خلال السنين العشر الأخيرة، بدا لبنان وكأنه في سباق مع الزمن لضمّ جميع سمات الدولة الفاشلة. ففي ظل الغياب الأمني شبه التام، وتعطيل فعالية معظم السلطات الدستورية، وفقدان الحد الأدنى من المسؤولية لدى القيادات الحاكمة فيه، بات من الصعب الاقتناع بأن في لبنان مجتمعاً لديه من المؤهلات والرغبة بالحياة في دولة مستقلة وله من الإرادة والقدرة على القيام بما يلزم وما يبرر قيام دولة مستقلة.


إزاء هذا الوهن والتفكك الداخلي، وبالنظر إلى مطامع القوى الخارجية ومصالحها في استغلال حالة التمزق المجتمعي هذه، من الطبيعي أن يكون كل تطور أمني أو سياسي في لبنان رهن صراع إرادات القوى الخارجية وظروف تلاقي المصالح أو تناقضها بين هذه القوى.
قد يرى البعض جدوى في التركيز على المنحى الذي يمكن أن يتخذه الصراع بين المحورين المتنازعين للسيطرة على الشرق الأوسط والتكهن بما يمكن أن يحصل في لبنان نتيجة هذا الصراع، وبالتالي الابتعاد عن العلل الداخلية التي سهّلت وتسهّل نجاح الأطراف الخارجية في التلاعب بمصير لبنان. هذا هو المألوف في الجهد الفكري للمثقف العربي على وجه العموم، واللبناني خصوصاً في تناوله الأزمات السياسية التي تعصف بالعالم العربي. لكنني انطلاقاً من اقتناع كلي بضرورة التركيز على فهم العلل التي يعانيها المجتمع العربي وإعطاء الأولية في جهود النخب المثقفة لضرورة علاجها، فإنني سأبادر إلى تعيين وشرح بعض العلل التي أراها السبب الأساس لهزالة لبنان كدولة وتجريده من المناعة ضد الإرادات والمصالح الخارجية. سأقتصر في بحثي على علل أربع يعاني منها لبنان، وهي متداخلة متفاعلة متكاملة، وتكفي بنظري لفهم حالة التخبط السياسي والأمني التي يعانيها لبنان والتي تجرده من المناعة تجاه أية تحديات خارجية.
سوف أتناول باقتضاب: (1) علة اللجوء إلى قوى خارجية في حل المشاكل الداخلية التي باتت تشكل جزءاً مهماً من ثقافة لبنان السياسية عبر تاريخه الحديث، (2) النظام السياسي الطائفي الضامن للتشرذم الداخلي والمانع للانصهار الاجتماعي في إطار دولة حديثة، وبالتالي الذاهب بمناعة لبنان تجاه التحديات الخارجية، (3) التخلف المذهل في الوعي والممارسة لأبسط مقومات الدولة ووظائفها من قبل قياداته السياسية ونخبه المثقفة، وأخيراً (4) انتشار الفساد وجهل أعمى لخطره ومضاره بكل مؤسسة يطاولها. في ضوء ما تقدم، وأثر ذلك في مواجهة التحديات الأمنية التي تحيق بلبنان، سأحاول التطرق إلى ما يمكن توقعه في مواجهة التحديات الأمنية والاستحقاقات الدستورية.
التأثير الخارجي: الارتباط بإرادات خارجية هو من سمات الثقافة السياسية في لبنان التي تعود ربما إلى القرن التاسع عشر، زمن القناصل في عهد الرجل العثماني المريض. وهناك من يعتقد أن ارتباط الموارنة بفرنسا كان من أسباب قيام لبنان دولةً مستقلة إثر اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا، بالرغم من معارضة شديدة للانفصال عن سوريا من قبل شرائح شعبية واسعة معظمها ينتمي إلى الطوائف الإسلامية، وفيما كان معظم المنتمين إلى الطوائف الإسلامية يشعر بالانتماء إلى هوية عربية عندما كان للخطاب القومي العربي راع قدير، وبخاصة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت مصر مركز الجذب الأقوى في توجيه المشاعر السياسية لغالبية السنّة في لبنان.
