حتى الآن، لا تزال المخارج المطروحة لأزمة المديونية في لبنان تتمحور حول كيفية الانتهاء من الدين وخدمته، وما إذا كان ذلك سيحدث داخلياً عبر إعادة جدولته، أم خارجياً عن طريق إعادة الهيكلة وبالاتفاق مع الدائنين، بعدما بيعت معظم سندات المصارف إلى صناديق خارجية. كلُّ ذلك مفهوم، بالنظر ليس فقط إلى العبء الذي تمثّله المديونية على الاقتصاد، بل أيضاً إلى فداحة مساهمتها في عملية الانهيار، كون الأزمة بمجملها مرتبطة بمجموع العمليات التي تقوم بها المصارف، وحجم ما تمثّله من أصل الدخل والثروة في البلاد. لكن ما ينقص هذه المقاربة، حتى الآن، هو عدم التطرُّق بالشكل الكافي إلى طبيعة الريوع التي تديرها المصارف، وما إذا كان انحصارها في قنوات التوزيع هو الذي أفضى إلى الانهيار الحالي، عبر خلق فقاعة مالية تراكمت خارج هياكل الإنتاج ــ على محدوديتها ــ وفي إطار ريع لا يستند إلى قيمة مضافة.


بدايات الريع الوافد
لا تعود جذور الأزمة فقط إلى الحقبة الحريرية حين أُوكل إلى مصرف لبنان، ومعه المصارف الخاصّة جميعها، عملية تمويل إعادة إعمار البلاد بعد الحرب عبر الاستدانة، بل إلى بدايات الحرب نفسها. أي في الوقت الذي توقّفت فيه عملية التراكم التي كانت تعتمد على قطاع الخدمات، بوصفه مصدر الثروة الوحيد في ظلّ ضمور قطاعات الإنتاج الأخرى الزراعية والصناعية مع تبنّي الدولة رسمياً ــ حتى في الحقبة الشهابية ــ فلسفة اليمين الاقتصادية التي كان يمثّلها ميشال شيحا. الحرب لم تمثّل فقط مناسبةً لصعود قوى طبقية وضمور أخرى، بل كانت أيضاً المرحلة الذهبية لازدهار الريع الآتي من الخارج، سواءً من الدول التي كانت مشاركة في الحرب، أم من اللبنانيين الذين هاجروا بحثاً عن مصادر دخل بديلة، بعد اندثار معظم الهياكل الإنتاجية التي كانت تموّل الاقتصاد. في هذه المرحلة، وبسبب تزايد الاعتماد على هذا النوع من الريع، لم تعد الثروة تُنتَج في الداخل، وما كان يُنتج منها بعد كلّ هذه التغيّرات في العملية الاقتصادية بات يفتقر إلى الهياكل والقوى العاملة معاً، بالإضافة إلى الرساميل التي إمّا هاجرت بحثاً عن بيئة أفضل للعمل، أو انضوت ضمن إطار قوى الحرب التي يتعارض عملها مع إنتاج لا يعتمد على الريع كقيمة وحيدة ومطلقة. الانعطافة الكبرى في هذه الحقبة، كانت مع مجيء رفيق الحريري في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وشروعه حتى قبيل انتهاء الحرب وعقد اتفاق الطائف في مركزة هذا التراكم، عبر ربطه به، كونه الجهة التي تدعم معظم الأطراف المتحاربة، بحيث يتحوُّل الريع الآتي من الخارج بعد ربطه بقنوات توزيع رسمية على رأسها مصرف لبنان، إلى الشكل الوحيد المعتمد لتدفُّق الثروة، وبالتالي تمويل نمط حياة اللبنانيين برمّته. حتى الأشكال الأخرى من الريع (وهي بدائية في معظمها) التي كانت قائمة قبل الحرب، جرى استبعادها على اعتبار أن «الإنتاج» فيها كان يحصل في «الاقتصاد الحقيقي»، وتحديداً في قطاع الخدمات الذي كان لا يزال حتى أواخر الثمانينيات محافظاً على طابعه كمصدر لتحويل الريع إلى ثروة تستفيد منها الأكثرية وليس العكس. تركُّز الثروة بهذا المعنى، حصل عبر جعل الريع يتراكم في قنوات التوزيع بعد مركزتها حريرياً، بحيث لا يتم خلق أيّ فائض قيمة خارجها، حتى ريعياً، لينتهي الأمر بهذا النموذج بعد عقود من التمويل عبر المديونية، إلى الحجز على كلّ السيولة التي أُنتجت عبره، سواءً على شكل ودائع ومدخرات، أو على هيئة رواتب وتأمينات اجتماعية. والحال أنّ الريع بحدّ ذاته ليس هو المشكلة، على اعتبار أنّ الاقتصاد اللبناني كان يقوم في معظمه ــ وخصوصاً قبل الحرب ــ على التداخل بينه وبين هياكل الإنتاج «البدائية» الخاصّة في قطاع الخدمات، هذا بالإضافة إلى النماذج الأخرى منه القائمة في الإقليم، والتي يحصل فيها توزيع للدخل حتى في ظلّ حالة التبعية، بحيث تصل ثماره إلى مختلف الشرائح الاجتماعية. وهي تقريباً الحالة التي سيصل إليها لبنان قريباً، بعد الانتهاء من دورة المديونية (والتي قد تستمرّ لسنوات)، والاستغناء عن الدور الذي كان مُنوطاً بالمصارف في النموذج الذي يحتضر حالياً.

