استباحت نظرية المؤامرة منطقتنا قبل أن تستبيحها الأنفلونزا، حتى كادت أن تكون مرضاً أو وسواساً قهرياً. كل مشكلة تُردُّ إليها. كل مصيبةٍ تكون من نتاجها، وانطلاقاً من كل انحطاط نعيشه تُكتب كتبٌ ويُسلط إعلامٌ للتركيز على مفهوم واحد مفاده: لا تسألوا عن السبب، فتشوا عن نظرية المؤامرة. ولّد ذلك عند البعض اتجاهاً عكسياً يرفض نفسياً كل ما له علاقة بهذه النظرية، ويستبعد المؤامرة من أي طارئ سلبي قد يحدث، على الرغم من كونها استُخدمت في السياسة العالمية.

أخيراً، ظهر فيروس «كورونا» المستجدّ في الصين، في كانون الأول / ديسمبر 2019، فأعلنت الأخيرة حالة الطوارئ. موجة هلع عامة سادت البلاد. خسائر بشرية تتعاظم كل يوم. ثم شيئاً فشيئاً خسائر اقتصادية مُعتَبرة: توقّفت بعض القطاعات. تراجع مؤشر المشتريات الصيني لقطاع الصناعات التحويلية. تلقّت قطاعات أخرى مثل السفر والبناء وتجارة التجزئة ضربة كبيرة. ووفق مذكّرات مجموعة «وود ماكنزي» الاستشارية، كان شهر شباط بمثابة ضربة اقتصادية للصين، حتى إنّ معظم الخبراء تنبّأوا بأن يتراجع نمو الاقتصاد الصيني في الربع الأول من العام بشكل ملحوظ.
هنا، كثُر الهمز واللمز: لماذا الصين تحديداً؟! بدأت نواة نظرية المؤامرة تظهر. فالصين أصلاً هي ثاني أقوى اقتصاد بعد اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية، وهي تواجه لذلك حرباً تجارية طويلة الأمد معها. أكثر بوادر إيمان الناس بنظرية المؤامرة، ظهر من خلال التداول الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي لفيلم «عدوى» (Contagion)، الصادر عام 2011، وقد أثار مدى التشابه بين الفيلم والحالة الخاصة بالفيروس الجديد جدلاً واسعاً على مستوى عالمي، وجعله الأكثر رواجاً بين الأفلام الأخرى التي تتحدَّث عن الحروب البيولوجية، والتي ارتفعت أعداد مشاهداتها، كفيلم «اثنا عشر قرداً» (12 Monkeys) 1995، و«دلتا فورس» (Delta Force) (1986)، و«اندلاع مميت» (Deadly Outbreak) (1995)،و«الفريق دريم» (D.R.E.A.M. Team) (1999)، و«مهمة مستحيلة» (Mission Impossible)(2000)...
انتشر «كورونا» بعد الصين في الدول المجاورة. في كوريا الجنوبية تحديداً، حيث أعلن الرئيس مون جي حالة طوارئ اقتصادية، داعياً إلى اتخاذ تدابير للحدّ من الأضرار التي لحقت باقتصاد الصين. في هذه الأثناء، لم تُسجّل إصابات في الهند. وازداد الحديث عن المؤامرة. ولكن! حدث ما جعل تفشّي الإيمان بهذه النظرية أكثر من تفشّي الفيروس ربما... إنها إيران. البلد الوحيد الذي تخطّت نسب الوفيات فيه ما يقارب 18٪، فيما نسبة الوفيات التي تُسجّل، في العادة، من هذا الفيروس هي 2٪. ولأنّ انتشار «كورونا» في إيران كان واسعاً، وأصاب شخصيات في صفوف القيادات، ثم انتشر إلى البلدان المجاورة، وما أتبعه من حدّ للسياحة الدينية، وبالتالي من تراجع لإيرادات الدولة منها، وازدياد الأعباء الاقتصادية عليها، وازدياد الضغط النفسي والسياسي عليها... كل ذلك حوّل الشكوك بالمؤامرة الأميركية عند البعض إلى يقين. ثمّ كان انتشار «كورونا» في إيطاليا سريعاً، وبنسبة أقل في ألمانيا.