لكن بعد وفاة الرئيس عبد الناصر وانحراف من خلفه عن مساره، ما أدى إلى إخراج مصر من الدور القيادي للعالم العربي، بدأ خفوت الخطاب القومي العربي لمصلحة خطاب ديني، وبخاصة نتيجة الخط السياسي الذي اتبعه الرئيس السادات في الخروج عن الإجماع العربي بشأن المطالبة بالحق العربي في فلسطين وإطلاق يد التيارات الدينية.
أزعم أن اللبنانيين بعامة، والمسلمين خصوصاً، كانوا أكثر العرب تأثراً بالتطورات السياسية المصرية، أكان في عهد الرئيس عبد الناصر أو في المرحلة التي تبعت وفاته. فقد كان للرئيس المصري الفضل الأكبر في إنهاء حالة النزاع المسلح في ما يعرف بأحداث عام 1958. والولاء الشعبي الذي كان يتمتع به الرئيس عبد الناصر في لبنان، وبخاصة لدى السنّة، لم يعرفه زعيم سياسي لبناني. بعد وفاة الرئيس المصري القائد وبروز دور الثروة في قيادة السياسية العربية، ذهب ولاء شرائح واسعة من السنّة إلى دول الخليج والمملكة السعودية خصوصاً. ولا يزال نفوذ المملكة هو الغالب في قيادة وتوجيه ما يعرف بحركة 14 آذار حتى يومنا هذا.
الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كان لها أثر مهم في استقطاب شرائح واسعة من الشيعة في لبنان، وخاصة بعد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وقد كان لذلك تأثير في نمو الخطاب المذهبي بين السنّة والشيعة، وخاصة بعد ضمور الخطاب القومي العربي. وبالرغم من الدور البطولي الذي قام به حزب الله ولا يزال في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأرض اللبنانية، وكذلك في الاستمرار في الدفاع عن السيادة اللبنانية، إلا أن الطابع المذهبي لهذا الحزب وارتباطه بإيران قد زاد في عملية الاستقطاب المذهبي وسهّل توظيف هذا الاستقطاب لمصلحة أصحاب المصلحة في إضعاف لبنان وتمزيق النسيج الاجتماعي فيه.
الحرب الأهلية اللبنانية، فضلاً عن الأثر المدمر لها على ما بقي من روابط اجتماعية وسياسية، فقد فتحت قنوات جديدة للارتباط بأطراف خارجية. فكان بعض المقاتلين من الطرف المسيحي يتعامل مع إسرائيل ويرى فيها نصيراً وحليفاً، لا بل منقذاً من خصم يود سلبه امتيازات وحقوقاً يراها أساسية لوجوده. وقد ساعد في تسهيل هذا السلوك من قبل بعض الأطراف المسيحية انحياز منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب القوى الإسلامية المسلحة في الحرب الأهلية. وقد كانت قيادة منظمة التحرير تأمر وتنهى وتطاع في الأوساط الإسلامية منذ بداية الحرب الأهلية وحتى اجتياح إسرائيل عام 1982 وإخراج منظمة التحرير من لبنان. لقد دأب اللبنانيون في التطلع إلى الخارج لحل الإشكاليات وتجاوز الصعوبات التي تنشأ في ما بينهم، وذلك بدوافع وهواجس ومخاوف طائفية أو مذهبية في معظم الأحيان. وهذا يأتي بنا لتناول العلة الثانية التي يشكو منها المجتمع اللبناني، وهي النظام الطائفي.
