‏‏إذا كان هناك من لغز في هذه الانتفاضة الجارية في لبنان، فإنّه يكمن في غياب اسم وهدف رفيق الحريري عن الاحتجاجات، تحت عناوين فضفاضة بعض الشيء، إذ تحمل وعود الثورة الجامحة. وهذا اللغز قد يعكس بعض الدوافع والاتّجاهات، التي تسود في أوساط كثيرة بين المحتجّين والمحتجّات. لا شكّ في أن انتفاضة الاحتجاج المعيشيّة، إنّما كانت عفوية وغير مبيّتة وغير مرتبطة بمؤامرات خارجيّة. هي تندلع عفوياً بناءً على المعاناة الاقتصادية، وتراكم صلف الطبقة الحاكمة خصوصاً بعد زرع رموز الطبقة البرجوازية في صفوف وزارات الحكم. والسؤال عن الحريري يوجبه دور الرجل الهائل في بناء هذا النظام السياسي والاقتصادي الذي يشكو منه الجميع. (طبعاً، يمكن الناس أن يقتنعوا بأن جبران باسيل هو الذي بنى دعائم هذا النظام لبنةً لبنةً بعد الطائف، وأنّه كان هو الذي يأمر ويُسيِّر رفيق الحريري). والطائف كان علامة فارقة في بداية دور مهمّ لرفيق الحريري، وبإيعاز غير خفي عن النظام السعودي وبتشارك مع النظام السوري، بعدما ابتاعَ عناصرَ فيه.

وغياب الحريري عن أهداف الاحتجاجات كلّ يوم، في مقابل هذا الهوس بجبران باسيل (وبأمّه)، هو بمثابة شبه إعلان رسميّ للدور الكبير لبقايا 14 آذار في الحراك (وللمنشقّين عن 14 آذار، لأنه بنظرهم لم يكن صارماً أكثر ضدّ سلاح مقاومة إسرائيل، والمنشقّون هؤلاء يتلبّسون لباس اليساريّة الزائفة، ويلعبون دوراً هائلاً في الإعلام اللبناني أو العربي المدعوم أوروبياً). كان التركيز على باسيل ــ ولا يزال ــ الطريق الأسهل لمن يريد تبرئة الحريريّة وتبييض الصفحة مع كلّ من يريد استهداف حلفاء حزب الله بالتحديد. إنّ مشهد خروج فؤاد السنيورة من الجامعة الأميركية، كان سارّاً لكثيرين وكثيرات، إلّا إذا تذكّرتَ أنّ الرجل يتحمّل أكبر مسؤولية لرجل حيّ عن الكارثة الاقتصادية في لبنان. لو كان جبران باسيل في الحضور في الجامعة الأميركية، لكان إخراجه من القاعة سيكون أكثر فظاظةً بكثير وأقلّ تهذيباً. ومشهد احتضان المحتجّين اليساريّين في النبطية وصور للزائرَين، كريم مرّوة وأحمد قعبور، هو تبرئة مقصودة أيضاً (أو تناسٍ لا يُغتفَر لشيوعيّين) لرفيق الحريري. أي أن هؤلاء لم يمانعوا في عقد حلقات الدبكة مع اثنَين من الذين روّجوا للرأسمالية الحريرية، والعداء للمقاومة في واحدة من أحلك المراحل التي مرّت بها، عندما أصبحت الحريرية رأس حربة ضدّ المقاومة بالنيابة عن تحالف أميركي ــ سعودي ــ إسرائيلي. إن غضّ النظر عن دور رفيق الحريري كان من ضرورات الترويج لبديل رجعيّ متآمر ضدّ مقاومة إسرائيل في لبنان. الحريرية أقرب إلى هؤلاء المحتجّين اليساريين والمحتجّات (ليس كلّهم وإنما هؤلاء الذين احتضنوا زيارة قعبور ومرّوة) من مقاومي إسرائيل الذين أذلّوا العدو في حرب تموز (المهين في بروباغندا المحور السعودي أنه اختلق سردية عن أن مقاومة كريم مروة وإلياس عطالله لاحتلال إسرائيل، كانت أعظم وأبلغ أثراً من مقاومة حزب الله من التسعينيات، أو أن الحزب الشيوعي مُنع من تحرير جنوب لبنان، ما أتاح لحزب الله الفرصة لإتمام التحرير).
