«إنّ علاقة حزب الله بإيران محكومةٌ بمعايير أيديولوجية وافتكارية تقوم على مُستوى مختلفٍ تماماً من التحليل الذي يختزل العلاقة بين مُتبرّعٍ متحكّم بموظف مذعن». هي الخلاصة الأبرز التي تضمّنتها الورقة البحثية الصادرة عن مجلّة «غلوبال ديسكورس» الأكاديمية بعنوان: «تحدّي نموذج الراعي ــ الوكيل: علاقة حزب الله ــ إيران»، والمُعدّة من قبل أمل سعد**. تهدف الأخيرة في بحثها إلى إزالة الغموض عن علاقة حزب الله بإيران، مشيرة إلى أن إسقاط نموذج «الوكالة» عليها فيه من التبسيط المُفرط لعلاقة معقّدة ومتعدّدة الأبعاد ومحكومة بعوامل افتكارية ومعيارية ومادية.

وكان صدر، الشهر الماضي، العدد الرابع من المجلّد التاسع من مجلة «غلوبال ديسكورس» الأكاديمية عن «جامعة بريستول»، المملكة المتحدة، بعنوان «الشبكات الدينية العابرة للحدود وجيوسياسة العالم الإسلامي»، ويحتوي العدد ورقة بحثية للدكتورة أمل سعد (الجامعة اللبنانية، بيروت) بعنوان: «تحدّي نموذج الراعي ــ الوكيل: علاقة حزب الله ــ إيران».
تحاول الباحثة في ورقتها إزالة الغموض عن علاقة حزب الله بإيران، وتحدي المَفْهَمة الشائعة عن هذه الشراكة على أنّها بين راعٍ ووكيل، اعتماداً على النظرية البنائية في العلاقات الدولية، واستناداً إلى مقابلات مع ستّة مسؤولين سياسيين وقياديين عسكريين في حزب الله، وتحليل لسبعة عشر خطاباً للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله. تحاجج سعد بأنّ نموذج الوكالة ليس غيرَ مسؤول سياسياً فحسب، بل فيه من التبسيط المفرط لعلاقة معقّدة متعدّدة الأبعاد محكومة بعوامل افتكارية (ideational) ومعيارية (normative)، فضلاً عن تلك المادية.

حزب الله ليس صنيع بنات أفكار إيران
تلاحظ الباحثة نزعة عامّة في الحقل الأكاديمي تُصرّ على اختزال دور الحزب وتصويره على أنه أداة جيوسياسية لإيران، في حين أنّها تُقدّم توصيفات مغايرة للفاعلين غير ــ الحكوميّين السُنة في المنطقة.
 في ذلك، بحسب سعد، إشكالان:
 أولاً، أنّ نظرية الأحلاف ونموذج الراعي ــ الوكيل المتأصّلَين في المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، يختزلان العلاقات المحكومة بشكل ساحق بعوامل افتكارية (الهوية، القواعد الاجتماعية، القيم والخطاب)، باعتبارات مادية جلفة كالعسكرة والقوّة الاقتصادية والمصالح. وتحيلُ ذلك إلى تراث دول ــ مركزي في العلاقات الدولية عمره من عمر الحرب الباردة، حيث يُتخيّل الفاعل غير ــ الحكومي، بغضّ النظر عن نفوذه الإقليمي أو عدم ــ تماثل ــ القوة الخاص به تجاه الدول الموجود فيها أو المحيطة به، على أنه تلقائياً الجهة الخاضعة في هذه العلاقة. 
وثانياً، لأنّ نموذج الوكالة لا يُستخدم كمصطلحٍ أكاديمي متجرّد، بل كهراوة مشحونة سياسياً تُستعمل لتجريم المشروعية ونزعها عن خصوم الولايات المتحدة، تماماً كتوظيف وسم الإرهاب. وفيما تشير الباحثة إلى أنّ آثار توظيف مصطلحات الوكالة ليست خفيّةً على نصر الله كـ«محاولات للشيطنة وتشويه الصورة»، ترى أنّ اصطلاحات الوكالة نفسها باتت دالّةً متعلّقةً بالإرهاب، شارحة تبادلية توظيف العبارتين الدائمة لدى خصوم الحزب.