لقد اختار لبنان، منذ قيامه كدولة مستقلة، نظاماً سياسياً يمنع الحد الأدنى من الانصهار الاجتماعي بين أبنائه. وبالتالي يعطل المبرر الأساسي لقيامه كدولة مستقلة، أي دولة قوامها مجتمع فيه من الوحدة والقيم والمصالح المشتركة والرغبة في أن يكون دولة مستقلة عن الدول الأخرى. تاريخ لبنان الحديث، منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، يكاد يكون تاريخ حروب أهلية بين أبنائه، أساسها هواجس ودوافع طائفية. فعوضاً عن اختيار نظام سياسي يقضي على المخاوف والتناقضات الطائفية ويسهّل الوحدة بين أبنائه، اختار لبنان نظاماً يدفع إلى انتشار ثقافة تساعد على التمزق الاجتماعي، وتسهّل على الأطراف الخارجية التلاعب بالمخاوف والهواجس الطائفية لبلوغ أهدافها في إضعافه والقضاء على أهم مكونات المناعة فيه، وهي الوحدة بين أبنائه. فضلاً عن ذلك، إن النظام الطائفي يشجع على بروز الهويات والانتماءات الفرعية التي تشكل مانعاً فعالاً لنمو أسس الدولة الحديثة ومؤسساتها وتبنّي عقد اجتماعي هو الجاذب الأساسي للانتماء وللعلاقة بين المواطن والوطن وبين المواطنين في ما بينهم.
وقد كان لبنان ونظامه السياسي مختبراً مهماً بالنسبة إلى القوى الخارجية التي لا تضمر للبنان ولا لمحيطه العربي خيراً. فقد اكتشفت هذه القوى، في هذا النظام وفي إيقاظ الهويات الدينية والطائفية والمذهبية وتنميتها، سلاحاً فتاكاً مفعّلاً بغباء واسع الانتشار في المجتمع اللبناني والمجتمعات العربية على وجه العموم. وقد أدركت هذه القوى نتيجة تجارب ميدانية، أنه السلاح الأفعل والأفتك والأرخص في تدمير المجتمعات العربية، وأن جروحه لا تلتئم بسرعة وقد تستمر لأجيال، فاعتمدته الولايات المتحدة وسيلة في تغييب الخطاب القومي العربي، وفي بناء الديموقراطية التي أتت بها إلى العراق. وإننا شاهدنا ونشاهد آثار ذلك في تمزيق المجتمع العراقي. وقد قيل في حينه إن الولايات المتحدة تعمل على لبننة العراق. الآن تعمّم استعمال هذا السلاح في الدول التي أصيبت بالربيع العربي. وإننا نشاهد آثار اللجوء إلى هذا السلاح في المجتمع السوري الذي ربما كان أكثر المجتمعات العربية مناعة ضد انتشار الثقافة الطائفية والمذهبية.
إزاء هذا الخطر الذي يشكله النظام الطائفي على وحدة المجتمع اللبناني وأمنه واستقراره، هذا النظام العاجز عن حل الإشكاليات وتجاوز المصاعب التي يواجهها المواطنون والتي حلها من أهم مهمات كل نظام سياسي، ومقياس فعاليته وملاءمته، يصبح من الطبيعي والملحّ أن يلجأ المجتمع إلى تغيير نظامه السياسي واستبداله بنظام أكثر ملاءمة لتحقيق مصالح المجتمع ورغباته وآماله. فما هي حظوظ لبنان في النجاح بهذه المهمة؟ هذا يأتي بنا إلى تناول العلة الثالثة، وهي التخلف المذهل في الوعي والممارسة لأبسط مقوّمات الدولة الحديثة ووظائفها من قبل قيادات لبنان السياسية ونخبه المثقفة.

جوانب التقصير
بالإمكان الحديث لساعات عن جوانب التقصير في القيام بالمهمات الرئيسية للدولة ودرجة التخلف في فهم وممارسة وظائف سياسية لها، ولكني سأقتصر في الحديث على وجهين فقط، أرى أنهما يعطيان فكرة واضحة عن درجة الجهل والتقصير في فهم معنى الدولة وممارسة وظائفها، وهما السيادة والأمن.
من الواضح أن لبنان، بمعظم مسؤوليه ونخبه المثقفة، لا يعرف معنى السيادة ولا يعي أهمية ممارستها للحفاظ على أمنه واستقلاله وحقوقه بين الدول. سأتجنب الغوص في مفهوم السيادة وتطورها عبر التاريخ، وأقتصر على تعريف مبسّط يساعد على فهم مقومات السيادة وأهمية ممارستها بفعالية في ما يتعلق بلبنان.
