كرّست الأمم المتحدة، منذ عام 1939 يوم 22 آذار من كل سنة «يوماً عالمياً للمياه». وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، عام 2013، «سنة دولية للتعاون في مجال المياه». فالمياه هي أساس الحياة على كوكب الأرض، وانعدامها يجعل الكواكب الأخرى التي تفتقر إلى المياه كواكب غير قابلة للحياة.

المعروف أن سطح الكرة الأرضية مغطّى بالمياه بنسبة تزيد عن 70%، غير أنّ معظمها هي مياه مالحة لا تصلح للشرب، ونسبة قليلة منها (حوالى 4%) تشكّل المياه العذبة الصالحة لحياة البشر، وتتمثّل بحالة جليد دائم في القطبين المتجمّدين ــــ الشمالي والجنوبي ــــ أو هي بحالة ثلوج في قمم الجبال العالية، تذوب وتسري أنهاراً وينابيع، كمياه صالحة للشرب والري والزراعة. فالمياه مورد طبيعي لا بديل له، ولا غنى عنه للحياة عكس كلّ الموارد الطبيعية الأخرى. والخطورة أنّ هذا المورد الأساسي للحياة، يتناقص سنة بعد أخرى، أو لنقل يتم استهلاكه بوتيرة أسرع مما قبل، نظراً إلى ازدياد عدد سكان الكرة الأرضية، من حوالى 3 مليارات نسمة عام 1950، إلى حوالى 5 مليارات عام 2000، إلى تقدير بحوالى 10 مليارات نسمة عام 2030. والمعادلة بسيطة ومخيفة: كمية المياه هي نفسها، بينما تعداد السكان المستهلكين لها وحاجاتهم لها يتضاعف.

من هنا كانت الأزمة الكبرى المنتظرة من خلال الحاجة المتزايدة للمياه العذبة والتي ستشكل ــ عاجلاً أم آجلاً ــ دافعاً رئيسياً ضاغطاً للنزاعات الإقليمية والدولية القادمة


من هنا كانت الأزمة الكبرى المنتظرة، من خلال الحاجة المتزايدة للمياه العذبة، والتي ستشكل ــــ عاجلاً أم آجلاً ــــ دافعاً رئيسياً ضاغطاً للنزاعات الإقليمية والدولية القادمة! وسيكون حوالى ثلثي سكان الأرض مهدّدين بالعطش بحدود منتصف هذا القرن، أي حوالى عام 2050. إنّ سوء استخدام الأنهار ـــ الليطاني كمثال ـــ والمياه الجوفية، والتلوّث، وعدم ترشيد الاستهلاك وتزايد السكان والنمو الفوضوي للمدن، من شأنه أن يزيد استفحال أزمة شحّ المياه العذبة، ويتحوّل إلى كارثة تطال ثلثي سكان الكرة الأرضية، وخصوصاً منطقة آسيا وغرب آسيا، التي يعيش فيها حوالى ثلثي سكان العالم، ولا تختزّن سوى ثلث الاحتياط المائي في العالم، بينما يسكن أميركا اللاتينية ــــ مثلاً ـــ 6% من سكان العالم، وتختزن ربع الاحتياط العالمي للمياه العذبة. وسيكون خارج الأزمة أيضاً، دول شمال أوروبا وكندا وألاسكا وأميركا الجنوبية وروسيا وأستراليا. وبحسب تقرير منظمة «اليونسكو»، في عام 2018، فإنّ حوالى مليار شخص من دول العالم الثالث سوف لا يستطيعون الحصول على احتياجاتهم المائية العذبة الكافية، بينما يموت مليون ونصف مليون طفل سنوياً بسبب تلوّث المياه. ومع توقع تفاقم شحّ المياه النظيفة، وعدم القدرة والإمكانية، أو بالأحرى استحالة تنظيف المياه الجوفية التي تختزن في باطن الأرض، والتي لوّثها البشر والتقدم الصناعي، يتوقع الخبراء أن تزداد بؤر التوتر الإقليمية والدولية، على أن تنفجر في هذا القرن، بحدّة، أزمات المياه وتداعياتها على كل صعيد.
أما في ما يخصّ لبنان، فسنشهد أطماع إسرائيل المتكرّرة بمياه نهر الحاصباني، الذي ينبع في لبنان ويصبّ في نهر الأردن، وهي لا تتوانى عن تحذير لبنان وتهديده بعدم المساس بمياه نهر الوزاني، الذي يمرّ في الأراضي اللبنانية، والذي يشكّل أحد روافد نهر الحاصباني.
ومن أزمات المياه والسدود في المنطقة التي تشكل موضع خلاف ونزاع نشير إلى:
1ـــ السدود التركية لمياه نهري دجلة والفرات، وما تشكّله من نزاع بين تركيا وسوريا والعراق.
2 ـــ ملتقى نهري دجلة والفرات على خط شط العرب وتنافس كل من إيران والعراق.
3 ـــ الصراع حول مياه نهر النيل وما ينشأ من تنافس واستئثار عليها بين كل من مصر والسودان وأثيوبيا.
4 ـــ الجوف المائي الذي يمتد على مسار دول مصر السودان وليبيا. (النهر الاصطناعي «العظيم» الذي بدأته ليبيا)
ونشير، أخيراً، إلى الحلول التي تعتمدها بعض الدول التي تعاني نقصاً في المياه العذبة:
ـــ استكشاف المزيد من حقول المياه الجوفية.
ـــ زيادة إقامة السدود المائية، بدل هدر مياه الأنهار في البحار.
ـــ تحلية مياه البحار (الدول الساحلية).
ـــ ترشيد استهلاك المياه بشكل عام، ومياه الري بأساليب حديثة كـ«النقطة نقطة».
ـــ إعادة تكرير وتصفية المياه المستخدمة منزلياً. وخصوصاً للري الزراعي.
فضلاً عن كلّ ما تقدّم، ممّا لا شك فيه، أنّ النقص الحاد في المياه العذبة، سيكون سبباً رئيسياً لنزاعات إقليمية ودولية قادمة.
وفي اليوم العالمي للمياه، ما أحلى أن نتفكّر بهذه النعمة الإلهية التي وهبتنا الحياة على هذا الكوكب الأزرق... «وجعلنا من الماء كل شيء حي»!

* باحث وأكاديمي