يتركّز القسم الأول من الورقة على العلاقات التاريخية والثقافية بين شيعة لبنان وإيران. تبدأ الباحثة بتقصّي الروابط الدينية والعائلية بين شيعة جبل عامل وإيران التي تعود إلى القرن السادس عشر، حيث استورد الصفويّون علماء جبل عامل لتشييع إمبراطوريتهم. في استفاضةٍ عن التاريخ السوسيو ــ اقتصادي والسياسي الذي ربط الطرفين، تشرح سعد كيف أنّ العلاقات كانت ثنائية المجرى من الجهتين، وتخلص إلى أن من الخطأ توصيف حزب الله على أنه «صناعةٌ من بنات أفكار إيران»، بغضّ النظر عن الدور الأساسي الذي لعبته الأخيرة في بلورته. وترى الباحثة في هذا الصدد أنّ التوصيف الأكثر دقّة للدور الإيراني في تكوين الحركة المُقاومة يتمثّل في أنّ «الجمهورية الإسلامية خدمتها كمصدرٍ للإلهام الثوري الداعم لها، لا مصدراً للحياة».

سلطة الفقيه محصورة بالقضايا الاستراتيجية
يعالج القسم الثاني من الورقة الأيديولوجيا المشتركة بين حزب الله وإيران، وعلاقتها بتكوين ثقافة استراتيجية تجمعهما، وذلك باعتمادها على نظرية بيرتل ديونر في تدخّل الدولة بالوكالة في الصراعات الأهلية (١٩٨١). ترسم سعد تناظراً وظيفياً بين رفض ديونر اعتبار كوبا أداةً بيد الاتحاد السوفياتي، وتصنيف حزب الله على أنّه أداةٌ إيرانية.  فكما أنّ تدخّل كوبا في أنغولا كان بسبب «تاريخها الطويل من التقارب مع العالم الثالث» وتقاطع أهداف مع حليفتها القوّة العظمى، فإنّ «مقاومة حزب الله للاحتلال الإسرائيلي بعد غزو ١٩٨٢ وحربه الدفاعية في حرب تموز ٢٠٠٦ وتدخّله في سوريا والعراق بعد عام ٢٠١٢، هي أيضاً نتاجُ أهداف استراتيجية وأيديولوجية مع حليفه الإيراني».
وعلى الرغم من اتّهامات اللبنانيّين من طوائف أخرى بأنّ ولاء حزب الله لولاية الفقيه يجعله تابعاً لإيران وينتقص من هويته الوطنية، تلاحظ سعد أنّ الحزب لا يخجل بالدفاع عن المفهوم علناً، وتحاول تفسير ذلك.
في خطابٍ له بعد الانتخابات النيابية، عام ٢٠٠٩ مثلاً، تشير الباحثة إلى أنّ نصر الله يقبل الإساءات التي تتّهم الحزب بالعمالة لإيران، ولكنّه يرسم خطّاً عندما يصل الهجوم إلى التزام الحزب بولاية الفقيه، لأنّها «جزءٌ من معتقدنا الديني، والإساءة إليها إساءةٌ إلى معتقدنا الديني». وفق سعد، «هذا الولاء الديني لا ينتقص من وكالة حزب الله على نفسه ولا يقلّصه إلى أداة»، إذ إنّ التزام الحزب بالفقيه لا يمثّل التزاماً لرئيس دولةٍ وطنية، بل هو التزامٌ فكريٌّ لشخصية إسلامية. بعدها، تجهد الباحثة في تفكيك التزام الحزب بالفقيه مستعينة بالدستور الإيراني، نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، وكلام نصر الله نفسه.
صحيحٌ أنّ علاقة الحزب بالفقيه تعني أنّ لدى الحزب فعليّاً علاقة بمؤسّسات الدولة الإيرانية كافّة، إلا أنّ الالتزام يبقى للفقيه أولاً، فيما يُترك للحزب هامش واسع من عملية صناعة القرار المستقل. بهذا المعنى، تغدو سلطة الفقيه محصورة بالقضايا الاستراتيجية، كالجهاد وتصنيف الأعداء والأصدقاء.

