ستعيّن الولايات المتّحدة سفيراً لها في السودان لأوّل مرة منذ 23 عاماً، لكن، هل سمعت بمفهوم «باكس أمريكانا» ــ Pax Americana؟ عموماً، يعني الأمر الواقع الذي يجب على الولايات المتّحدة الأميركية فرضه على العالم، عبر سيطرتها العسكرية ولعبها دورَ شرطي العالم الذي من حقّه استخدام القوة لتحقيق السلام والأمان.

والآن، لنحكي قصة جديدة من حلقات «باكس أمريكانا»، وهي تقليدية تبدأ بمقدّمة مكرّرة عن حرب قذرة شنتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهذا الأمر صار شائعاً على الآذان، أنّ أميركا دمّرت دولة ما، أو قتلت شخصاً ما، لكن هذه المرة سنحكي قصة قتل وطن قريب هو السودان، ونهب ما انبثق منه، دولة جنوب السودان تحديداً.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

يحكي صحافي يُدعى توماس مونتان، وهو مُقيم في أريتريا شهادته عن واحدة من أعنف الحروب القذرة السرية لوكالة الاستخبارات الأميركية ــ على حدّ وصفه ــ وقد عُرفت في التاريخ بـ«الحرب الأهلية الثانية في السودان 1983 ــ 2005»، وراح ضحية هذه الحرب ما يقرب من مليونَي إلى 2.5 مليون مدني في بعض الإحصاءات، وتشرّد حوالى أربعة ملايين سوادني.
وصيغت لهذه الحرب أسباب دينية وقبلية ونزاع على شكل الحكم داخل السودان. وإن كان هذا جزءاً من الحقيقة، لكن قد لا يكون الحقيقة كاملة لو اطّلعنا على رواية توماس التي جاء فيها أن سبب إطلاق وكالة الاستخبارات المركزية لهذه الحرب هو صراع أميركي ــ صيني على ثروات السودان. وأدّى احتدام هذا الصراع إلى جانب الحرب الأهلية، إلى تقسيم السودان، والوفاة الغامضة لأحد أهم أطراف الصراع العسكري جون قرنق، وهو أحد الحالمين بالسلام والتعايش في سودان واحد ومزدهر، يتّسع للجميع، ولكن عند تناول التاريخ لا مجال للأمنيات و لا مكان لفكرة الـ«لو».

الصراع الأميركي ــ الصيني
لو لاحظت تاريخ بداية الحرب الأهلية السودانية الثانية، ستجد أنه في عام 1983، أي خلال الحرب الباردة وقبل سقوط الاتّحاد السوفيتي. وكانت هذه الفترة تتميّز بعدم تهاون من قِبل الإدارة الأميركية مع أيّ تمدّد شيوعي، سوفيتياً كان أو صينياً. وكانت السودان هدفاً للشركات الصينية التي حاولت الابتعاد عن الخليج، والذي تعرف أنه حديقة أميركية خالصة، لكن الولايات المتحدة، وانطلاقاً من دور الشرطي، رأت أن حرمان الصين من الوصول إلى موارد الطاقة الأفريقية سيحفظ الأمن والسلم الدوليين، لا سيما أن حقول النفط السودانية كانت متاحة حصراً للاستثمار الصيني.
ولهذا، وفق رواية توماس مونتان، لم يكن من قبيل الصدفة أن آبار النفط تحت الاستثمار الصيني هي المعرّضة للاستهداف من قوات متمرّدة من جنوب السودان. وبالفعل، لو بحثنا سنجد أن حقل هجليج النفطي الذي يقع تحت الإدراة الصينية، كان هدفاً لقوات من جنوب السودان في عام 2012، ثم انسحبت من الحقل النفطي. دفع ذلك بالصين إلى إعلان ضرورة احترام استثماراتها في كلا القسمين مِن السودان، خصوصاً أن بينهما الكثير من المصالح المُشتركة.
ولفهم مآلات الحرب التي شنّتها الولايات المتّحدة لمنع أيّ وجود للصين، أو على الأقل وجود بشكل كبير، يجب أن نعود بالتاريخ إلى عام 2003 في خضم الحرب، حين قامت قوات خاصة أريترية بدعم انتفاضة حدثت في شرق السودان، وقادها شعب البجا المكوّن من قبائل عدّة، أهمها الحباب والبشاريون والهدندوة والأمرار والحلنقة والبني عامر والرشايدة والمكوكية. وكانت تربطها علاقات قوية مع أريتريا أولها اللغة، وثانيها التجارة، فهذه القبائل تسيطر على طول الحدود المشتركة بين البلدَين، وثالثها وأهمها هو موقع إقليم شرق السودان الجغرافي، الذي يعدّ بمثابة موقع استراتيجي مطلّ على البحر الأحمر، ولا يمثّل المنفذ البحري ّالوحيد للسودان على الأحمر، وإنّما للعديد من الدول الأفريقية المجاورة، بالإضافة إلى غنى الإقليم بالموارد الطبيعية.
غزت الولايات المتحدة جنوب السودان بواسطة أربعة آلاف جندي من الخوذ الزرقاء كما أبقت على عمليات النهب والتدمير لموارد جنوب السودان قائمة