‏ودرجَ الحديث بعد الطائف عن إنشاء جمهورية الطائف، على أساس أن دستور الطائف ولّدَ نظاماً سياسياً جديداً يختال بحكم المؤسسات الدستورية، وأنه أنهى الحرب الأهلية بضربة واحدة. لكنّ جمهورية ما بعد الطائف، كانت في الحقيقة جمهورية رفيق الحريري، الرجل الذي تركت بصماته الشخصية والمالية الأثر الأكبر على النظام السياسي الذي تلى حقبة الحرب الأهلية. وهذا النظام لم ينتهِ برحيل رفيق الحريري في عام 2005، بل عاشَ وازدهرَ بوجود خلفاء له من مستشاريه الخلّص، مثل فؤاد السنيورة وسعد الحريري من بعده. وقد اعتمدت هذه الجمهورية نظام المحاصصة الطائفية وتغليب الحصة الطائفية الإسلامية على حساب الحصّة الطائفية المسيحيّة، والتي استأثرَ هو شخصياً بها، معتبراً نفسه ممثلاً للسنّة والمسيحيين، وذلك لترجيح كفّة وزنه السياسي إزاء القوة الشيعية الديموغرافية والسياسية. ويمكن اعتبار ما سُمّيَ بإحباط المسيحيين جزءاً لا يتجزأ من خطة رفيق الحريري، لتهميش الدور السياسي للمسيحيين في النظام الطائفي، من أجل أن يُعزّز فوزه الانتخابي مقابل نفوذ الثنائي الشيعي (وإن كان الثنائي هذا متنافساً يومها). والذي ساعدَ رفيق الحريري على الاستقواء والسطو على المحاصصة السنية ــ المسيحية، هو أن رئيس الجمهورية الأول، إلياس الهراوي‏، كان مطواعاً بيدي الحريري. وسهولة السيطرة على الهراوي بعامل المال (أي الرشوة) كانت سابقة، ومن معالم الفساد المستشري الذي وسمَ المرحلة الحريرية، التي لا نزال نعاني من ويلاتها. طبعاً، الرشوة سبقت الحريري في النظام السياسي، وفعلت فعلها في المجلس النيابي (خصوصاً في الانتخابات الرئاسية) وفي مجلس الوزراء. وكان سياسيون يُبتاعون ويُستأجرون من قِبل فرقاء محليين وأطراف خارجية، لكن لم تكن الرشوة على مستوى الإفساد الحريري: أي منح رئيس الحكومة راتباً خاصاً لرئيس الجمهورية للسيطرة عليه. الطريف أن هناك جائزة تُمنح باسم إلياس الهراوي لـ«رجال الدولة» (بحسب من يمنحها)، كأنّ الهراوي كان مثالاً محتذى في تاريخ النظم الديموقراطية.

إن ثقافة لبنان منذ التسعينيات هي ثقافة رجعية يمينية رأسمالية مُهيمِنة


‏تميّزت جمهورية رفيق الحريري، باعتماده الفساد منهجاً وأسلوباً ونمطاً في الحكم، ولا ينحصر الفساد في النظام السياسي فقط، وإنّما يمتدّ إلى كلّ جوانب الحياة في الدولة والمجتمع. أقام الحريري شبكة أخطوبية أمسكت بخناق لبنان، وأدخلت أساليب ظالمة وفاسدة في الحكم لم يكن لبنان يعرفها من قبل ــ أو لم يكن يعرفها على هذا النطاق الواسع من قبل. يتحدّث سركيس نعّوم في كتابه الجديد («من مزيارة إلى واشنطن») عن كيف أن الحريري كان يعطي راتباً يُقدّر بعشرين ألف دولار شهرياً له ولسمير فرنجية والضابط عدنان شعبان (يضيف نعّوم: «لولا هذا المال لما استطعتُ الصمود مع آل تويني» (ص. ١٦٦)، ولي عودة مفصّلة إلى كتاب سركيس نعّوم) ــ أي أن السياسي والصحافي والأمني كان مرتبطاً ماليّاً بالحريري. ووسائل الإعلام التي تدّعي مناصرة «ثورة» لا تتطرّق البتّة إلى الفساد الإعلامي المستشري. أدخل الحريري شبكة من الكتّاب والمثقفين والفنانين والشيوعيين في سجلّ دفوعاته، وضخَّ مفاهيم رأسمالية معادية لليسار والتقدمية. لم يكن للحريري أن يمرّرَ كلّ سياساته، من دون تغطية مباشرة من الثقافة والصحافة والفن ومرافق السياحة لأعماله.
