ما أن انتهت الحرب الأهلية في لبنان، حتى جاءنا من كندا فريق من متعاطي علم النفس معنيّ بظاهرة «إيذاء الذات»، إذ توقع أن لا بدّ من أن تفرز معاناة الحرب أعداداً من هؤلاء. وبعد بحث وتمحيص، خاب أملهم وكذبت توقعاتهم إذ أنهم لم يجدوا لهذه الظاهرة وجوداً عندنا. وقد عزوا هذا الغياب إلى ارتفاع نسب النرجسية الحامية للذات بين مواطني بلدنا الصغير.

وإن كانت النرجسية تلعب دوراً إيجابياً في هذا الصدد، فلها دور في منتهى السلبية في إنتاج مواطنين ملتزمين بتطبيق القوانين. فالدور الأساس المطلوب من التنشئة الاجتماعية، هو قمع نرجسية الطفولة التي تعتبر نفسها حاكمة منفردة ليحلّ محلّها تقبّل الفرد لكونه أحد أفراد المجتمع، وقوننة ما يحقّ وما لا يحقّ له. فمن المسلّمات في علم النفس، أنه على مرحلة «عقدة أوديب» (من سن الثالثة والنصف حتى الخامسة) أن «تخصي» الفرد لتعدّه لتقبّل قوانين المجتمع، وأنسقته وتصنيفه له (مثلاً ذكراً أو أنثى). فهل يا ترى يمرّ الفرد اللبناني في مرحلة الإخصاء هذه ليغدو كائناً اجتماعياً مقبولاً؟
ما نراه من كثير من المواطنين اللبنانيين أنهم يربّون في أولادهم الاعتقاد بالتميّز، وبأن لهم على الدنيا حقوقاً تفوق ما لغيرهم. وقد شهدتُ أثناء قضاء فصل الصيف في أحد الفنادق حيث كانت تقيم عائلات كثيرة، أن الأهالي اتفقوا على أن المراقبة في امتحانات البكالوريا التي لم تسمح للطلاب بالغش كانت «معقّدة وحقودة وتسلك سلوك من ستعطي الشهادة من مالها وممتلكاتها الخاصّين».
وهذا المنحى في التكوين غير الاجتماعي عند كثير من اللبنانيين، يظهر في قيادتهم السيارات في الوجهة المعاكسة للقانون، وفي محاولة الكثيرين منهم التشاطر بالالتفاف على القوانين، وفي اعتبار أنّ لهم الأفضلية في شراء تذكرة أو الوصول إلى خدمةٍ، قبل من وصلوا قبلهم. إنه منحى يظهر بشكل صارخ عند الزعماء والسياسيين الذين يسرقون المال العام أو شواطئ البلد والأراضي في قلب مدنه.
ومن علائم أن هذه التجاوزات هي من صميم تكوين شخصية هؤلاء، كونهم لا يخجلون بهذه الأفعال، حتى حين تصبح معروفة من الجميع، وكثيرون يتباهون بها، حتى عندما يقرّون بسرقاتهم وتجاوزاتهم من على شاشات التلفزة. والأنكى من ذلك، والأكثر دلالة على كون كسر القوانين غدا ثقافة شبه سائدة، أنه حتى الناس العاديين، من لم يربحوا شيئاً من التجاوز بل خسروا جرّاءه مال البلد والسمعة الوطنية الحسنة وراحة البال التي يتمتّع بها من يعيشون في مجتمعات سوية، يبقون على ولائهم واحترامهم وتبجيلهم لمن سرق وقتل ونكّل. فكأنهم بذلك يعبّرون عن التمني في أن يصبحوا مثلهم وأن يتاح لهم ارتكاب ما ارتكبه هؤلاء! وكأن كثيراً من اللبنانيين غدوا على قناعة بأن القوانين، بما فيها تلك التي تحدّد الملكية العامة والخاصة، هي بدعة لا تستحق عناية الشطّار من أمثالهم. ألم يقل من هو في أعلى مرتبة تشريعية عندنا: «الضعفاء فقط يلتجئون للقانون»؟ وألم يصادر بعض رؤساء الطوائف الدينيّة الأوقاف وأملاك الآخرين؟
يبقى أن نتساءل إن كان تفشي ظاهرة «الاضطراب النرجسي للشخصية» عندنا، سببه التنشئة الخاطئة أم أنه مرض نتوارثه مع الجينات. وما يعزّز الفرضية الأولى كون النماذج الأكثر ظهوراً و«نجاحاً» وشعبية في مجتمعنا، المرشحة لأن تغدو محتذاة من قبل الأجيال، هي في معظمها من المارقين.