السيادة في وجهها الداخلي هي الاستئثار بالحكم الذاتي، أي التعبير عن الإرادة الشعبية في ممارسة سلطة حصرية على مساحة معينة من الأرض وعلى المقيمين عليها. وفي وجهها الخارجي، أي في العلاقة مع الدول الأخرى، وفي إطار النظام الدولي السائد حالياً، هي ممارسة القدرة على الدفاع عن الحقوق والمصالح. فمدى الاستئثار بالحكم الذاتي والقدرة على الدفاع عن الحقوق والمصالح يرسمان حدود السيادة التي يمارسها الشعب المكون لدولة ما. وكيفية ممارسة السيادة ترسم أبعاد الحرية والاستقلال والنضج السياسي الذي يتمتع بها هذا الشعب.
الاستئثار بالحكم الذاتي هو في الواقع الاستئثار باختيار الأنظمة والقوانين التي ترعى حياة المواطنين والمقيمين على أرض الوطن، واختيار المسؤولين والمؤسسات التي تتولى تطبيقها. نلاحظ بداية ما أصبح أمراً عادياً مميزاً للحكم في لبنان، وهو أنه كلما واجه البلد صعوبة في توحيد الإرادة الوطنية حول أمر على قدر ما من الأهمية، يدخل الوطن في أزمة حكم. ولا يرى حكامه وأولياء الأمر فيه حرجاً في اللجوء إلى أطراف خارجية للتقريب في وجهات النظر بين أصحاب البيت اللبناني والمساعدة على الخروج من الأزمة. فلا يرى المسؤولون اللبنانيون من حرج مثلاً في الذهاب إلى قطر للمساعدة في اختيار رئيس الجمهورية اللبنانية. من الصعب جداً إيجاد دليل أكثر وضوحاً من هذه الظاهرة على الشح في إدراك معنى السيادة وأهمية التمسك بها، وخاصة من قبل الذين يتشدقون بالحرص على السيادة والاستقلال.
أما التعبير عن السيادة المتمثلة في الإرادة الوطنية في اختيار ممثلي الشعب لوضع التشريعات والقوانين الراعية لمصالحه والحافظة لحقوقه، فهو في الغالب الأعم من خلال آلية تحضنها ثقافة سياسية قوامها الفساد والرشوة وشراء الذمم، وفي ذلك تعبير كاف عن مدى احترام الإرادة الوطنية. هذه الإرادة التي تمثل ركناً أساسياً من أركان السيادة.
ومهما بلغت الحاجة إلى قوانين وأنظمة لمعالجة إشكاليات وتذليل عقبات تهدد المجتمع في وحدته وأمنه وفي توفير الحد الأدنى من التماسك حول المصالح المشتركة بين أبنائه، وهي من البديهيات التي تميّز مجتمعاً يتطلع إلى تكوين دولة مستقلة، فإن المجتمع ومؤسسات الحكم في لبنان تبقى في حالة شلل وعجز يكاد يعكس مقدار الحاجة إلى اتخاذ الإجراءات الملائمة. مثال على ذلك الحاجة إلى قوانين ومؤسسات تساعد في التخلص من الثقافة الطائفية والمذهبية الضامنة لتمزيق المجتمع وتهديد أمنه. أو اتخاذ إجراءات وتبنّي قوانين للحد من انتشار الفساد وفتكه بجميع مؤسسات الدولة ومعظم المسؤولين فيها. وإذا وجدت قوانين الهدف منها معالجة مثل هذه المواضيع، مهما كان حظها من الملاءمة لعلاج إشكاليات كبرى، تبقى دون تطبيق أو تعديل، ولو كانت جزءاً من الدستور اللبناني.
وجه آخر من التقصير في فهم السيادة والحرص على ممارستها في لبنان يكمن في تطبيق القوانين الجزائية اللبنانية. ما من دولة تتمتع بحد أدنى من السيادة تقبل أن تتولى سلطات أجنبية التحقيق والحكم بجرائم تقع على أرضها، أو أن يطبق على أرضها القانون الجزائي لدولة أخرى. فالقوانين الجزائية والمؤسسات المولجة تطبيقها هي سيادية بامتياز، لما لها من تأثير على الأمن الوطني ومصلحة المجتمع. أما في لبنان، فإن أكثر المتظاهرين بالحرص على السيادة والاستقلال هم أوائل الذين يدعمون ويمارسون التخلي عنها. ولنا في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أسطع دليل على مدى فهم السيادة والحرص على ممارستها.

