نوعية موجات العنف التي اخترقت التظاهرات السلمية المطلبية، ونوعية التحريض السياسي والإعلامي من الحكومات الأميركية والسعودية والإسرائيلية، ووسائل إعلامها وتواصلها الاجتماعي، وكذلك البعثية والطائفية العراقية والعربية، ونوعية الخطاب الانقلابي القتالي الذي ظلّ يركّز عليه إعلاميون وناشطون عراقيون مقيمون في الخارج، والعمليات العسكرية لقوّات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في العراق، وأهمّها قصف مواقع القوّات المسلّحة العراقية الرسمية («الحشد الشعبي»)، واغتيال قادتها ومنتسبيها وضيوفها، وأبرزهم القائدان العسكريان أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني؛ تؤكّد جميعها أن ما يجري في العراق أكبر بكثير من موضوعات مدخلية جانبية، كإسقاط الحكومة والانتخابات المُبكرة وتشكيل حكومة جديدة، وإصلاح قوانين الانتخابات والمفوضية والأحزاب وغيرها، وأكبر من التظاهرات السلمية المطلبية وملفات الفساد والفشل، بل هي كما قال المرجعية النجفية في خطبة الجمعة 29/11/2019: «إنّ الأعداء وأدواتهم يخططون لتحقيق أهدافهم الخبيثة من نشر الفوضى والخراب والانجرار إلى الاقتتال الداخلي، ومن ثمّ إعادة البلد إلى عصر الدكتاتورية المقيتة».

الهدف، إذاً، هو إعادة العراق إلى عصر الدكتاتورية الطائفية والمشروع الأصلي للاحتلال الأميركي.

ما يجري منذ أكثر من عام هو مخطّط انقلابي عميق وشامل تقوده حكومة دونالد ترامب، وتنفّذه بمساعدة الحكومات السعودية والإسرائيلية والإماراتية والأردنية