الإمساك كاملاً بالثروة الجديدة لن يكون مضموناً نظراً إلى البنية المعقّدة التي يقوم عليها الإنتاج النفطي وتداخلها مع مصالح الدول الإمبريالية ولكنّ عوائدها ستصل إلى الناس مباشرةً


«الريع الإنتاجي»
في الحالة التي تنتظر البلاد بعد الشروع في استكشاف النفط والغاز عبر البلوكات العشر، سنكون أمام ثروة تُنتج داخلياً، وتوكل مهمة جني عوائدها إلى هيئة وطنية تابعة للدولة. هذه المرّة، سيكون دور المصارف محدوداً في إدارة الثروة الجديدة، ليس لأنها جُرِّبت فحسب في توزيع الريع القديم، بل أيضاً لأن نظام الإنتاج الذي تقوم عليه عملية استخراج النفط والغاز لا يلحظ لها دوراً كبيراً، كون التراكم هذه المرّة سيكون نتاج عملية معقّدة تبدأ بالاستخراج، وتمرّ بالتكرير، وصولاً إلى التصدير الذي يضع كلّ القيمة المضافة الناتجة من العملية في يد الهيئة الحكومية، بعد حسم نسبة الربح الخاصّة بالشركات المستخرِجة للثروة. النقد هنا ليس هو القيمة المضافة، كما في الريع الناتج عن تحويلات مالية أو ودائع مُستقطَبة أو مَحافِظ دَيْن، خصوصاً حين يكون بالدولار، أي عندما تتحدّد بناء على دورته مجمل العملية الاقتصادية، بما في ذلك بقايا هياكل الإنتاج التي رُبط استمرارها باستيراد المواد الأولية عبر الدولار. في الاقتصاد النفطي، تتراجع هذه الدورة المرتبطة بالنقد مباشرةً لمصلحة تراكم مرتبط بعملية إنتاج محدودة، ولكنّها ذات مردود كبير، ومن النوع الذي يخلق فوائض تستفيد منها الأكثرية، حتى لو لم تنخرط قواها العاملة مباشرةً في الإنتاج، كونه ليس إنتاجاً بالمعنى الفعلي، أي لا يقيم هياكل جديدة بدل تلك التي اندثرت، ولا يساعد على تطوُّر القوى المنتجة خارج الإطار المحدّد لعملية الإنتاج النفطي أو الغازي. في الحالة اللبنانية، هذا يساعد ليس فقط في إطفاء المديونية، بل أيضاً في فكّ الارتباط نهائياً بينها وبين عملية خلق القيمة، حيث تزداد فرص وصول التراكم عبر الريع النفطي إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس بمجرّد الانتهاء من الريع القديم الذي كان يصبّ بمجمله في خدمة الدين. هذا الأمر لا يجعل حجم الاقتصاد أكبر، ولا يزيد من فرص تحوِّله إلى اقتصاد حقيقي، ولكنّه على الأقلّ يضع حدّاً للعملية التي كانت تضع كلّ التراكم السابق في يد الأقلية المتحالفة مع المصارف، ومن ورائها النظام المالي الدولي. تبعية الاقتصاد اللبناني لن تنتهي بهذه الطريقة، على اعتبار أنها ستكون شبيهة بالنموذج الخليجي الذي تذهب معظم ثروته النفطية إلى الغرب، غير أنها ستكون تبعية مشروطة. بمعنى أنّ المستفيد منها في النهاية هو الاستثمارات الغربية المباشرة في الغاز والنفط اللبنانيَّين، ولكن بعد أن تكون البنية الاقتصادية الداخلية قد انتهت من الريع القديم الذي يخدم الأقلّية، لمصلحة انخراط فئات أوسع من اللبنانيين ــ وخصوصاً الشرائح التي أُفقرت ونُهبت مدّخراتها ــ في عملية استخراج النفط وتكريره.