إزاء هذا الواقع، ظهر النائب الروسي فلاديمير جيرينوفسكي، ليعلن أنّ فيروس «كورونا» المستجد هو «استفزاز أميركي» للصين، واضعاً الفيروس في سياق الحرب الاقتصادية الراهنة بين البلدين، بقوله: «يخشى الأميركيون عدم قدرتهم على تجاوز الصين، أو على الأقل البقاء على قدم المساواة معها». ورأى أن كل شيء سينتهي خلال شهر، أي في أواخر شهر آذار / مارس، ملمّحاً إلى أنّ هناك أشخاصاً يعيش معظمهم في سويسرا، أصبحوا من أصحاب المليارات بفضل بيع علاج هذا الفيروس. وقبل حديث النائب الروسي، اعتبر الخبير الروسي إيغور نيكولين الذي عمل في لجنة الأمم المتحدة للأسلحة الكيميائية والبيولوجية، بين عامي 1998 و2003، أنّ الأميركيين اختاروا مدينة ووهان الصينية لنشر الفيروس الجديد لأنّ فيها معهداً لعلم الفيروسات يؤمّن لهم غطاءً. حتى إنّ النائب في الكنيست الإسرائيلي أورلي ليفي، قال: «دعونا لا نكون سُذَّجاً، نحن نعرف أن وباء كورونا انتشر لأنه أُنتج كحرب بيولوجية».

القائلون بالمؤامرة الأميركية يلمّحون إلى أن ادعاءات الوصول إلى لقاح أو علاج ضد فيروس «كورونا» المستجد لم تُعلن رسمياً إلا من جانبين اثنين: أميركا والكيان المحتل


لكن هذه النظريات جوبهت بنظريات مضادة، تزعم أن الصين هي من صنع هذا الفيروس في مختبراتها السرية ليكون سلاحاً بيولوجياً، وأطلقته عن طريق الخطأ، كما أدرجت صحيفة «فايننشيال تايمز» في إحدى مقالاتها. ودعم هذه النظرية وجود مختبر سرّي حكومي صيني للفيروسات في مدينة ووهان، بؤرة تفشّي الفيروس. وقد استندت هذه المزاعم إلى تقرير نشرته صحيفة «واشنطن تايمز» يستشهد بضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق داني شوهام، الذي كان السبّاق إلى نشر هذه النظرية. كذلك، فإن صحيفة «ديلي ستار» كانت قد نشرت تقريراً يفيد بأنّ الفيروس «صدر في مختبر سري»، لكنّها عادت وألحقت التقرير بملحق استطرادي قالت فيه إنه لا دليل على هذا الادعاء.
وأخيراً، غرّد الوزير السابق محمد المشنوق على حسابه عبر موقع «تويتر» أنه «في مختبرات جامعة هارفرد في بوسطن أوقفت الشرطة الفدرالية خمسة أميركيين وصينيين للتحقيق في علاقتهم بفيروس كورونا. هل بدأت حرب بيولوجية في العالم؟ لا نعرف سوى القليل، سوى علاقتهم بمختبر في منطقة ووهان الصينية الأكثر انتشاراً لفيروس كورونا».
مع ذلك، بعيداً عن المؤامرة، أليس ثمّة خطر حقيقي بأن ينتشر فيروس مثيل في كل بقاع العالم؟ ألم تؤثّر الإنفلونزا الوبائية بشدة على الأرض عام 1918، حيث فاق عدد الوفيات خلال 18 شهراً عدد من ماتوا في الحربين العالميتين، الأولى والثانية؟ وبالتالي أليست أميركا مهدّدة بهذا المعنى؟
القائلون بالمؤامرة الأميركية يلمّحون إلى أن ادعاءات الوصول إلى لقاح أو علاج ضد فيروس «كورونا» المستجد لم يُعلن رسمياً إلا من جانبين اثنين: أميركا والكيان المحتل، فقد قال مسؤولو الصحة الأميركيون إن أول تجربة سريرية لاختبار عقار مضاد للفيروسات (remdesivir) لدى مرضى فيروس «كورونا» في المستشفيات، بدأت فعلياً. ويمكن أن يساعد العقار في وقف تكرار الفيروسات، مثل «كورونا» و«إيبولا» على حدّ سواء. وقال مسؤولو منظمة الصحة العالمية إنه الأكثر وعداً بفعّالية العلاج. أما وزير العلوم والتكنولوجيا في الكيان الصهيوني فقد أعلن أن العلماء في إسرائيل باتوا على أعتاب اكتشاف أول لقاح ضد فيروس «كورونا» المستجد. ويعطف أصحاب نظرية الحرب البيولوجية آراءهم حول المؤامرة بالمعطيات التي تقول إن أميركا لم تتضرّر بعد من هذا الوباء، إذ أنّ وزير الخزانة الأميركي أكّد أن فيروس «كورونا» لن يكون له أثر اقتصاديٌّ يمتد إلى ما بعد عام 2020، وثمّة مسؤولون ماليون من أكبر 20 اقتصاداً رفضوا اعتبار أن «كورونا» المستجد يمثل تهديداً بتراجع الاقتصاد العالمي.
