أطلق رئيس مجلس النواب، كالمعتاد، جملة من الآراء الدستورية حول حكومة تصريف الأعمال وإقرار الموازنة، قبل نيل الحكومة الجديدة الثقة. ومن بين المواضيع الإشكالية التي طرحها، مسألة استرداد الموازنة التي أرسلتها الحكومة السابقة إلى مجلس النواب، معتبراً أنّ مشروع موازنة 2020 «مذ أحيل إلى المجلس، أضحى تحت ولايته، بدءاً من اللجان، وصولاً إلى الهيئة العامّة». بغض النظر عن مسألة جواز التشريع في ظل حكومة مستقيلة، لا بدّ لنا من معالجة مسألة جواز استرداد الموازنة بالمطلق، ومقارنة موقف رئيس مجلس النواب الحالي مع مواقفه السابقة، من أجل تحديد مدى تماسك الممارسة الدستورية وانتظامها، وفقاً لقواعد مستقرّة وشفافة بعد عام 1992.

تصدر الموازنة بقانون، لكنها تختلف عن سائر القوانين العادية كون إقرارها يخضع لشروط محدّدة هي أكثر دقة وصرامة من القوانين العادية. ولعل أهم اختلاف بين الموازنة والقوانين العادية، يكمن في كون الموازنة لا تدخل ضمن أحكام المادة 18 من الدستور التي تنصّ على الآتي: «لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين». فللنائب الحرية المطلقة بتقديم اقتراحات قوانين، وله أيضاً في حال قرّرت الحكومة استرداد مشروع قانون كانت قد تقدّمت به أمام مجلس النواب أن يبادر شخصياً ويتقدم باقتراح قانون مشابه بكل الوجوه لمشروع الحكومة التي استردّته.
لا تسري هذه القاعدة على الموازنة، كون المادة 83 من الدستور تستثني مشروع الموازنة وتخرجه من الطبيعة المطلقة للمادة 18، إذ تنص صراحة على الآتي: «كل سنة في بدء عقد تشرين الأول، تقدّم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، ويقترع على الموازنة بنداً بنداً»· أي أنّ مشروع الموازنة لناحية الإعداد، هو صلاحية حصرية للسلطة التنفيذية التي يحقّ لها وحدها فقط إرسال هذا المشروع إلى مجلس النواب، بغية مناقشته وإقراره. وهذا أمر منطقي، كون الحكومة هي التي تتولّى تقدير النفقات وإيرادات الدولة، وهي التي تقوم بتنفيذ المشاريع المختلقة، وفقاً لاعتمادات تطالب بفتحها في الموازنة السنوية. لذلك، يحصر الدستور صلاحية اقتراح مشروع الموازنة بمجلس الوزراء، لا بل إن المادة 84 من الدستور تحدّ من صلاحيات مجلس النواب الذي يفقد قدرته على تعديل مشروع الموازنة، إذ لا يجوز له «خلال المناقشة بالميزانية وبمشاريع الاعتمادات الإضافية أو الاستثنائية، أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة أو في بقية المشاريع المذكورة، سواء كان ذلك بصورة تعديل يدخله عليها أو بطريقة الاقتراح». فصلاحيات مجلس النواب بتعديل مشاريع القوانين العادية التي ترسلها الحكومة، لا تنسحب على الموازنة.
أكثر من ذلك، تعتبر المادة 65 من الدستور أن رد البرلمان للموازنة برمتها بقصد شلّ يد الحكومة عن العمل، هو سبب يجيز لرئيس الجمهورية الطلب من مجلس الوزراء حلّ مجلس النواب. وبالتالي، يصبح جلياً أنّ قانون الموازنة الذي يحتوي على أهم السياسات العامة للدولة، لا يمكن إلا أن تتقدم به الحكومة كي يعكس توجهاتها الاقتصادية والمالية، وبالتالي يصبح استرداد مشروع الموازنة مسألة مشروعة، ولا سيما إذ كانت الحكومة التي أرسلته قد استقالت، وحلّت محلها حكومة جديدة.
وبالفعل، طُرح هذا الموضوع من قبل في لبنان بعد الانتخابات النيابية التي أسفرت عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة رفيق الحريري، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2000، خلفاً لحكومة الرئيس سليم الحص المستقيلة. لكن وزارة المال في حكومة الرئيس الحص، كانت قد أعدّت مشروع موازنة سنة 2001، فوافق عليها مجلس الوزراء وأحالها على مجلس النواب في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 2000. وقد أثار هذا التصرّف انتقادات وُجّهت لحكومة الرئيس الحص، باعتبار أن حكومته ستصبح مستقيلة قريباً، مع بدء ولاية مجلس النواب، وبالتالي سيتم تشكيل حكومة جديدة ولا يمكن للحكومة السابقة أن تلزم الحكومة المزمع تشكيلها بموازنة لم توافق عليها. وقد ردّت، حينها، رئاسة مجلس الوزراء على هذه الانتقادات في بيان أعلنت فيه، أنّ المادة 83 من الدستور توجب على الحكومة صراحة أن تقدّم لمجلس النواب مشروع الموازنة، في بدء عقد تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام، ما يعني أن إرسال مشروع الموازنة هو مجرد تطبيق للنص الدستوري. ومن ثمّ أضاف البيان إن التذرّع بكون الحكومة المقبلة قد يكون لها رأي مغاير لما يتضمنه مشروع الموازنة هو في غير محله، إذ إن الحكومة الجديدة تستطيع أن تجري التعديلات التي تشاؤها على مشروع الموازنة خلال «مناقشته في لجنة المال النيابية، وتستطيع إذا اقتضى الأمر استرداد المشروع لإعادة النظر فيه، ولكن هذا يجب أن لا يحول دون قيام الحكومة الحالية بواجبها الدستوري».