إنّ الاعتراض على نظام الفساد اللبناني، بالتوازي مع تحييد رفيق الحريري، يعني أن الحراك يضمّ في ما يضمّ في صفوفه، بقايا 14 آذار وقوى طائفيّة تعتبر المسّ به من المحرّمات الدينية والمذهبية. إنّ كلّ أوجه الفساد التي يشكو منها المحتجّون والمحتجّات، من تصميم وتنفيذ وتلحين رفيق الحريري. رفيق الحريري حكمَ في جمهورية لبنان، بالنفوذ والسلطة التي حكمَ بها رؤساء جمهورية ما قبل الحرب الأهلية. صحيح أنه لم يستطِع أن يقضي على المقاومة، بالرغم من محاولات ومؤامرات عديدة ضدّها قام بها (وتجلّت في آخر أيّامه في القرار 1559 الذي لا يزال أتباعه يكذبون عن دوره فيه)، لكنّ صلاحياته كانت شاملة في الدولة. ينسى الناس، اليوم، أن حسين الحسيني (الذي يستشهد به جماعة ١٤ آذار وتوابعها)، كان يشير إلى الحريري مجازاً وتوريةً بلقب «الشخص» نظراً إلى سيطرته الكلّية في الدولة. رفيق الحريري أرادَ وأصرّ على التمتّع بصلاحيات استثنائية في الحكم، وهو طلب من حافظ الأسد ذلك أكثر من مرّة، لكن الأخير حرمه منها بالرغم من تسخير قوى المخابرات والجيش السوري في لبنان لخدمته (واللجوء إلى الخارج لطلب الدعم ولمعاقبة الخصوم، كان أيضاً من سمات الحكم الحريري).
إنّ جيلاً جديداً من اللبنانيين واللبنانيات، عانى من التعرّض لكمّ هائل من البروباغندا المدفوعة الثمن، منذ اغتيال الحريري، لخلق أسطورة عنه لا تمتّ بصلة إلى الرجل في حياته، وكان هذا الكمّ الدعائي مصنّعاً من قِبل التحالف السعودي ــ الإسرائيلي ــ الأميركي، من أجل الترويج للمشروع الذي عمل له الحريري ولتقويض دعم مقاومة إسرائيل في لبنان.
اعتراض الشعب اللبناني على النظام، ليس إلّا اعتراضاً على الحريرية، لو درُوا بذلك. هذه هي بعض عناصر الدولة الحريرية التي لا تزال سارية:
أولاً، إنشاء وزارات ظلّ في داخل الوزارات، وتجاوزاً للدستور ومؤسّساته. لم يكن الحريري يكتفي بالسيطرة على الوزارات، بل كان يعيّن موظّفين لديه في الوزارات الأساسية من أجل إكمال الخطّة الحريرية، حتى لو زالت وزارة من قبضة الحريري. واكتشف الوزراء في حكومة إميل لحود الأولى، أن الحريري بقي في الحكومة حتى عندما كان سليم الحص يتولّى رئاسة الحكومة. وعرقل مندوبو الحريري في الوزارات، مشاريع الإصلاح التي أراد جورج قرم وسليم الحص وإميل لحود تنفيذها (طبعاً، شابَ تجربة تلك الحكومة فساد آل المر الذين كانوا جزءاً من الحكم). وفي وزارة المالية، أقام الحريري بالتشارك مع مشروع الأمم المتّحدة الإنمائي، فريق عمل لم يكن يتبع لوزير المالية بل كان تابعاً للحريري ويتلقّى رواتبه (المرتفعة) من خارج نطاق السجل الرسمي. وعملُ هؤلاء لم يتأثر بتعاقب الوزراء. حكومة ظلّ الحريري أنشأت حكماً ازدواجياً شبيهاً بحكم «المكتب الثاني» في المرحلة الشهابية.