دور الأمن
الأمن: ليس في سلوك المسؤولين والنخب المثقفة في لبنان أي دليل على الحد الأدنى من الإدراك لأهمية الأمن الوطني ولخطورة تهديد هذا الأمن، مهما كان مصدر هذا التهديد. ليس للدولة ومؤسساتها مسؤولية تضاهي مسؤوليتها في الحفاظ على أمن الوطن وشعبه، ولا يمكن المغالاة في تقدير حاجة المجتمع لأمنه. غياب الوعي لأهمية الحاجة الأمنية لدى المسؤولين والنخب المثقفة، وخاصة تلك التي تتمتع بقدرة التأثير على الرأي العام، يبدو أنها رافقت نشأة الدولة اللبنانية، وقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لهذه الغفلة من حروب أهلية وتدخل خارجي وعدم استقرار لا يزال يتفاقم.
ولعل من أهم العوامل الضامنة لأمن المجتمع والصانعة لمناعته وصيانة سيادته واستقلاله هي وحدته ووعيه لضروة وحدته، أقله في ما يشكل أمنه واستقلاله.
فإذا استعرضنا أهم الأحداث التي مرت بلبنان منذ استقلاله، والتي كان الأمن من أبرز ضحاياها، لوجدنا أن غياب الوحدة في المجتمع بالنسبة إلى ما يشكل مصلحة عامة أو خطراً محدقاً، هو السبب الأساس في وقوع هذه الأحداث والأضرار التي نجمت عنها. يمكن أن نستحضر، على سبيل المثال لا الحصر، الانقسام الداخلي والانهيار الأمني الذي رافق ما يعرف بأحداث عام 1958، ونزول جنود المارينز الأميركيين على الشواطئ اللبنانية، وتدخل الرئيس المصري عبد الناصر لوضع حد لحرب أهلية كانت تنذر بمآس كبرى.
يمكن كذلك أن نعود بالذاكرة إلى انقسام اللبنانيين حول تمكين منظمة التحرير الفلسطينية من إقامة قواعد لتنظيمات مسلحة تعمل داخل الأراضي اللبنانية وخارجها، وبشكل مستقل عن إرادة الدولة اللبنانية ورقابتها، ما يشكل خرقاً فاضحاً لأبسط مفاهيم السيادة الوطنية، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي رافقت ذلك؛ بما فيها الاجتياح الإسرائيلي للبنان والحرب الأهلية بين اللبنانيين التي استمرت ما يزيد على خمسة عشر عاماً.
نذكر كذلك الانقسام الداخلي والانهيار الأمني الذي رافق الاحتلال الإسرائيلي لأراض لبنانية مدة اثنتين وعشرين سنة، وغياب الدولة التام خلال هذه المدة، الاحتلال الذي لم ينته إلا نتيجة جهود وتضحيات لبنانية فرضت الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بلا قيد ولا شرط، واستعادت للبنان سيادة على أرضه وأمناً تجاه اعتداءات إسرائيل التي لم تنقطع منذ قيامها كدولة.
فالدولة اللبنانية كانت غائبة تماماً عن عملية تحرير الأرض وتحرير الأسرى اللبنانيين من المعتقلات الإسرائيلية، وقد أوكلت هذه المهمة للمقاومة. وأي أمن يعيشه لبنان بالنسبة إلى إسرائيل منذ انسحابها من الأراضي اللبنانية هو بفضل القوة الردعية للمقاومة اللبنانية. المذهل أن الأزمة التي يعيشها لبنان هي في جوهرها انقسام بين من يرغب في تحقيق الحلم الإسرائيلي في نزع سلاح المقاومة، وبالتالي حرمان لبنان من أمنه وسيادته تجاه إسرائيل، وكذلك من القدرة على الدفاع عن نفسه في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وذلك دون تقديم أي بديل من المقاومة أو ضمان أمني للبنان، وبين معارضي هذا الطرح.