وقامت القوّات الخاصة الأريترية بقطع طريق بورسودان ــ الخرطوم السريع الذي يعدّ بمثابة شريان حياة 25 مليوناً من سكان العاصمة السودانية. وفشل الجيش السوداني، على مدار أسبوعين، في إعادة السيطرة على الطريق، بل توالت هزائمه على يد القوات الأريترية. أدى هذا الحصار للعاصمة السودانية، إلى نقص حادّ في الغذاء والوقود لدفع الرئيس المخلوع، أخيراً، عمر البشير، إلى الإعلان عن بدء مفاوضات بحسن نية للوصول لعملية سلام مع مختلف جماعات المقاومة في ربوع الأراضي السودانية.
ونتج عن ذلك لقاء بين جون قرنق رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان» ورئيس السودان آنذاك عمر البشير، وتمّ توقيع اتفاق سلام شامل في العاصمة الأريترية أسمرة في أواخر عام 2004. ويتذكر الصحافي توماس مونتان الأجواء في كانون الأول/ ديسمبر 2004 عندما وصل إلى أسمرة وحلّ نزيلاً على الفندق الإمبراطوري القديم، حيث وجد نفسه برفقة صحافيين آخرين يتشاركون الإفطار مع كبار قادة «الحركة الشعبية لتحرير السودان». وكانت الأقمار الصناعية في الولايات المتحدة، آنذاك، قد نقلت عن التلفاز الأريتري «إريتري تي في» الأخبار المتعلّقة بعملية السلام السودانية. وكان الجميع يظهر في الصور في حالة معنوية عالية، وما زالوا متحمّسين لآفاق السلام في السودان.
كانت مفاوضات السلام التي انطلقت عام 2004، تجري برعاية مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتّحدة وممثله الخاص في السودان، والاتّحاد الأفريقي للهيئة الحكومية للتنمية (IGAD). وتهدف بشكل أساسي لحلّ شامل، عبر بسط السلام على كامل الأرض السودانية، لكن طبقاً لرواية توماس مونتان، فقد عرف في عام 2015 بالآتي: عندما نقلت المفاوضات إلى نيفاشا في كينيا، توسّطت الولايات المتّحدة بين أطراف النزاع وأحدثت زيادة طفيفة على اتّفاق أسمرة 2004 واتّفاق كينيا عام 2005، وهو إدراج بند يدعو إلى إجراء استفتاء استقلال جنوب السودان. بل أجبرت الولايات المتحدة الأميركية البشير وقرنق، على قبول استفتاء الاستقلال كأمر واقع، خلال «مفاوضات» السلام التي أدارتها في نستخها الأخيرة في كينيا، بعدما أبعدت أريتريا وبقية البلدان الأفريقية عن الملف السوداني. ويضيف مونتان أنه عبر سياسة العصا والجزرة، قبلت حتى القوى العظمى في العالم بتقطيع السودان وخلق ظروف موضوعية لحروب لا تنتهي في هذه البقعة الجغرافية من أفريقيا.
وحدثت إشكالية، وهي أنه بعد توقيع اتفاق السلام عام 2005، حشد جون قرنق أنصاره بصفته رئيساً لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» داخل الخرطوم. ولبّى نداءه مليون شخص أو أكثر، في حشد لم يستطع لا عمر البشير ولا غيره منافسته، إن كان في خطَبه أو في اجتماعاته الشعبية. وهناك ألقى قرنق خطاباً مصيرياً، أو لنَقُل خطابه الأخير. تحدث جون قرنق بحزم، رافضاً استقلال جنوب السودان، بل ذهب أكثر من ذلك، داعياً أبناء السودان في الشمال إلى مساعدته عبر انتخابه رئيساً لسودان موحّد، لكي يتمكّن من بناء وطن جديد قائم على المساواة في الحقوق والعدالة لجميع السودانيين. وأفصح قرنق عن نيته التي قتلته، وهي أنه أراد أن يكون مستقلاً سياسياً عن القوى الغربية الطامعة في ثروات بلاده، بل إنه يتطلّع إلى تعاون بنّاء مع الصين، التي تعمل بالفعل في مجال النفط من أجل تطوير اقتصاد السودان. السودان ككل ــ وجغرافياً ــ سيكون واحداً من أكبر وأغنى بلدان أفريقيا، وخسارة الولايات المتحدة الأميركية له لصالح الصين أمر غير مقبولٍ من وجهة نظر سياسية «الباكس أمريكانا».
سرعان ما توفي جون قرنق، بعد أسبوعين من هذا الخطاب، في تحطّم طائرة هليكوبتر غامض، وتوفي معه السودان الموحّد. هل قتله الأميركيون؟ نعم، هل أنا من محبّي نظرية المؤامرة؟ نعم أيضاً، فقد توفي رئيس بنما عمر توريخوس عام 1981، في حادث سقوط لطائرته بعدما رفض أن يوافق لشركة أميركية ــ مملوكة من جورج بوش الأب آنذاك ــ على شق قناة أخرى في بنما، وأراد أن يقوم بإسناد هذا المشروع إلى شركة يابانية. وسبق قتل توريخوس، مقتل خايمي رولدوس رئيس الإكوادور في العام ذاته، بعد سقوط طائرته أيضاً، بعدما أعلن خطته لتأميم قطاع الهيدروكربون المهيمن عليه من قِبل الأميركيين.
على كلّ حال، في غضون بضع سنوات بعد رحيل قرنق، تمّ إجراء استفتاء من أجل «استقلال» جنوب السودان، وصار تقطيع أوصال الدولة الأكبر في أفريقيا أمراً واقعاً. لكن من المفارقة، أن جون قرنق الذي عارض بشدة استقلال جنوب السودان يُعلن الآن عنه، بوصفه «أب» الدولة الوليدة جنوب السودان.

