وفقاً لمؤشر مُدركات الفساد لعام 2018 لدى منظمة الشفافية الدولية، احتلّ لبنان المرتبة رقم 138، وذلك بعدما كانت الأمانة العامة للأسرة الأوروبية قد كشفت، منذ عام 2005 ــ من خلال تقريرٍ أعدته عن لبنان ــ أنه دولة متقدمة جداً على صعيد معدلات الفساد. وتقاطع هذا التقرير مع دراسات عالمية وداخلية أعدّتها منظمات وجِهات غير حكومية خلصت إلى نتائج شبه متطابقة.

Alec Monopoly Art - Eden Fine Art Gallery

وتناولت هذه التقارير معلومات (لم يجرِ التدقيق في صحتها)، عن انتشار الفساد في المرافق العامة، وعن ارتكابات بعض المسؤولين السياسيين أو الإداريين، من دون تحديدهم. ثم تتالت التسريبات والوثائق من نوع «ويكليكس» و«وثائق باناما»، في عام 2016، إضافةً الى الأخبار الصحافية المتداولة، ما أسهم في تشكّل الوعي الجماعي لدى اللبنانين بأن أحد أسباب حالة الأزمة الاقتصادية، يتمثل في حجم الأموال المجنيّة من الفاسدين على حساب المواطنين. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع قيمة الدين العام وقيمة خدمته، ويكفي للاستدلال على حجم المال المسلوب، النظر إلى مظاهر الثراء الفاحش وحجم ملكيات وموجودات بعض السياسيين والإداريين وغيرهم.
دفع كل ذلك باللبنانيين إلى التعرّف على مصطلح «المال المنهوب»، والذي دخل في الأدبيات السياسية والإعلامية والشعبية، على الرغم من عدم وروده في أي تشريع لبناني، كما أنه لم يرد في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، الجاري إقرارها من الهيئة العامة في الثالث من شهر تشرين الأول / أكتوبر من عام 2003، والتي دخلت حيّز التنفيذ في عام 2005، والتي حدّدت المصطلحات، كمصطلح الحجز والمصادرة وتجميد الممتلكات. وأصبحت بالتالي عبارة «الأموال المنهوبة» تشير ضمنياً أو اصطلاحاً إلى الأموال أو الممتلكات المتأتّية من الإثراء غير المشروع، أو الفساد، أو صرف النفوذ، أو اختلاس الأموال العامة، أو الرشوة، أو استجلاب المنفعة. ثمّ أصدرت وزارة العدل اللبنانية، خلال عام 2018، كرّاساً عن التعاون الدولي لاسترداد الأموال الناتجة عن أعمال الفساد.
في مقابل هذا الواقع، وحجم الأزمة وضرورة المحاسبة، يتطلّع اللبنانيون إلى ثورة تشريعية كحاجة مُستدامة، ولا سيما إقرار قانون استقلال السلطة القضائية. ولكن ثمّة أسئلة يجب طرحها انطلاقاً من العجلة في تحقيق ذلك: هل يوجد في جعبتنا القانونية، ما يكفي لبدء إجراءات استرداد المال المنهوب أو تجميده مؤقتاً، أو مباشرة مكافحة الفساد جدياً؟ ثم ننتقل، في مرحلة ثانية، إلى ترميم نواقص التشريع بعقل بارد، وهدوء لا يؤدي إلى ثغرات، من خلال ورشة تشريعية. بالتالي، هل منظومتنا القضائية قادرة على ممارسة هذا السلوك؟
بدءاً، أشير إلى أن حقيبة التشريعات اللبنانية النافذة حُبلى بالنصوص، التي تُمكّن القضاء اللبناني وبعض الهيئات ذات الطبيعة القضائية، من مباشرة إجراءات استرداد الأموال المنقولة وغير المنقولة الناجمة عن جرائم الفساد، وأنا أميل إلى التريّث في إقرار تشريعات جديدة في لحظة سياسية حرجة، يُخشى من تمييعها لاحقاً من قبل الحكومة. لذا، من الأجدى الاستفادة من الظرف المؤاتي، الذي أسهم في كيّ الوعي وكسر المحميات، لتطبيق القوانين الموجودة من نوع قانون الإثراء غير المشروع ــ الصادر في عام 1953والمعدّل