يعالج القسم الثاني من الورقة الأيديولوجيا المشتركة بين حزب الله وإيران وعلاقتها بتكوين ثقافة استراتيجية تجمعهما


«لا يصدرُ الفقيه التوجيهات إلا في القضايا التي تتعلّق بالأمة، وحتى عندها، هو ببساطة يرسم الخطوط العريضة للسياسة العامّة». على ضوء هذه الهوية السياسية لحزب الله، تستنتج سعد أنّ علاقة الحزب بإيران محكومة بمعايير افتكارية وأيديولوجية، تقوم على مستوى مختلف تماماً من التحليل عن مجرّد علاقةِ متبرّعٍ متحكّم بموظّفٍ مذعن.
اللافت هو ما تُشير إليه الباحثة لجهة أن الدعم المادي «يُجرّد الإيديولوجيا من أي معنىً في نظرية الوكالة». وعليه، فإنّ تقديم الدعم المادّي على باقي الاعتبارات في نموذج الوكالة يشكّل «مفهوماً سطحياً جداً». هذا الأمر يُشير إليه نصر الله نفسه عندما يُميّز بين «من يُقاتلون كمرتزقة» وبين «الإنسانيّين الذين يُدافعون عن قضية».

مُشاركة التنظيم الافتكاري والسلوكي
إلى ذلك، تستعين الباحثة بنظرية جاك سنايدر (١٩٧٧) عن الاتحاد السوفياتي لتشرح مفهوم المصلحة الاستراتيجية. تُشير إلى أنّ الثقافة الاستراتيجية هي «مجموع الأفكار، ردود الفعل العاطفية المشروطة، وأنماط السلوك الاعتيادية التي يتشاركها أعضاء مجتمع استراتيجي»، لافتةً إلى أنّ الاعتقادات العامة والطبائع والأنماط السلوكية تصل إلى مكانةِ شبه ــ الدوامية «تضعها على مستوى الثقافة، لا مجرّد السياسات العامة».
وبالرغم من أنّ إيران قوّةٌ إقليمية، ترى سعد أنّ حزب الله يشاركها التنظيم الافتكاري والسلوكي نفسه، إضافة إلى ردود فعلٍ طبائعية مشابهة تجاه أعدائها. لا ترى سعد أنّ حزب الله يشارك إيران أعداءها فحسب، بل أكثر أهميةً من ذلك، هو «يشاركها افتراضاتها عن طبيعة الخصم والتهديد الذي يشكّله، وفعالية استخدام القوّة».
 هذه الأفكار المشتركة والمفاضلات والتفاهمات الاستراتيجية «تنبثق من أيديولوجيا مشتركة». وكما يحاجج أصحاب النظرية البنائية، تختم الباحثة بأنّ الطبائع المشتركة بين الطرفين هي التي تصقل الهويات التي بدورها تعرّف المصالح، وبالتالي الأولويات الاستراتيجية.

حزب الله كقوةٍ شبه إقليمية
القسم الثالث من الورقة يحاول تفكيك مفهوم القوّة الواقع في صلب نظرية الوكالة. الافتراض الأساس للنظرية قائمٌ على أنّ ما يجعل الوكيل تابعاً مرؤوساً لداعمه، هو فارق القوّة بين الطرفين، المدفوعُ بعدم توازن الموارد وتقييد الراعي لهذا الدعم المادّي، ما يحوّل العلاقة إلى صفقةٍ يكون فيها الدعم المالي المقابل على التدخّل بالوكالة.
 أي إنّ الوكيل مجبرٌ على التدخّل مقابل هذا الدعم، الذي بدوره يخدم كنوعٍ من القوّة الصلبة للراعي ذي القدرة على نزع الطاعة من الوكيل. تتحدّى سعد هذا المفهوم بالاعتماد على نظرية ديونر، الذي يعتبر أنّ العامل الحاسم الأساس في تحديد علاقة أيّ راعٍ بوكيل هو ممارسة القوّة: «يمكن تحديدُ إذا ما تصرّفت دولةٌ على أنّها وكيلةٌ [لراعٍ] بناءً على سؤال إذا ما قد تعرّضت لممارسةٍ للقوّة من قبل دولةٍ أخرى إذا ما تمّ الضغط عليها لتتدخّل».