عندما كنت معلّمة ومسؤولة عن مادة «التفكير الأخلاقي» في الجامعة اللبنانية الأميركية، كان كثير من الطلاب يقولون لي إنني أروّج لنمط يؤدي إلى الفشل في الحياة، ويضربون لي أمثلة عن أن الناجحين في مجتمعنا يجسّدون في سلوكهم عكس ما يمليه ويروّج له هذا النوع من التفكير. فأسلوب ضرب عرض الحائط بالقوانين والأنظمة التي تقوم عليها المجتمعات عادة، شاع عندنا بسبب النماذج الناجحة التي لم يطلها أي عقاب أو «إخصاء»، إن في طفولتهم وإن في زمن نضجهم، وهي نماذج أدّت إلى قناعة عند كثير من الأهل أنهم إن أرادوا النجاح لأولادهم فعليهم تربيتهم على أن يكونوا نرجسيّين يؤمنون بأنه يحق لهم كلّما يبتغون، من دون رادع ولا وازع. وقد لعب القضاء القاصر عن الحكم على المرتكبين، دوراً أساسياً في تعزيز هذا النوع من «التربية على النرجسية»، ففي غياب قمع القانون للرغبات المتمادية للذات، لا داعي لأيّ إخصاء تربوي ولا لأيّ تربية على التعاطي الاجتماعي السائد عادة في المجتمعات السويّة.
أما ما نشهده في ساحات التظاهر حالياً من انقلاب على هذا الأسلوب من التربية، ومن «تسيير» الأمور، قد يرجع إلى اختلاف حاصل في أنماط تنشئة الأجيال الشابة، أو إلى الرغبة في محاكاة ما خبره بعضهم في مجتمعات منتظمة، أو إلى القصاص الجماعي الذي نشعر به حالياً جرّاء تردي الأوضاع الاقتصادية والبيئية والحياتية التي طالت الجميع بسبب هذا الأسلوب النرجسي السائد. فالقرآن الكريم نصّ على فائدة القصاص في قوله: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتّقون» (سورة البقرة 179). لعلّ قصاصنا الجماعي سدّ ثغرة نفود سارقينا ومجرمينا من معاقبة القضاء لهم. وهذه احتمالات تبشّر بتخطّي عصاب أو جنون المراوحة في النرجسية المرضية، إما في تكوين الشخصية وإما في القناعات الواعية التي تمليها الخبرة والعقلانية المنسجمة مع ما كنّا ندرّسه في «التفكير الأخلاقي».
أما الاحتمال في أن يكون ما نراه طريقة ذكية لإزاحة المستفيدين من فوضى الحقوق والمقامات من أجل الحلول محلهم، فيعني أننا لا نزال مراوحين في ما اعتدنا تسميته بفخر أو خجل «الشطارة اللبنانية»، وهذه فرضية تشاؤمية لا يعززها إلا كون بعض «الأساتذة» والمتعلمين الواعين سبق أن سلكوا عند تبوئهم سلطة أو وزارة ما السلوك غير السوي عينه الذي سلكه غيرهم. إنها فرضية نميل إلى رفضها، ليس فقط لأننا نأمل ألّا تكون صحيحة، بل بسبب ما نشهده عند كثير من الشباب من انكباب على تمحيص الأوضاع ودراسة الاحتمالات ومحاولة ردّ الأمور إلى سياق قانوني أو عقلاني، من غير تسابق على حب الظهور أو الاستفادة الشخصية.
لقد تعبنا، شيباً وشباباً، من الاقتصاد الغبي المشابه «للحس المبرد»، حتى عندما نكون ممن استفاد من الفوائد العالية المجنية من غير عناء بسبب ما علمناه من أنها طريقة لزيادة الفقر والبطالة بين الأكثرية التي نعيش معها. ولم نعد نفخر بتشاطر على بعضنا يؤدي إلى قوقعة في بؤرة سيئة السمعة لا عدالة فيها ولا راحة بال أو ضمير. فهل علّمتنا الأيام أننا قد نغرق معاً، وأن التآزر والشعور والتفكير الاجتماعي هي أفضل السبل التي اكتشفها قبلنا كثير من الأمم الأرقى والأوعى منّا، من لا بدّ أن نعترف بأنها «أشطر» منّا، مهما كانت درجة «شطارتنا» وتميّزنا الفرديين؟

*أستاذة جامعية متقاعدة