خاتمة
الإمساك كاملاً بالثروة الجديدة لن يكون مضموناً نظراً إلى البنية المعقّدة التي يقوم عليها الإنتاج النفطي وتداخلها مع مصالح الدول الإمبريالية، ولكنّ عوائدها ستصل إلى الناس مباشرةً، وبالعملة المحلّية. في هذه الحالة، لن يكون ثمّة دور مباشر للدولار في الاقتصاد خارج إطار تسعير عمليات التبادل بالنفط والغاز، إذ ستضع الدولة يدها على العملة الصعبة وعلى رأسها الدولار لتتحوَّل إلى مجرّد سلّة للادخار، وبالتالي ستتراجع مكانته كمحدّد لكلّ العمليات الاقتصادية، بما في ذلك الاستيراد. سيخفض ذلك من كلفة الإنتاج، في حال تقرَّرَت الاستفادة من الفوائض النفطية في توسيع عملية الإنتاج القائمة، عبر استحداث صناعات جديدة على هامش الصناعة الأساسية الخاصّة بالنفط والغاز. وستزداد الحاجة مع تراكم الفوائض وتحقيقها لنسب نموّ مرتفعة في الاقتصاد إلى طباعة العملة المحلية، ولكن ليس بالاعتماد على قيمتها تجاه الدولار، بل بما تشكّله من قيمة مضافة في ذاتها، بعدما تحوّلت إلى المعادل النقدي للتراكم الذي يحصل لقاءَ عملية استخراج النفط وتكريره وتصديره. سيؤدّي ذلك، على الأرجح، إلى تحسُّن كبير في سعر صرف الليرة، وهو ما سيعزِّز الحالة التنافسية ليس فقط للمُنتَج النفطي بل لمجمل الصادرات اللبنانية، في حال حُسِم الخيار بتعزيز البنية الإنتاجية الداخلية على حساب حصرية الاستيراد الموروثة من الحقبة السابقة. أما العقوبات المفروضة على الاقتصاد اللبناني في ظلّ الحصار الحالي، فستستمرّ على الأغلب، ولكن تأثيرها سيكون مختلفاً حين تتحوّل البلاد إلى دولة نفطية، وستنتقل من نظام الرقابة على المصارف لمنع تمويل الاقتصاد إلى الرقابة على الأسواق النفطية التي تشتري الغاز اللبناني. وفي هذه الحالة، سيكون الأمر شبيهاً بنموذج إيران، ولكن مع فارق أساسي يتعلّق بهيكلية الاقتصاد اللبناني الذي يملك بالمقارنة مع نظيره الإيراني «أفضلية» للولوج إلى الأسواق الدولية للغاز، كونه مندمجاً أكثر في النظام الرأسمالي العالمي. تبعية الاقتصاد ستستمرّ بهذا المعنى، ولكن في ضوء انتقالها من توزيع الريع بعد نهبه إلى إنتاجه ضمن الأطر الحكومية ليصبح «قيمة مضافة» في حدّ ذاته تستفيد منه الأكثرية، ولو بعد حين.

* كاتب سوري