يعيش لبنان الآن فوضى أمنية تكاد تكون غير مسبوقة حتى إبان الحرب الأهلية الأخيرة. فالنشاط الإرهابي للقوى التكفيرية القادمة من داخل الحدود اللبنانية وخارجها ظاهرة جديدة تهدد بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر. ومع ذلك، نسمع وزير العدل في الحكومة الجديدة يصف هذا الإرهاب بأنه «الجهاد المضاد لجهاد حزب الله في سوريا». ونسمع وزير الداخلية، المؤتمن الأساسي على الأمن الداخلي، يقول «العلاج الجذري للإرهاب يكمن في سحب حزب الله قواته من سوريا». وبالتالي فإن ربط قتل الأبرياء والتفخيخ والعمليات الانتحارية بوجود قوات لحزب الله في سوريا هو في الواقع تعطيل الدور الأمني للحكومة والامتناع عن شن حرب جدية على الإرهاب الذي هو مصدر التهديد الأساسي للأمن الوطني في الوقت الحاضر.
في ظل هذا المناخ من الجهل لمعنى السيادة والأمن وأهميتهما في حياة الدول لدى المسؤولين والنخب المثقفة، أترك للقارئ استنتاج إمكانية القيام بالإصلاحات الضرورية للنظام السياسي اللبناني.

دور الفساد
العلة الأخيرة التي أود التطرق إليها والتي ربما تلعب الدور الأهم في تعطيل الروابط القيمية ومعها السلوك العقلاني الخلوق في المجتمع، وتعطيل فعل المؤسسات والقوانين في الدولة، هي الانتشار الواسع لآفة الفساد. لا يدرك المواطن اللبناني، والعربي على وجه العموم، مخاطر الفساد ومضاره في كل ما يطال من بشر وقوانين ومؤسسات. حبذا لو يولي المثقف اللبناني، وكذلك العربي، أهمية لدراسة الدور الذي يلعبه الفساد في إعاقة وتعطيل النجاح في حل الأزمات وتذليل الصعاب التي تفرضها طبيعة الحياة الاجتماعية، وبشكل عام دور الفساد في إعاقة التطور في المجتمع. فكل نشاط أو مؤسسة أو مشروع يصيبه الفساد يحرفه عن الهدف الذي من أجله وجد، أو يحدّ من فعاليته في بلوغ أهدافه. فالفساد في القضاء يذهب بالعدالة التي هي هدف القضاء. والفساد في تطبيق القوانين يعطل حكم القانون، ويخلق الفوضى، ويقضي على الثقة بين الحاكم والمحكوم، وعلى ثقة المواطن واحترامه لمؤسسات الدولة. ويمكن تصوّر ما يفعله الفساد في القطاع الاقتصادي والمالي. وأود هنا الإشارة إلى الدور الذي يلعبه الفساد في تقويض الأمن في المجتمع. فهو يقضي على القيم والروابط الاجتماعية، وقد يدفع إلى تمزيق النسيج الاجتماعي إذا كان هناك مصالح خارجية تعمل على تدمير الأوطان، كما نرى في العديد من الدول الأكثر تأثراً بما سمّي الربيع العربي. وما علينا سوى مراقبة الأموال التي أنفقت وتنفق بهدف إثارة الهواجس الطائفية والمذهبية وتمويل وتسليح ورعاية مفجريها.
فالفساد بطبيعته هو استغلال المفسد لحاجات مادية أو معنوية عند بعض الأفراد، لبلوغ أهداف لا مسوغ خلقياً أو قانونياً لها. لذلك، فإن الفقر والجهل هما أضمن حلفاء الفساد والمفسدين. فاستغلال الفقر والجهل لدى شرائح واسعة من الشعب اللبناني للسيطرة على السلطة التشريعية والتنفيذية أمر بات مألوفاً على الساحة اللبنانية. وقد شاهد اللبنانيون عملية التخادم والتضامن بين الفساد والطائفية والسلطة في لبنان.