ثانياً، غيّر الحريري مفهوم الطاقة الاستخراجية للدولة اللبنانية الرأسمالية. كانت دولة ما قبل الحرب تتعامل بصراحة مع المواطن: الدولة لا تقدّم إلّا النذر اليسير من الخدمات الاجتماعية مقابل عدم تحميل المواطنين أعباء ضريبية تُذكر. كانت الضرائب على ذوي الدخل المحدود، محدودة بما أتى بعدها في المرحلة الحريرية. لكنّ ذلك كان (قبل الحرب) في زمن كانت خدمات الدولة ومرافقها أكثر إنتاجاً وفعالية مما آلت عليه في الدولة الحريرية. النقل العام قبل الحرب كان أفضل مما أصبح، وكان يمكن للمواطن في العاصمة والضواحي التنقّل من دون الحاجة إلى سيارة، وبأسعار جدّ زهيدة (وكانت هناك خيارات في النقل العام، من باصات الدولة ــ أو «جحش الدولة» ــ إلى الـ«ترامواي» إلى سكة الحديد لغايات التجارة). وكانت هناك طاقة كهربائية وموارد مائية. لكنّ دولة الحريري أرادت زيادة وارداتها من دون أن تُثقل كواهل كبار الأثرياء، من أمثال رئيس الحكومة، فطلعت بضريبة الـ«تي.في.آ»، التي لا يتحدّث أحد في طرق إلغائها. وكيف تكون الثورة من دون تغيير النظام الضرائبي الذي يحدّد ــ يضيّق أو يُوسّع ــ حدود الطبقات الاجتماعيّة. طلعت الحريرية بأكثر نظام ضريبيّ رجعيّ. حتّى الولايات المتّحدة تلتزم بنظام ضرائبي تصاعدي (وإن اختلفت نسبة التصاعدية بين إدارة وأخرى، تزيد في عهد الديموقراطيين وتقلّ في عهد الجمهوريين). وذوو الدخل المحدود ينفقون نسبة أكبر من مدخولهم على الاستهلاك من الطبقات الثرية، ما يزيد العبء الضريبيّ حسب الـ«تي.في.آ»، على الأفقر في المجتمع، فيما تقلّ النسبة الضرائبيّة مع ارتفاع نسبة الدخل. وهذه الضريبة لا تُفرض على عائدات استثمار رأس المال (وهذا العائد يحتلّ النسبة الأكبر من دخل الأثرياء). ويُقارن إجحاف هذه الضريبة بالضريبة الثابتة (وهذه الضريبة ليست مُقترحة من عتاة المرشّحين اليمينيّين في أميركا). والوعد بالتغيير والثورة لا يتحقّق من دون نسف الفلسفة الضرائبية للحريرية. ستتغيّر سياسات المحطّات الثلاث نحو الانتفاضة، لمّا أصبح الموضوع الضريبي على الحناجر هتافاً، وجريدة «نداء الوطن» برزت كصوت متحمّس لـ«الثورة» إلى أن سمعت بطرح ضرائب على الثروات، فطلعت قبل أيّام فقط بعنوان استفظاع واحتجاج. كان لسان حالها الانعزالي يقول: ما هذه الثورة التي تستهدف الثروات؟

إن العائق الأكبر أمام عمل هذه الانتفاضة نحو تغيير جذري هو في غياب اليسار والغياب الأكبر للحركة العمالية عنها


ثالثاً، تشكيل نخبة حاكمة (أو ما يُسمّى هنا بـ«حكومة المطبخ»، أي تلك الفئة من الحكم التي تتحكّم بالقرار السياسي في البلاد) عبر السيطرة المالية. كان الحريري يشتري مسؤولين كباراً في مختلف الأحزاب والنقابات والأديان ووسائل الإعلام، ما يعطيه نفوذاً وسلطة من خارج الطرق الديموقراطية. إنّ سلطة رفيق الحريري كانت أكبر من كلّ الرؤساء الذين توالوا بعده، لأنّهم حُرموا من الطرق غير الديموقراطية التي تمتّع بها. طبعاً، أضاف الحريري إليها استعانته بالمخابرات السورية ضدّ خصومه ولتمرير قراراته وسياساته. (وكان الياس الهراوي يستجير بالنظام السعودي إذا أراد تحقيق غايات ضدّ إرادة الحريري، كما فعل عندما طلب من وليّ العهد السعودي يومها، الأمير عبد الله، إقناع الحريري بالإقلاع عن رفضه إطلاق اسم كميل شمعون على المدينة الرياضية: أمره عبد الله فأطاع. وعلى طريقة عرفات في استعماله المال لاختراق قيادات التنظيمات الفلسطينية، فإنّ الحريري بات له قياديٌ في كلّ الأحزاب والتنظيمات السياسيّة ــ تلك الموالية له والمعارضة على حدّ سواء. هذا كان رجلاً لم يكن يعترف بحقّ المعارضة لأحد، فما كان منه إلّا أن ابتاع معظم فريق سليم الحص ونوّابه. وابنه من بعده اتّبع الطريق نفسه، وإن كان المال شحيحاً في مساره.