 وعليه، فإنّ الفاعل السياسي الذي يحظى بدعمٍ مادي من دون الضغط عليه، لا يمكن تصنيفه على أنّه وكيل، بحسب سعد، بل كـ«شريك». هذا الأمر يميّزه نصر الله في نظرته إلى الأحلاف، إذ إنّ «التحالف لا يعني التبعية، التحالف لا يعني أنّه كلّ ما اتّخذ حليفٌ قراراً يجب أن يلحقه كلّ الحلفاء». ويُشير القيادي العسكري في الحزب خليل حرب، في مقابلةٍ مع سعد في هذا الصّدد بشأن طبيعة عمل الإيرانيين مع حلفائهم في الميدان، إلى أنّ «العلاقة ليست مبنيةً على أنّ طرفاً يعطي الأمر وعلى الآخر تنفيذه. يوجد نقاشٌ ومشاركةٌ حقيقيّان، حيث يشعر كلّ طرفٍ بأنّه مسؤولٌ عن نجاح العملية، ولا يحمّل أحدٌ الآخرَ فشلها».
تستشهد سعد بجملةٍ من الباحثين والخبراء غير المتعاطفين مع الحزب، من أمثال مسؤول الاستخبارات السابق في وزارة الدفاع الأميركية براين كاتز، الذين يُقرّون بأنّ من الأكثر نفعاً تصنيف حزب الله على أنّه فاعلٌ مستقلٌ بذاته. لشرح طبيعة استقلاليّة قرار حزب الله على مستوى أعمق، تستشهد الباحثة بكلام العميد في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل كوثري ومذكرات اللواء السابق في الحرس حسين همداني، اللذين يفصّلان كيف أقنع نصر الله خامنئي بالذهاب إلى سوريا، وكيف أنّه [نصر الله]، «مسؤولٌ عن كافّة سياسات محور المقاومة في سوريا».
علاوةً على ذلك، تستشهد الباحثة بكلامٍ آخر لمسؤولٍ عسكري في الحزب في سوريا، يشرح لها أنّ المعارك التي تُخاض هي تلك «التي يوصي بها قادة الحزب»، ما يؤكّده حرب مُشيراً إلى أنّ «أيّاً من الروس أو الإيرانيّين قدّموا معركة حلب كأولوية، بينما أصرّ حزب الله عليها».
تنتقل الباحثة لطرح جملة من آراء المنظّرين غير المتعاطفين مع حزب الله الذين باتوا يصنّفونه كقوةٍ إقليميةٍ بذاته؛ فالعمليات خارج الحدود من حجم ما قام به حزب الله، محصورةٌ تاريخياً بالقوى الكبرى، لا بالفاعلين غير الحكوميين الذين عادةً ما يكونون في الكفّة المتلقّية لدعم كهذا، بحسب تعريف قيادة العمليات الخاصة للجيش الأميركي.
 بحسب الباحثة، فإنّ قدرة حزب الله على أخذ نوعٍ كهذا من الدور العسكري التقليدي العابر للحدود، مرفقاً بتوسيع نشاطاته العسكرية الداخلية لتشمل أدواراً تقليدية كإدارة الأمن الوطني ومكافحة التمرّد، حوّلت قواته غير النظامية إلى «جيش مقاومة هجين جعلت منه حركة ما بعد مقاومة، يذهب أبعد من مهمّته الأصلية بطرد القوات المحتلّة وردع العدوان الإسرائيلي، ويسعى الآن للحفاظ على الهيكل السياسي ــ الإقليمي والبيئة الاستراتيجية اللذين يحتاج إليهما للاستقامة العملاتية المستمرّة»، وهي استراتيجية تفترض مسبقاً إمكاناتٍ يفتقر إليها معظم الفاعلين غير الحكوميين والدول الصغرى، مثل لبنان.