وربما يكون الفساد قد بلغ في المحيط العربي، بما فيه لبنان، أحط دركاته في استغلال الحاجات البشرية. ففضلاً عن استغلال الفقر والجهل في إشباع الحاجات المادية، وظف الفساد في استغلال الحاجات الإيمانية لدفع الشباب إلى القتل والموت وتدمير المجتمع العربي، ونحن نرى أن لبنان لم يسلم من مثل هذا السلوك في تقويض أمنه واستقراره.
هذا هو لبنان الذي يواجه تحدياً أمنياً مدمراً واستحقاقات دستورية ملحة. هو مجتمع يرعاه نظام سياسي يضمن تفككه، ويتحكم به جهل أعمى لمعنى السيادة والأمن الوطني التي هي من بديهيات الحكم في كل دولة مستقلة، فلا يخجل أو يتردد أولياء الأمر فيه في اللجوء إلى قوى خارجية لحل الإشكاليات وتجاوز الصعاب التي تنشأ بين أبنائه، وقد ارتضى الفساد ضامناً لتعطيل النجاح في التغلب على جميع العلل التي يعاني منها. فما المتوقع بالنسبة إلى التحديات الأمنية التي تواجهه؟
لعل أخطر التحديات الأمنية التي يواجهها لبنان حالياً هو من تداعيات الحرب القائمة في سوريا، وبالتحديد العناصر المسلحة التي تتعلّل بتدخل حزب الله لصالح النظام في الصراع المسلح في سوريا، والتي تلجأ إلى تفخيخ السيارات والتفجيرات الانتحارية، وبعامة القيام بأعمال إرهابية ضحاياها أبرياء غير مسلحين في معظم الأحيان.
برأيي أن الهدف الأساس من تحويل الانتفاضة السورية من حركة تبغي الإصلاح السياسي إلى نزاع مسلح يدمر البشر والحجر في سوريا، هو للقضاء على المقاومة. بداية شل وإضعاف سوريا وتقليص فعالية دورها الداعم للمقاومة، ثم إيقاظ وتنظيم وتفعيل المخاوف والهواجس المذهبية لدى الفئات المناوئة لحزب الله، ودفع الحزب إلى استعمال سلاحه في الداخل اللبناني. النجاح في ذلك يضمن تشويه الصورة المعنوية للحزب والقضاء على أمجاده في مقاومة إسرائيل وتحرير لبنان، ومن ثم إنهاكه عسكرياً في حرب مذهبية ثمارها الدمار والموت في الداخل اللبناني، وبالتالي تخلّص إسرائيل من أهم مصادر الارتياب الأمني لديها.
خروج مسيرة العنف في سوريا عن المشيئة الأميركية، وبروز الدور الجهادي الفاعل ميدانياً يبدو أنه أدخل القلق إلى نفوس بعض المسؤولين الأميركيين والأوروبيين والإقليميين، فباتوا يخشون نمو الإرهاب وانتشاره انطلاقاً من سوريا ومحيطها. ولكنني أستبعد أن يكون هذا القلق الذي يساور نفوس الأميركيين والأوروبيين وبعض حلفائهم في منطقة الشرق الأوسط له نفس الوقع لدى المسؤول الإسرائيلي. إسرائيل هي صاحبة الشأن الأساسي في إزالة حزب الله المقاوم كهاجس أمني تعلم يقيناً مدى خطورته، وأحسبها تضع ذلك في منزلة متقدمة جداً في سلّم أولوياتها، مقارنة مع ما يمكن أن يلحقها مستقبلاً من ضرر من بعض مشتقات تنظيم القاعدة، هذا إذا قدّر لهذا البعض أن ينمو ويتوجه نحوها. فضلاً عن ذلك، فإن في لبنان ذاته زعامات محلية، تحمل خطاباً سياسياً مذهبياً، وهي مدعومة مالياً وسياسياً من دول عربية، تشارك إسرائيل أمانيها بالنسبة إلى نزع سلاح حزب الله، حتى لو قضى ذلك على ما استعاده لبنان من سيادة على أرضه وأمن من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
رب قائل إن الأمر يختلف الآن بسبب الخطر المحدق بلبنان نتيجة انتشار الخطاب الجهادي والسلوك الإرهابي التكفيري، بدليل الاتفاق على حكومة يشترك فيها حزب الله والقوى المناوئة له. إني أتمنى أن يكون الأمر كذلك وأستبعده. فخطر انتشار القوى التكفيرية قائم منذ مدة، وقد شاركت بعض هذه القوى اللبنانية في انتشاره. ثم إنني أذكر أن الحرب الأهلية الأخيرة التي لم يكن من مبرر لاستمرارها أسبوعاً واحداً، دامت خمس عشرة سنة، ولم تنته إلا بفضل تدخل قوى أجنبية كانت راعية لبعض أطرافها.