الحرب القذرة
في عام 2009، يتذكر مونتان اتصال أحد أصدقائه طالباً منه توثيق ما كان يجري في السودان وجنوب السودان، حيث يعيش الأول في أريتريا أي قريباً للغاية من موقع الأحداث. يلخّص مونتان الوضع بـ«هبوب عاصفة على جنوب السودان»، وقد نشر تحت هذا العنوان ما كان يخشاه قرنق في حال انفصال الجنوب، فقد صارت الدولة الوليدة من أكثر البلدان فقراً وتخلّفاً في العالم. والبلد بأسره، لديه أقل من 50 ميلاً من الطرق الممهدة، بينما يعاني السكان من الجفاف والجوع والمرض. وتتصاعد وتيرة العنف العرقي في جميع أنحاء البلاد، كما أن الحكومة الجديدة ضعيفة وفاسدة، وعلى رأس أولويتها سرقة عائدات النفط. وقد اتّهم وزير المالية وحده بسرقة أكثر من 300 مليون دولار في عام 2009. وحتى انتهاء مونتان من كتابة هذه الكلمات، لا يوجد توفّر لمياه الشرب النظيفة، ولا الغذاء الكافي، بينما لا يزال النضال اليومي لمعظم سكان البلاد هو الاستمرار على قيد الحياة.
تصطفّ الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتّحدة الأميركية، من أجل اغتصاب ونهب الموارد الطبيعية في جنوب السودان، وذلك تحت ستار سياسة «إدارة الأزمات» الأميركية. وتتمثل هذه السياسة في خلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى الدائمة في جنوب السودان. وتجلّت هذه الفوضى، عندما قررت الولايات المتحدة وكلبها الصغير ــ وفق وصف مونتان ــ الذي غادر الأمم المتحدة، بان كي مون، تغيير النظام في جنوب السودان والتخلّص من الرئيس سلفا كير الزعيم المعترف به دولياً، والاستعاضة عنه بالزعيم المتمرّد ريك مشار، الذي وعد الولايات المتّحدة بحرمان الصين تماماً من الوصول إلى أيّ موارد للطاقة في أفريقيا. وقد جاء ذلك، بشكل خاص، بعدما توجه الرئيس سلفا كير إلى الصين لحلّ أزمته الاقتصادية، بعد نهب ما يقرب من 15 مليار دولار دفعة واحدة من أمراء الحرب في الدولة الوليدة، بالإضافة إلى نهب المؤسسات الغربية وعدم رغبتها في دفع التزامتها للحكومة الجديدة، على الرغم من توريد 500 ألف برميل نفط يومياً.