رابعاً، الحريري لم يكن يؤمن بحقّ الشعب في الخدمات العامّة. هو دمّر كلّ مؤسّسات الدولة، من التلفزيون إلى الإذاعة إلى الجامعة اللبنانية والمدارس الرسمية. وهو سمح لنفسه بالتنافس مع أجهزة إعلام وتعليم الدولة، عبر إنشاء مدرسة خاصّة وإذاعة وتلفزيون خاص به. لم يكن الحريري يريد أن يحافظ على أيّ ملكيّة للدولة. حارب مشروع إقامة مترو في بيروت، وحارب مشاريع تعزيز التعليم الرسمي، ومنح وزارة الطاقة لحليفه، مجرم الحرب، إيلي حبيقة، لا ليصلح قطاع الطاقة بل ليجعل منه منجماً لأصحاب السلطة. حتى في تعزيز قوى الجيش: لم يكن يريد المقاومة ولا الجيش اللبناني، لأنّ آماله كانت معقودة على تحقيق سلام مع إسرائيل (ينسى البعض أن أوّل إطلالة سياسية للحريري، كانت في عهد أمين الجميّل في مرحلة اتفاقيّة 17 أيّار، وفي تلك المرحلة نال الحريري وساماً على خدماته لعهد الجميّل).
خامساً، الحريري هو الذي أتى برياض سلامة (بعدما كان سلامة في «ميريل لينش» وتعرّف إليه بسبب استثماراته الهائلة في الشركة)، مهندساً للسياسات المالية وحليفاً لمصارفه، وكان من أنصار تنفيذ أوامر البنك الدولي وصندوق النقد من دون مناقشة. وبلغت علاقته الحميمة بمدير البنك الدولي (الأميركي جيمس ولفنسون)، إلى حدّ أنه سخّر منصب الأخير من أجل إصدار تحذيرات من سياسات حكومة الحص في السنتَين من عمرها (وكانت نشرة «المستقبل» تزخر بمقالات تهدّد بأخطار وكوارث اقتصادية جرّاء سياسات حكومة الحص).
سادساً، إنّ العائق الأكبر أمام عمل هذه الانتفاضة نحو تغيير جذري، هو في غياب اليسار والغياب الأكبر للحركة العمالية عنها (كما أن هناك فصلاً طبقياً بين أهل «الخندق» والمحتجّين في وسط بيروت، إلى ماذا يرمز هذا الفارق؟). هذه من ثمار عمل رفيق الحريري الذي استخدم وسائل عدة لضرب اليسار والحركة العمالية اللاطائفية. هو استخدم العصا الغليظة للمخابرات السورية، لقمع وتشتيت الحركة العمالية، وإيكال قيادتها (ووزارة العمل) لأقرب حلفاء النظام السوري (الحزب القومي وحزب «البعث» وحركة «أمل» التي باتت تقرّر أمر قيادة الحركة). أمّا اليسار، فقد نجح الحريري منذ إطلالته على الساحة اللبنانية في أوائل الثمانينيّات، في جذب قيادات يسارية (بداية في منظمة العمل الشيوعي من خلال عدنان زيباوي)، ثم تبعه صفّ عريض ليس فقط من منظمة العمل الشيوعي (التي باتت أكبر معمل لوعّاظ اليمين والرجعية في الحياة السياسية اللبنانية والعربية)، بل من الحزب الشيوعي ومن قادة الحركة الوطنية التي بات معظم قياداتها مجرّد أنفار في حاشية الحريري، أو حاشية هذا الأمير أو ذاك. ومشهد محسن إبراهيم إلى جانب بهية الحريري، أو سولانج الجميّل، لم يعد مشهداً غريباً، إذ تغيّرت نظرة الناس إلى اليسار في الزمن الحريري. الحريري لم يجذب إلى صفّه منظّرين وكتّاباً من اليسار الشيوعي، إلّا ليضخّوا تنظيرات تلائم الوحشية الرأسمالية التي فرضها على لبنان، بل هو غيّر في طبيعة الثقافة اللبنانية. هؤلاء هم الذين يقولون إن لا يسار ولا يمين في لبنان، وإن عصر الطبقات انتهى إلى غير رجعة، أو إن لا فارق بين الثريّ والفقير في هذه الثورة، كما قال أحد الناشطين في الحراك قبل أسبوع.
