يحضر في أوكرانيا اليوم نموذج جورجيا الذي لا يزال ماثلاً حيث لم يتمكن الغرب بقيادة الولايات المتحدة من نجدة حليفها الجورجي، عندما اجتاحت القوات الروسية إقليمي أوسيتيا وأبخازيا اللذين تقطنهما غالبية من المواطنين الروس، إثر محاولات الغرب لتشجيع الحكومة الجورجية على الانضمام إلى حلف شماليّ الأطلسي لمحاصرة روسيا من خاصرتها الجنوبية القوقازية.


فأوكرانيا بالنسبة إلى روسيا لا تقلّ أهمية عن جورجيا، بل يمكن القول إنها تفوقها أهمية من حيث موقعها الاستراتيجي الجيوسياسي بالنسبة إلى موسكو. فهي تشترك معها بحدود طويلة، وموسكو لا تبعد عن كييف أكثر من ساعة ونصف ساعة بالطائرة، والمناطق الشرقية والجنوبية المحاذية لروسيا يقطنها روس وغالبية أرثوذكسية من العرق السلافي، ومصانعها المتطورة التي بنيت في الحقبة السوفياتية تصدر مجمل إنتاجها إلى روسيا، وهناك نحو أكثر من مليونين أوكراني يعملون في روسيا، فيما الأسطول الروسي موجود بنحو شرعي في موانئ أوكرانية على البحر الأسود، وفي جزيرة القرم التي تتمتع بالحكم الذاتي، والتي يشكل المواطنون الروس فيها نحو 60% من مجموع سكانها.
يقول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق بريجنسكي إن روسيا إذا فقدت أوراسيا، فعليها أن تنسى أنها ستصبح قوة عظمى في العالم.
وأوكرانيا في قلب أوراسيا، ومن يسيطر على هذا القلب يتمكن من السيطرة على العالم، حيث مركز الطاقة والمواصلات البرية والبحرية بين آسيا وأوروبا، ولهذا من الصعب، إذا لم نقل من المستحيل على روسيا ترك أوكرانيا، أو التخلي عنها للغرب.
ورغم أن الصراع في أوكرانيا بين الغرب وروسيا يزداد سخونة، إلا أنّ من الواضح أن الغرب لا يملك الكثير من الأوراق الرابحة في مواجهة روسيا التي تملك فائضاً من أوراق القوة، ولديها العديد من السيناريوات التي تمكنها من حسم الصراع بسهولة.
فالغرب الذي يطلق التصريحات التصعيدية المحذرة لروسيا من التدخل عسكرياً في أوكرانيا، ويهدد بعزل روسيا إذا ما أقدمت على ذلك، يجد نفسه عاجزاً عن ترجمة هذه التهديدات إلى أفعال لأسباب عدة:
السبب الأول، اقتصادي: أوكرانيا تعاني من أزمة اقتصادية متفاقمة، وهي بحاجة إلى دعم اقتصادي ومالي عاجل جداً، وإلا واجهت الإفلاس، وهذا يتطلب عشرات المليارات من الدولارات، وهو ما طالب به الرئيس الجديد المؤقت لأوكرانيا الغرب.
والدول الغربية غير قادرة على توفير مثل هذا الدعم، فهي تعاني من العجز المالي والعديد منها غارق في الديون، منها ما هو أفلس (اليونان)، ومنها ما هو يواجه خطر الإفلاس (اسبانيا وايرلندا وإيطاليا)، وبالتالي إذا ما كانت هناك أموال لدى الدول المقتدرة مالياً مثل ألمانيا، فستكون لدعم هذه الدول، وليس لأوكرانيا.
بالمقابل، فإن روسيا تملك الإمكانات المالية الكبيرة، وصندوقها الاحتياطي يحتوي على أكثر من600 مليار دولار، ووضعها الاقتصادي بحالة نهوض وتقدم، وهي أعلنت استعدادها لتقديم مساعدة مالية عاجلة إلى أوكرانيا، وبدأت بدفع قسم منها قبل حصول الانقلاب على الرئيس المؤيد لإقامة العلاقات مع موسكو، إلى جانب خفوضات بأسعار الغاز المصدر إلى أوكرانيا، ولهذا فإن أوكرانيا تشكل عبئاً اقتصادياً ومالياً على الغرب.