ولكن... ظهر، أخيراً، على «نيتفلكس»، في بداية عام 2020، مسلسل وثائقي من 6 أجزاء بعنوان «الوباء». صُوّر المسلسل قبل انتشار «كورونا» المستجد طبعاً، حيث أُجريت مقابلات مع خبراء في مجال مكافحة الإنفلونزا والفيروسات الناشئة، الذين ظهروا وكأنهم يسعون إلى مكافحة احتمال أن يخرج فيروس جديد من الحيوانات، حيث لن تكون لدى البشر مناعة ضده. «لن تتمتع أنظمتنا بأي وسيلة لمكافحة العدوى، ما يعني أنّ لديها القدرة أن تكون مميتة للغاية. لذلك، هناك علماء يجرون أبحاثاً في جميع أنحاء العالم وهم مكرّسون لتطوير لقاح عالمي فعّال ضد جميع فيروسات الإنفلونزا». هذا ما يقوله الدكتور دينيس كارول، مدير وحدة التهديدات الناشئة في الوكالة الأميركية للتنمية. وهو يزيد في هذا المسلسل أنه «لا يوجد فيروس إنفلونزا واحد أخطر من إنفلونزا الطيور الموجود في الصين اليوم، 60٪ من المصابين(من الطيور) يموتون. مسؤوليتي هي محاولة الاكتشاف والمنع والرد والسيطرة على التهديدات الفيروسية الناشئة».
كل ذلك، ولم تكن الكورونا قد ظهرت بعد عند البشر في الصين.
في المسلسل نفسه، تقول الدكتورة سيرا مداد (مهنتها احتواء الفيروسات في مدينة نيويورك): «ما يقلقني هو أنه يكفي أن يصاب شخص واحد، لتفشّي الوباء. إنها مسألة وقت حتى يبدأ الوباء. إحدى المعنيّات أيضاً بشأن مكافحة الفيروسات تشرح في هذا المسلسل: ربما وباء الإنفلونزا القادم يلوح في الأفق. لا نعرف إذا كان سيحدث لنا أو لأبنائنا، لكنه سيحدث في نهاية المطاف. عام 1918 قُتل أكثر من 50 مليون شخص لكن لم يكن لدينا طائرات ولم يكن هناك أشخاص يسافرون من آسيا إلى أميركا الشمالية، لذا مئات الملايين قد يموتون من الوباء القادم إذا كان معدياً». ويظهر الدكتور جاك غلانفيل ليصرّح بأنهم في صدد صناعة لقاح من شأنه علاج جميع أنواع الإنفلونزا المستقبلية. كذلك، يسلّط المسلسل الضوء على مؤسسة بيل غيتس التي ساهمت في تمويل الأبحاث حول اللقاح العالمي للإنفلونزا.
يركز المسلسل بشكل كبير على نضال الأطباء في الولايات المتحدة والهند تحديداً ضد الإنفلونزا. الهند، التي لم يزرها فيروس «كورونا» المستجد بعد. ويسلّط الضوء على جهود الدكتورة سيرا مداد، (عملت مع الـFBI في مجال المكافحة البيولوجية)، كما يتطرّق إلى حياتها الشخصية، تربيتها لأولادها... إلى أن يصل إلى مشهد تظهر فيه وهي مرتدية ثوب الصلاة الإسلامي، وتصلّي وتسجد على سجدة...
يقول أصحاب نظرية المؤامرة إن «نيتفلكس» هو منصة للحرب الناعمة، وإن الأفلام التي يعرضها غالباً ما تمهّد لوقائع فعلية على الأرض. فيما لا يرى مناهضو النظرية ذلك، بل على العكس يعتبرونه منصة لتقديم الكثير من الوثائقيات والمعلومات المهمة والمفيدة.
هل سيظهر العلاج أو اللقاح أولاً عند الخبراء الأميركيين؟ أو هل سيظهر مثلاً في الكيان المحتل، حتى تضطر إيران إلى التعاون معه مثلاً لمكافحة الوباء؟ هل ستؤكد الأيام نظرية المؤامرة، أم ستدحضها... الجواب قد يُحسم في قابل الأيام. لكن ما هو جدير بالذكر، أن الاهتمام بالتدابير اللازمة في وقتنا هذا قد يكون أهم بكثير من الاهتمام بنظرية المؤامرة. فالجهل قد يساهم كثيراً في تفشّي هذا الوباء، وهذا ما أشار إليه المسلسل: «حين يتعلّق الأمر بوباء، فثمة الكثير من المجاهيل».

*كاتبة لبنانية