سابعاً، إن ثقافة لبنان منذ التسعينيات، هي ثقافة رجعية يمينية رأسمالية مُهيمِنة. ليس هناك من إجماع في ثقافة كما الحال في لبنان. هناك إجماع حديدي في أوساط المثقّفين في لبنان، ولا تجد عريضة واحدة (أغلبها لغايات ضدّ مقاومة إسرائيل)، من دون توقيع كلّ المثقّفين في لبنان. هل هناك مثقّف معروف أو فنّان معروف جاهره بدعم مقاومة إسرائيل؟ والطريف أن إجماع المثقّفين الحديديّ المتراصّ، يُعبّر عن نفسه بشعارات التعددية والتنوّع والديموقراطية. لكن هل تجنيد المثقّفين من قِبل الحريرية، واستعماله للترويج لكل المشاريع كان منفصلاً عن الفساد والإفساد الذي أدخله الحريري إلى طبيعة العلاقة بين المثقف والفكرة، حيث يصبح اعتناق الفكرة مُسعّراً، مثل الترويج المدفوع الثمن على مواقع التواصل. الحريري تجاوز الإنفاق الأميركي في الحرب الباردة (وبمشاركة من «النهار» و«الحياة» ودور نشر عربيّة) ضد الفكر اليساري. نحن نعيش في زمن يكثر فيه الكلام عن الثورة وفي غياب اليسار وفي ضوء حدوث تغيير واضح في دور الحزب الشيوعي (الذي ــ أي التغييرــ يلقى ترحيباً من قوى 14 آذار وباقي أطراف اليمين). هذه أيضاً من مخلّفات رفيق الحريري.
ثامناً، ربطت الحريرية لبنان بوصفات البنك الدولي وصندوق النقد، وروّجت لمفهوم أن لبنان إمّا أن يكون مزدهراً مُطبّعاً مع إسرائيل مُستسلماً، أو أن يكون دولة مقاومة على طراز غزة (وهذه المفاضلة التي روّج لها وليد جنبلاط مهينة للشعب الفلسطيني ومفيدة للصهيونيّة، لأنها تصوّر معاناة الشعب الفلسطيني على أنها خيار ذاتي بالنكبة لا فرضاً من الاحتلال). ومصر والأردن اختارتا التطبيع مع إسرائيل والاستسلام الكامل أمام الاحتلال مقابل وعود (لم تتحقّق) بالازدهار والرخاء. إن ازدهار فيتنام تأتّى من خيار هانوي، ولم يكن نقيضاً له.
إن طرح شعار الثورة، يجب أن يتناسق مع تحرّكات الاحتجاجات ومع الشعارات فيها ومع الاستهدافات الدائرة. إنّ تغييب دور رفيق الحريري الأكبر (واختيار جبران باسيل ــ على سوئه وانعزاليته وطائفيته ورجعيته)، كان عملاً مقصوداً من النخب البرجوازية اليمينية، التي ترى في نفسها طليعة الثورة لأنها كانت ــ في العديد من رموزها ومن شبكات علاقاتها الطبقية وخياراتها ــ نتاجاً للاقتصاد الحريري. هي لا تريد محاسبة يمكن أن تقضي على امتيازات الجامعات الخاصة، وعلى كماليات الطبقة المرهفة وعلى سياسات تفيد المحظيّين اجتماعياً. عندما تنعقد الاحتجاجات أمام ضريح الحريري، تعلم أنّ استخلاصاً لعبر العقود الماضية قد حصل، وأن قراراً قد اتُّخذ بإحداث تغيير جذري في لبنان، وإن بدا بعيد المنال.

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])