أما على صعيد قدرة الغرب على عزل روسيا، فهذا حسب الخبراء لا يعدو كونه كلاماً للاستهلاك، لأن أميركا اليوم بحاجة ماسة للحفاظ على استثماراتها في روسيا ولا تستطيع تعويضها في أي بلد في العالم، فضلاً عن أنّ روسيا مكتتبة بسندات الخزينة الأميركية بنو 120 مليار دولار بإمكانها إذا عرضت بيع هذه السندات في السوق أن تدفع النظام المالي الأميركي إلى الانهيار وإلى نهاية سيطرة أميركا على النظام المالي الدولي، كما قال مستشار الرئيس الروسي سيرغي غلازييف.
أما أوروبا، فإنها تكاد تكون أسيرة العلاقات مع روسيا؛ فهي تحتاج إليها لاستيراد الغاز الروسي بنسبة 35% من حاجاتها، وكذلك تحتاج إلى المساعدة المالية من روسيا لمواجهة أزماتها، وإلى السوق الروسية الكبيرة لتصدير منتجاتها.
السبب الثاني، عسكري: الغرب، وفي الطليعة أميركا، ليس في وارد الدخول في مواجهة عسكرية مع روسيا، فمن جهة كل الظروف العسكرية لمصلحة روسيا التي توجد قواتها في البحر الأسود وجزيرة القرم بموجب اتفاقيات، ولها حدود طويلة مع أوكرانيا، وتستطيع خلال وقت قصير السيطرة على المناطق الشرقية والجنوبية، حيث تملك تأييداً كبيراً لدى السكان.
ومن جهة ثانية، لا يملك الغرب القدرة المالية للإنفاق على حرب مكلفة الموازين فيها ليست لمصلحته، وهو قرر الانكفاء عن شن الحروب البرية، بعد هزيمته في العراق، وفشله في أفغانستان، والأعباء المالية الضخمة التي تكبدتها أميركا وحلفائها نتيجة لهذه الحروب، والتي دفعت واشنطن إلى اعتماد إجراءات تقشفية خفضت بموجبها عديد قواتها البرية.
السبب الثالث: إن روسيا تملك مبررات للتدخل على عكس الغرب الذي لا يملك مثل هذه المبررات، فروسيا تستند إلى مطالبة سكان جزيرة القرم بالانضمام إليها، ومطالبة، سكان المناطق الشرقية بحمايتهم من اعتداءات المتطرفين النازيين في الغرب الأوكراني، وتستند إلى مبرر حماية أمنها القومي.

السيناريوات المحتلمة

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن الأزمة الأوكرانية تسير باتجاه واحد من السيناريوات الآتية:
الأول: أن يؤدي إدراك الغرب لعجزه عن دعم أوكرانيا، ورجحان الكفة لمصلحة روسيا على كل المستويات، إلى القبول بتسوية للأزمة على قاعدة الرضوخ لشروط موسكو بتحييد أوكرانيا.
الثاني: أن يرفض الغرب مثل هذه التسوية وتتطور الأمور، وينفذ المتطرفون النازيون اعتداءات على المواطنين الروس، ويحصل عندها تدخل عسكري روسي لحمايتهم، وتتم السيطرة على المناطق الشرقية والجنوبية، إلى جانب شبه جزيرة القرم، التي حُسم الصراع فيها سريعاً، وتقوم روسيا عندها بالتفاوض مع الغرب من موقع أقوى وتفرض شروطها لحل الأزمة.
الثالث: أما السيناريو الثالث، فهو اكتفاء روسيا باستنفار قواتها للتدخل، وسيطرتها على القرم، واستخدام سلاح الاقتصاد والغاز للإخلال بموازين القوى في أوكرانيا لمصلحة حل الأزمة وفق وجهة نظرها.
* كاتب لبناني