يقيني أن ليس في المجتمع اللبناني كما هو قائم ما يدل على الحد الأدنى من الوعي لمصلحة وطنية تكون هي الدافع لسلوك المسؤولين فيه. لكن إذا التقت المصالح الخارجية، التي لها نفوذ مباشر أو غير مباشر على الساحة اللبنانية، وحصل بينها مهادنة أو اتفاق على تغيير لمجرى الأحداث في لبنان، فإن القوى الداخلية تنصاع للمشيئة الخارجية. وعليه إذا اتفقت بعض القوى الخارجية وبخاصة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على محاربة بعض المنظمات الجهادية التي تعتبرها خارجة عن سيطرتها، فقد تنجح الحكومة الجديدة في مواجهة بعض التحديات الأمنية، ولكن ضمن الحدود التي سوف ترسمها هذه القوى الأجنبية.
أما بالنسبة إلى الاستحقاقات الدستورية التي أصبحت ملحّة، فهي انعكاس لحالة الشلل الذي يعانيه الحكم في لبنان منذ اغتيال الرئيس الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. في طليعة هذه الاستحقاقات انتخاب رئيس الجمهورية. بعد الحرب الأهلية، جاء اتفاق الطائف بتعديلات هامة لصلاحيات رئيس الجمهورية ونقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
فقهاء القانون الدستوري يعتبرون أن اتفاق الطائف أدخل بعض الفوضى التي أثرت في وضوح وفعالية ممارسة السلطة التنفيذية. والملاحظ أنه بعد اتفاق الطائف، كان اختيار رئيس الجمهورية خاضعاً لنفوذ قوى خارجية. في ظل الوجود السوري في لبنان، كانت سوريا تلعب الدور الأكثر تأثيراً في اختيار الرئيس اللبناني. وبعد الانسحاب السوري، تم اختيار الرئيس سليمان في قطر، بمساعدة فاعلة من قبل الحاكم القطري. الآن، وبالنظر إلى الانقسام الحاد والشلل المهيمن على الحكم في لبنان، والاهتمام الشديد من قبل الأطراف الخارجية في السيطرة على مسار الحكم فيه، فمن المرجح أن يكون لهذه الأطراف الصوت المؤثر في اختيار رئيس الجمهورية المقبل. إلا أن انتخاب رئيس للجمهورية لن يحصل إلا في حال اتفاق بين الأطراف الخارجية المتنازعة على من يعتبرونه غير مضرّ بمصالحهم الأساسية ويساعد في الظروف الحالية في تجنيب لبنان الانزلاق إلى وضع يصعب انتشاله فيه من مصاف الدول الفاشلة، بما لذلك من أثر في انتشار الحركات الجهادية الخارجة عن السيطرة، وخاصة إذا شعرت إسرائيل أيضاً بأنه قد يكون لبعض تلك الحركات تأثير سلبي على أمنها. وبقدر ما يترسخ شعور لدى القوى الخارجية الفاعلة على الساحة اللبنانية بأن لها مصلحة في استقرار لبنان، وفي أن تستعيد المؤسسات اللبنانية بعضاً من فعاليتها، بالقدر نفسه قد نرى ملء وظائف الدرجة الأولى الشاغرة منذ مدة طويلة واتفاقاً بين القوى اللبنانية على قانون جديد يجرى على أساسه انتخاب السلطة التشريعية.
* أستاذ القانون في جامعة جورج تاون ــ واشنطن