بموجب القانون 154/1999 ــ حيث تجيز «الفقرة الثانية» من «المادة العاشرة» منه، للنائب العام أن يدّعي مباشرة أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت. والاستدلال على شبهة الفساد لا يحتاج سوى إلى ما يبيّن تملّك المشتبه فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأموال منقولة وغير منقولة أو وجود ثراء لا يتناسب مع موارده، وفقاً لصراحة المادة 12 من القانون. ونذكّر بأن قانون السرية المصرفية لعام ١٩٥٦، تضمّن في «المادة السابعة» منه، استثناءً لجهة إمكانية رفع السرية عند الشروع في دعوى الإثراء غير المشروع، إضافة إلى تطبيق أحكام القانون رقم 44/2015، الذي يجيز تجميد الأصول والأموال المتأتّية من ارتكابات الفساد والرشوة والإثراء غير المشروع. وسبق أن تمّ تجميد حسابات أحد المتهمين باختلاس الأموال العامة ــ وحسابات بعض أفراد عائلته ــ كتدبير احترازي، ما يعني إمكانية اتخاذ إجراء تحفّظي إلى حين صدور قرار قضائي. وننوّه إلى أنه سبق للقضاء العدلي أن أعلن صلاحياته في ملاحقة أحد الوزراء المرتكبين، بخصوص بعض الجرائم خارج إطار المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بموجب القرار الصادر عن محكمة التمييز الجزائية في عام 2004، حيث اعتبر مثلاً أن «الصرف من دون سند قانوني و تقاضي العمولات»، كلّها جرائم تدخل في اختصاص القضاء العادي العدلي، وليس في اختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
حقيبة التشريعات اللبنانية النافذة حُبلى بالنصوص التي تُمكّن القضاء اللبناني من مباشرة إجراءات استرداد الأموال الناجمة عن جرائم الفساد


كذلك الأمر في قرار ثانٍ صادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز في لبنان، وعلى الرغم من النتيجة التي توصّل إليها لجهة عدم صلاحية القضاء العدلي للنظر في جرائم الوزير الناجمة عن الإخلال بالواجبات الوظيفية، بمعرض الدفع الشكلي المقدّم من أحد الوزراء في قضية معيّنة، إلا أن هذا القرار وضع معياراً واضحاً وجلياً لتحديد ماهية الجرائم التي يرتكبها الوزير، والتي تدخل في اختصاص القضاء العدلي، وهي تحت فئة الجرائم العادية، ومنها المرتكبة في معرض ممارسة المهامّ أو الجرائم، التي تؤلّف تحويلاً للسلطة عن طريق تفضيل المصلحة الخاصة والشخصية على المصلحة العامة.
وما يدفع إلى هذا الموقف لجهة التأنّي في مباشرة إقرار مشاريع واقتراحات القوانين، هو كسل الحكومات المتعاقبة في إصدار المراسيم التطبيقية لكثير من القوانين التي أصدرها مجلس النواب، مثل قانون وسيط الجمهورية رقم 664/2010، والقانون الذي لحظ إنشاء المحاكم الإدارية في المحافظات على الرغم من قيام مجلس النواب بمهمّته. فكيف يثق المواطن اللبناني بإمكان إصدار مراسيم تطبيقية لمحكمة مختصّة بجرائم الفساد وغيرها؟!
وأيضاً ما دفعني إلى هذا الموقف، هو الآليات المعقّدة التي رصدتُها في نصوص اقتراحات ومشاريع القوانين ذات الصلة بمكافحة الفساد، والواردة في أكثر من صيغة، والتي تحمل في باطنها أدوات تعطيل ذاتية وتؤشر إلى عدم استقلالية ناجمة عن كيفية تعيين أعضاء المحكمة المقترحة، للنظر في الجرائم المالية وآلية الادّعاء أمامها، والتي تتجاوز بكثير التعقيدات الملحوظة في قانون أصول محاكمة الرؤساء والوزراء أمام المجلس الأعلى.
