضمن مناخات الخراب والفوضى الشاملين التي تلف العراق من أقصاه إلى أدناه.
وأخيراً، فإن محاولة البعض دخول هذا الصراع بين الأطراف المرجعية إلى جانب هذا الطرف ضد ذاك محكوم عليها باللاجدوى؛ صحيح أن الصراع الحالي بين المرجع اليعقوبي وحزبه ووزير عدله حسن الشمري من جهة، وبين المراجع الثلاثة الأعلى للطائفة الشيعية في العراق، السيستاني والنجفي والحكيم من جهة أخرى، يمكن أن يحبط أو يعرقل أو يسقط هذا القانون، ولكن التمعن في حيثيات الصراع بين هذه الأطراف لا يدفع إلى التفاؤل لأنها صراعات داخل الموقع الواحد بين مَن يريد أن يحتكر حزبه ووزيره صياغة وكتابة مشروع القانون، وبين من يريد أن ينزع تلك المهمة وينيطها بالمرجعية السيستانية. ومع أننا لا نرجّح سعي المرجع السيستاني إلى القيام بهذا الدور لأنه لو شاء القيام به لقام به منذ زمن بعيد، ولا أحد يمنعه من ذلك، ولكن الأطراف التي تدّعي الدفاع عن هذا المرجع ضد تهجمات وانتقادات وإساءات المرجع اليعقوبي وحزبه ووصفه لامتناع المرجع السيستاني بالموافقة على مشروع القانون بالخيانة والخذلان للحسين والأئمة المعصومين، إن هذه الأطراف التي تزعم الدفاع عن المرجع السيستاني لا تخلو من طموحات شخصية لانتزاع هذا الملف من اليعقوبي لصالحها، وليس لأنها ترفضه أصلاً لدوافع وبواعث وطنية ومستنيرة.
كلمة أخيرة حول موقف حزب إسلامي شيعي آخر هو «المجلس الأعلى الإسلامي» بقيادة الحكيم الذي أعلن رفضه أيضاً لقانون الشمري، بل ذهب بعيداً في رفضه فاعتبره متخلفاً عن روح العصر على لسان أحد قادة الحزب والوزير السابق باقر الزبيدي الذي قال «إن مشروع القانون يحتوي على مواد تتنافى والأخلاق الإسلامية (الغد برس). أما التيار الصدري المنشغل بمشكلاته الداخلية بعد اعتزال زعيمه العمل السياسي، فلم يعلن أي موقف من هذا المشروع ومن تداعياته، بل تجاهله تجاهلاً تاماً حتى لحظة كتابة هذه الأسطر.
* كاتب عراقي