وعليه، فإنّ الأهداف الحقيقية للقوى المحلية والإقليمية والدولية، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وحزب «البعث»، من وراء الدفع باتّجاه الفوضى والاقتتال الداخلي، وإحباط الاحتجاجات السلمية، تتمثّل في أربعة أساسية تكمّل بعضها:
الهدف الأول: إقصاء القوى المحلية والإقليمية الشيعية النافذة في الواقع العراقي
وتتمثّل هذه القوى في المحاور الثلاثة التالية:
1- القوى والشخصيات الشيعية، وتحديداً «الحشد الشعبي» وفصائله، «حزب الدعوة الإسلامية» ونوري المالكي، المجلس الأعلى الإسلامي، «منظمة بدر» وهادي العامري، «كتائب حزب الله»، السيد عمار الحكيم، «عصائب أهل الحق» والشيخ قيس الخزعلي. أما السيد مقتدى الصدر، فمطلوب إقصاؤه أيضاً، ولكن بعد الاستفراد به في مرحلة لاحقة بالتزامن مع تنفيذ الهدف الثالث من المخطّط، لأسباب كثيرة.
2- القوى الإقليمية الشيعية النافذة في الواقع العراقي، وتحديداً إيران وحزب الله اللبناني.
3- مرجعية الإمام السيستاني ومحور الوعي في النجف. هذا المحور يتم التخطيط للاستفراد به، ثم إقصائه في مرحلة لاحقة بعد إقصاء المحورين الأول والثاني.
وعبر هذا الهدف، يتم سحق جميع عناصر القوة القائمة أو المحتملة في الواقع السياسي الشيعي، وإعادته إلى عشرينات القرن الماضي.
الهدف الثاني: صناعة رمزيات وأحزاب دينية وسياسية جديدة في الواقع الشيعي
يتحقّق هذا الهدف عبر النفخ الإعلامي والمالي في شخصيات شيعية هامشية، من طبقة رجال الدين والأكاديميين والإعلاميين والسياسيين العلمانيين، وصولاً إلى تأسيس أحزاب وكتل جديدة من خلالهم، أو دعم الضعيفة الموجودة؛ لتكون رمزيات دينية وسياسية وقوى مصطنعة جديدة، بديلة للرمزيات والشخصيات الشيعية الدينية والسياسية التي يراد إقصاؤها. ويمكن بسهولة ملاحظة الأسماء التي ظلّ الإعلام الطائفي العراقي والعربي، يركّز عليها منذ بدء الاحتجاجات، وسرعة استبدالها بأسماء أخرى بعد فشلها.
الهدف الثالث: المحافظة على نفوذ القوى المحلية والإقليمية والدولية في الواقع العراقي
وتتمثل هذه القوى في المحاور الثلاثة التالية:
1- القوى العراقية المشاركة في الحكم، منذ عام 2003، وتحديداً «الحزب الديموقراطي الكردستاني» والأسرة البرزانية، «الاتحاد الوطني الكردستاني»، «حركة التغيير»، «الحزب الإسلامي»، كتلة محمد الحلبوسي، كتلة أسامة النجيفي، كتلة الكربولي وكتلة إياد علاوي.
2- القوى الإقليمية والدولية المتمثلة في السعودية، تركيا، قطر، الأردن، الإمارات، بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.
3- القوى العراقية المعارضة للحكم منذ عام ٢٠٠٣، وهي حزب «البعث»، الجماعات المسلّحة السنية، ورجال الدين الشيعة المناوئين لمرجعيتي النجف وإيران.
الهدف الرابع: العودة إلى المشروع الأميركي الأصلي في العراق
وهو الهدف النهائي، ويتمثّل في تنفيذ المشروع الذي جاء به الاحتلال الأميركي، في عام ٢٠٠٣، والمتمثّل في تأسيس دولة عراقية، تستند إلى خمس قواعد:
1- دولة عراقية كونفدرالية، تتكوّن من مجموعة أقاليم قومية وطائفية ومناطقية شبه مستقلة متناحرة متنافسة، من أجل سهولة السيطرة عليها.
2- دستور عراقي علماني، ونظام سياسي برلماني توافقي مفكك.
3- حكومة علمانية محاصصاتية ضعيفة، تتألّف من الأحزاب الكردية والسنية الحالية، وأحزاب شيعية علمانية جديدة مرتبطة بواشنطن. مع إضافة حزب «البعث» والجماعات الطائفية التكفيرية إليها.
4- دولة عراقية مرتهنة للقرار الأميركي، وتكون الضلع الثالث للمثلث العراقي ــ السعودي ــ الإسرائيلي المأمول.
5- دولة عراقية تكون إحدى ركائز المشروع الأميركي الشرق أوسطي، وتناط بها الأدوار التنفيذية الخمسة التالية:
أ- تكون أداةً لخلق اجتماع سياسي وثقافي متحلّل استهلاكي معادٍ للدين، يكون المنبع الذي تمتد مظاهره إلى بلدان المنطقة الأخرى.
ب- أداةً لتنفيذ استراتيجية الحيلولة دون عودة الروح والقوة إلى الحاضنة الاجتماعية الإسلامية الشيعية في العراق.
ت- منطلقاً للغزو الأميركي لإيران، إعلامياً وعسكرياً، وخنقها اقتصادياً وثقافياً.
ث- منطلقاً لنشر المزيد من الفوضى في غرب آسيا، ولا سيما في تركيا وسوريا، والاستمرار في تهديد أنظمتها.
ج- تنفيذ صفقة القرن الأميركية ــ الإسرائيلية ــ السعودية ــ الأردنية، والقاضية بإنهاء القضية الفلسطينية بالكامل، وإسكان جزء مهم من الفلسطينيين في العراق، وتحديداً في المحافظات الغربية.
بالتالي؛ فإنّ ما يجري منذ أكثر من عام هو مخطّط انقلابي عميق وشامل تقوده حكومة دونالد ترامب، وتنفّذه بمساعدة الحكومات السعودية والإسرائيلية والإماراتية والأردنية. أما كيف سيكون ردّ الفعل العراقي، فهو سؤال نترك الإجابة عنه للدولة العراقية وحكومتها والقوى الفاعلة فيها.

* كاتب عراقي