أما بشأن الحصانات الدستورية، فإننا نلفت الانتباه إلى أن انتهاء العقد العادي لمجلس النواب، كفيل بمباشرة إجراءات الملاحقة، كما أن بعض المشتبه في فسادهم لا يتمتعون بأي حصانة دستورية أو قضائية أصلاً، إضافة إلى صلاحية النائب العام لدى محكمة التمييز في منح بعض أذونات الملاحقة بشأن بعض الموظفين.
ولا يُرد على ذلك بالقول إن الأموال المسلوبة مُودعة خارج لبنان، وبالتالي ثمة استحالة قانونية لاسترجاعها، إذ أن القوانين اللبنانية تتضمّن نصوصاً نافذة، وإن كانت تحتاج إلى بعض التعديلات، مثل قانون الإثراء غير المشروع وقانون مكافحة تبييض الأموال الناجمة عن الرشاوى وصرف النفوذ والفساد، إضافة إلى اتفاقية تبادل المعلومات لغايات ضريبية، وإلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضم إليها لبنان عام 2009 أسوةً بـ186 دولة. وتخوّل هذه الاتفاقية، بموجب المادة 31/ فقرة 7، المحاكم والسلطات المختصّة لكل دولة، أن تأمر بكشف السجلات المالية والمصرفية وحجزها، ولا يجوز للدولة أن ترفض الامتثال لهذا الطلب، بحجة السرية المصرفية، تمهيداً لاسترجاع الموجودات من الخارج، وفقاً لآلية تعاون ملزمة للدول الأطراف. وتبدأ رحلة استرجاع الأموال المسلوبة المودعة لدى مصارف خارج لبنان، عبر تتبّع حركة رؤوس الأموال (tracing)، المتاح قانوناً. إذ يُجاز لهيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان وفقاً لاتفاقية محاربة الفساد ولا سيما ما ورد في الفصلين الرابع والخامس منها، أن تطلب تعاوناً دولياً عند مباشرة التحقيقات، وأن تطلب من الدول المعنية تجميد الأرصدة في المرحلة الأولى، ليصار إلى استرجاع الأموال في المرحلة الثانية بعد صدور الأحكام القضائية، من دون أن نغفل إمكانية عقد اتفاقيات ثنائية أو بروتوكولات تعاون على غرار تلك الموقّعة بين سويسرا ونيجيريا.
وثمّة سوابق في أكثر من دولة، حيث تمّت استعادة الأموال المنهوبة، وهي تجارب يُبنى عليها إذا ما هيأنا لمنظومة قضاء مستقلّ وفاعل ونزيه وشجاع. على سبيل المثال، جمّدت سويسرا أرصدة فرديناند ماركوس وأرصدة فيكتور بانوكوفيتش، في عام 2014، وحسابات ررؤساء ليبيا وتونس ومصر.
ولعلّ مبادرة نادي القضاة في لبنان بتقديم طلب إلى جانب هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، هو إجراء يُعوّل عليه، ويجب استكماله عبر ملاحقتهم من قضاة شرفاء من زملائهم، وهم كُثر يبادرون إلى تحريك دعوى الحق العام في شأن الملفات المتداولة.
لا مندوحة من القول، إن القضاة الشرفاء موجودون ونعرفهم، ويعرفهم اللبنانيون، لا تترددوا، استفيدوا من اللحظة واعملوا بما تيّسر من النصوص النافذة، إلى حين إقرار نواقص التشريع ولا سيما إقرار قانون استقلال السلطة القضائية وقوانين أخرى متصلة، في ورشة عمل تشريعية هادئة ومستدامة تواكب ضرورات اللحظة.

*محامٍ وأستاذ جامعي