وبالفعل، عند تشكيل الحكومة الجديدة، أعلن الرئيس رفيق الحريري في جلسة 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000 المخصّصة لمناقشة البيان الوزاري الآتي، أنّ «المطلوب، وبشكل عاجل، تغيير مناخ الركود والتشاؤم، وليس بالوسع الوصول لذلك إلا بإطلاق كل قنوات ومسارب العمل المالي والإعماري والاقتصادي، وإطلاق عمليات التطوير والتحديث. وستقوم الحكومة بطلب استرداد الموازنة العامة لتتقدم من المجلس الكريم بموازنة تعكس هذا التوجه».
وفي جلسة تشريعية بتاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2000، مخصّصة للتصويت على قانون معجّل يجيز للحكومة الإنفاق على القاعدة الاثني عشرية لغاية صدور موازنة 2001، أُثيرت مسألة مدى الاستعجال، وهل هي ضرورية، فما كان من رئيس مجلس النواب نبيه بري إلّا أن أعلن صراحة الآتي: «أعتقد أنّ صفة الاستعجال متوفرة، لأنّ هناك استرجاعاً للموازنة». أي أنّ رئيس المجلس اعتبر أنّ استرداد الموازنة وإخراجها من «ولاية» مجلس النواب أمرٌ جائز، لا بل إن الرئيس الحريري عندما أعلن رغبة الحكومة في استرداد الموازنة، التي أعدّتها حكومة الرئيس الحص، لم يكن قد حاز بعد ثقة المجلس، أي أنّ لا شيء يمنع انطلاقاً من هذه السابقة التي لم يعترض عليها رئيس المجلس حينها، إعلان حكومة الرئيس حسان دياب رغبتها في البيان الوزاري من استرداد موازنة عام 2020، التي أرسلتها حكومة الرئيس سعد الدين الحريري.
وبالفعل، تمّ استرداد الموازنة التي أرسلتها حكومة الرئيس الحص، والتصويت على موازنة مختلفة، وفقاً لما أعلنه النائب مخايل الضاهر في جلسة 29 أيار/ مايو 2001: «لقد استردّت الحكومة الموازنة، وأمعنت فيها درساً وتدقيقاً وانتظرنا فعلاً أن تتغيّر بواسطتها كلّ قنوات ومسارات العمل المالي والإعماري والاقتصادي، فإذا بنا أمام موازنة لا تختلف بشيء عن تلك التي أعدّتها الحكومة السابقة للعام 2001»، إلا في بعض البنود.
في النهاية، لا بدّ من الإشارة إلى أن استرداد الموازنة يمنع الحكومة من ممارسة صلاحياتها المحفوظة لها في المادة 86 من الدستور، والتي تجيز إصدار الموازنة بمرسوم في حال لم يقر مجلس النواب مشروع الموازنة، قبل نهاية شهر كانون الثاني/ يناير، على أن يكون مشروع الموازنة قد طرح على المجلس قبل بداية عقده بخمسة عشر يوماً على الأقل، علماً بأن هذا الأمر غير مطروح اليوم، كون مشروع موازنة 2020 أحيل في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أي خارج المهلة التي تجيز إصدار الموازنة بمرسوم، خلافاً لما أعلنه أيضاً رئيس مجلس النواب، باعتبار عدم إقرار الموازنة قبل نهاية شهر كانون الثاني/ يناير، «يضع هذه مجدداً بين يدي مجلس الوزراء، ومن ثم إصدار رئيس الجمهورية مرسوماً يجعل الموازنة نافذة وفق الصيغة التي أحيلت بها إلى مجلس النواب في المرة الأولى. وهو أمر يسيء إلى المجلس ويظهر كأنه تلكّأ في واجبه الدستوري».
إنّ مواقف رئيس مجلس النواب المتضاربة، واجتهاداته الدستورية التي تتكيّف مع التوازنات السلطوية، يجب أن تذكّرنا دائماً بأنّ المبادئ الدستورية موجودة لتأمين العمل المنتظم والشفاف لمؤسسات الدولة، وليست مجرّد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وتحويل مجلس النواب إلى أداة سلطوية للتفاوض ضمن المنظومة التوافقية المسيطرة على مختلف أجهزة الدولة.

* أستاذ جامعي