ترصد الباحثة كيف تطوّر تصوّر حزب الله عن نفسه كقوّة إقليمية في خطاب نصر الله عبر السنوات، من التردّد والتواضع عن استعمال المصطلح، إلى الاعتراف بـ«تأثير في الأوضاع والأحداث الإقليمية»، إلى الدعوة للذهاب «لأي مكانٍ نواجه فيه هذا التهديد [الجهادي ــ التكفيري]»، إلى المفاخرة أخيراً بأنّ «العالم بات يعترف بأنّه انتقل من قوّة محلية إلى قوّةٍ إقليمية».
ولفهم هذا التسارع، تخبرنا سعد بأنّ حزب الله يمثّل اليوم بارادَيْماً جديداً في العلاقات الدولية؛ هو «فاعلٌ غير حكومي يقوم ببعض الوظائف المركزية للدولة التي تجعل منه دولة داخل اللا ــ دولة في السياق اللبناني، ويُحقّق في الوقت نفسه بعض الحتميات الاستراتيجية لقوّةٍ إقليمية». إلا أن الباحثة لا تدّعي أنّ حزب الله قوّة إقليمية بالمعنى نفسه الذي تُصنّف فيه إيران أو أي دولة قوية على أنّها كذلك. بالنسبة إليها هو «فاعلٌ قويٌّ على المستوى المحلّي يباعدُ رجليه بين خطّ كونه فاعلاً حكومياً وغير حكومي، وكفاعل شبه دولي مؤثّر على المستوى الإقليمي». بحسب سعد، يمكن الاصطلاح بشكلٍ أدق على أنّ حزب الله «قوّة شبه إقليمية» (regional subpower).

القوة المُشرعنة للحزب
تتحدّى الباحثة تصنيفات المدرسة الواقعية عن القوّة، التي تُقدّم الإنفاق العسكري والتكنولوجيا وحجم القوّات المسلّحة على معايير مادية أخرى، كالبراعة القتالية والنتائج الاستراتيجية وفعالية قدرة الردع والحرب النفسية. لفهم التصنيف الأميركي للحزب على أنّه «أكثر الجيوش العربية فعاليةً وصقلاً بالمعارك»، تستعمل سعد مزيجاً من مفهومي «القوّة القسرية» و«القوّة الخبراتية».
الأولى، تُمثّل ترسانة الحزب الحديثة التي تفسّر جزءاً واحداً من إنجازاته العسكرية، فيما تُستخلص القيمة الاستراتيجية للحزب لدى الجمهورية الإسلامية من الثانية، أي القوّة والبراعة الخبراتية في استعمال هذه الأسلحة، وإبداعه في دمجها إلى هذا النموذج الهجين الفريد من القتال، الذي يصهر القدرات والأسلحة التقليدية واللا ــ تقليدية في مدرسة حربية جديدة.
مع هذا كلّه، فإنّ القوتَين القسرية والخبراتية تشكّلان مكوّناً واحداً فقط من موقع حزب الله الإقليمي المتكشّف حديثاً، وفق سعد. تعتمد الأخيرة على أسس النظريّة البنائية قبل أن تخلص إلى أنّ هذا الاختزال الضيّق للقوّة يشكّل «سجناً مفاهيمياً». ترى الباحثة في هذا الصدد أنّه ومن أجل تعيين موقع حزب الله في النظام الإقليمي بصورة صحيحة، من الضروري شمل مقاييس افتكارية للمعايير عن القوّة، تتجاوز المعتقد التقليدي المرتبط بالسيطرة والهيمنة وتتعدّاه إلى مَفْهَمة القوة بأنها «القدرة على الفعل». 
وتقول سعد في هذا الصدد: «بعكس استعمال مصطلح القوّة السائد على أنّها السيطرة، والتحكّم والهيمنة، القوة تعني في المقام الأوّل القدرة، الفعالية، سيطرة الفاعل على أمنه وحياته، الحكم الذاتي والاستقلالية؛ إضافةً إلى ذلك، القوّة تُبذل على النفس لا على الآخر». ماذا عن مفهوم الذات؟
تُشير الباحثة إلى أنّ مفهوم الذات لا يدخل ضمن فهم المدرسة الواقعية للقوّة، لكنّه أحد المعايير لدى المنظّرين البنائيين لقياس القوّة الإقليمية. فمثلاً، مفهوم الذات، أو الهوية المكوّنة عن الذات، عاملٌ محدّدٌ عن موقع القوّة الإقليمية أهم بكثير من معايير القوة الصلبة كالناتج المحلّي الإجمالي أو القوّة العسكرية. لكنّ هذا «لا يعني أنّ البنائيين ينسفون الموارد والقدرات المادية من تصنيفهم، لكنّهم لا يرونها سوى منطلقٍ ضروري ينبثق منه فهمٌ مشتركٌ عن أدوارهم [أي الفاعلين السياسيين] كقادةٍ مسؤولين عن الأمن الإقليمي». بالتالي، يظهر للباحثة أنّ «القوّة الإقليمية مكانةٌ مبنيةٌ ــ اجتماعياً يشارك في تشكيلها الإدراك الذاتي عن النفس لذلك، والاعتراف من الجيران الإقليميين بذلك، بالإضافة إلى من هم خارج الإقليم». 