عدم تدمير الوجود الصيني في جنوب السودان يعدّ هزيمة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية


ولهذا قامت الولايات المتحدة بتوفير حاضنة آمنة لريك مشار، ورجاله الذين يقترب عددهم من 20 ألف مقاتل، ووفرت لهم المال والسلاح عبر أثيوبيا. وعندما شعرت أنه قد يخسر الحرب ويُقتل، جرى إرسال الخوذ الزرقاء، رجال الأمم المتحدة، وإخراج ريك مشار وحمايته للإبقاء على سيناريو الفوضى مخفياً بغطاء قوات حفظ السلام الدولية والمفاوضات، وتبقى بذلك جنوب السودان أرضاً منهوبة.
وقد غزت الولايات المتحدة جنوب السودان، بالفعل، بواسطة أربعة آلاف جندي من الخوذ الزرقاء، كما أبقت على عمليات النهب والتدمير لموارد جنوب السودان قائمة. وغضبت الولايات المتحدة بشدة، كما خطّطت لمقتل الرئيس سيلفا كير نفسه، وفق ما سرّبته «ويكيليكس»، بسبب مساهمته في تسهيل دخول قوات حفظ سلام أممية سُمح للصين بنشر ألف عنصر منها حول مصالحها ومبانيها في الدولة الوليدة.

ليست النهاية
عدم تدمير الوجود الصيني في جنوب السودان، يعدّ هزيمة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ولن تهدأ أميركا وأتباعها في الأمم المتّحدة إلا بالسيطرة الكاملة على ثروات جنوب السودان، تحت أي مسمى «حماية»، «حفظ سلام»، «إدارة أزمة»... إلخ، خصوصاً أن بيئة جنوب السودان رخوة، كما أنها دولة خلقت من العدم بلا مؤسّسات وبلا حدود واضحة. وجاءت الحرب الأهلية لتدمّر جزءاً كبيراً من الإنتاج الزراعي، ما يجعل البلاد عرضة للمجاعة وبحاجة دائمة للمؤسسات الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.
هذا بالإضافة إلى النعرات القبلية والصراعات المناطقية التي تغذّيها أموال وكالة الاستخبارات الأميركية، وعمليات التهريب الكبرى للموارد. ولا يعني عدم إحكام السيطرة بالكامل الفشل التام، فقد تمكّنت هذه الفوضى الأميركية من خفض معدّل التصدير اليومي للنفط من 480 ألف برميل عام 2010 إلى حوالى 160 ألف برميل يومياً عام 2014، علماً بأن الصين هي التي تشتري 80٪ من صادرات النفط في جنوب السودان.
وفي أواخر عام 2018، ومع تسليم الولايات المتحدة بأن الأمر لن يُحسم لصالحها دفعة واحدة أخيراً، دفعت المجتمع الدولي للضغط على سلفا كير للتوقيع مع مشار على اتفاق سلام في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بحضور رؤساء دول الهيئة الحكومة للتنمية في شرق أفريقيا (التي رعت اتفاقية السلام بين فرقاء السودان قبل تقسيمه). وبهذا، وفّرت الولايات المتحدة تكلفة دفع رواتب المرتزقة التابعين لمشار، وبطبيعة الحال، لا يزال الفساد منتشراً في الدولة الغنية. وعليه، فإنّ دمج المتمرّدين في أجهزة الدولة سيجعل رواتبهم تأتي من الثورات المنهوبة، ويسمح لوكالة الاستخبارات بإعادة بناء مختلف الإدارات العسكرية، على أساس إثني موالٍ لها، كما يضمن لها النجاح دفعة واحدة في أي انقلاب مقبل. وهذا جزء من تعاليم وقواعد الـ«باكس أمريكانا» لأفريقيا بأسرها.

* كاتب مصري