تفصّل سعد كيف أنّ مفهوم القيادة هو واحدٌ من الأدوار الثلاثة التي تمارسها القوى الإقليمية. بحسب النظرية، القيادة تستتبعُ «السعي بنشاطٍ لتحريك أعضاء آخرين في الإقليم نحو اتجاهات أمنية محدّدة، عبر أمْنَنَةِ مشكلةٍ أو فاعلٍ كتهديدٍ أمني». لذلك، القوّة الإقليمية تفترض مسبقاً شرعيةً للسلطة، كما تُعرف اصطلاحاً بـ«القوّة المشرعِنة [...] التي تعطي الفاعل الحق في تشخيص سلوك الآخرين».
تستنتج الباحثة أنّ حزب الله يستكمل شروط القيادة الإقليمية عبر ثلاث طرق: «النجاح في أمْنَنَة الجهاديين ــ التكفيريين في سوريا كتهديدٍ وجودي، وإقناع إيران بالتدخّل، وتعبئة وتدريب قوًى أخرى كوحدات الحشد الشعبي لنفس الغاية». هذا الأمر يتجلّى في خطابٍ كاشفٍ جداً لنصر الله ينطق فيه باسم محور المقاومة: «أريد أن أتكلّم اليوم ليس فقط باسم حزب الله بل باسم كلّ محور المقاومة».
خطاب نصر الله يذهب أبعد من ذلك، داعياً حلفاء الحزب، بمن فيهم حماس، إلى لملمة الصفوف. هذه القدرة على رسم السلوك لحلفائه تكشف قوّة حزب الله المشرعِنة، وتلقي الضوء على الثقة العمياء لدى حلفائه به، كما يشرح حرب: «لدينا سلطة، أو تأثير. استعمال القوّة [القسرية] يلغي التأثير، لا يمكن أن تكون مؤثّراً إذا استعملت القوّة». كما أنّ قدرة الحزب على «التنشئة الاجتماعية»، أي قوّة تشكيل العادات والسلوكيات، توازي مفهوم «القوّة المرجعية»، التي تعني أنها تمثل فاعلاً سياسياً بمجموعةٍ جذّابة والرغبة في محاكاتها. بالنسبة إلى سعد، لفظة «الحزبلة» المُستعملة للإشارة إلى وحدات الحشد الشعبي أو الحوثيين في اليمن، تلتقط جوهر القوة المرجعية للحزب كنموذجٍ يتمّ استنساخه في المنطقة.
تختم الباحثة ورقتها بطرح أنّ المنظّرين الإيكولوجيين أكثر كفاءةً لتقديم مدارك ذات معنى عن العلاقات العابرة للحدود من النظريات السائدة في العلاقات الدولية. مفهوم التكافل في علم الأحياء، مثلاً، يفسّر علاقة حزب الله بإيران أفضل بكثير من نموذج الراعي ــ الوكيل أو نموذج التنازل عن الاستقلالية مقابل الأمن.

* باحث ــ مساعد لبناني
** للباحثة أمل سعد كتاب بعنوان «حزب الله: الدين والسياسة» (بلوتو برس، ٢٠٠٢)، ويصدر لها كتابٌ مقبل بعنوان «ما بعد مقاومة حزب الله: من مقاومةٍ وطنيةٍ إلى قوّة إقليمية» (بالغريف ــ ماكميلان، ٢٠٢١).