لطالما طغى على عمل حزب الله بشتّى مجالاته، السرية والكتمان، ولعلّ ذلك الأمر له مبرّراته العائدة إلى طبيعة نشوئه وظروف تكوينه، التي ارتبطت بشكل أساسي بالعمل المقاوم بشقَّيه العسكري والأمني، الأمر الذي رافقته منظومة عقائدية وأخلاقية «صدقة السر» إحدى مفرداتها الأساسية. وعلى الرغم من امتلاكه منظومة إعلامية وجمهوراً عريضاً في الداخل والخارج، إلا أنّه، وباستثناء الانتصارات العسكرية، نادراً ما كان يسلّط الضوء على العمل الداخلي، الاجتماعي تحديداً، ولعلّ ذلك قد ظَلم الحزب وجمهوره من جهة، وأطلق العنان لبعض خصومه من جهة أخرى، إن لناحية الهجوم عليه وتصنيفه بـ«حزب قتالٍ لا يعنيه من الشأن الداخلي أكثر من تأمين قاعدة شعبية تغطّي عمله المسلّح»، أو لناحية حصوله على هامش واسع يتيح له إبراز أي عمل اجتماعي يقوم به، بناء على ما قيل قديماً «كذبة مكرّرة أرسخ من حقيقة لمَرَّة». من ناحية أخرى، وبإطلالة سريعة على ما ورد عن الحزب في كتاب «عقيدة الصدمة» للكاتبة «نعومي كلاين»، قامت بالمقارنة بين أداء الإدارة الأميركية، بما تملك من إمكانات إبان إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة عام 2005، وأداء الحزب بعد حرب تموز عام 2006. كتبت كلاين تقول إن «المبلغ (12000$) الذي دفعه حزب الله للناس، بعد الحرب، لاستئجار وتأثيث المنازل يوازي ستة أضعاف ما قدمته وكالة إدارة حالة الطوارئ الفيدرالية للناجين من إعصار كاترينا... ووعد السيد حسن نصر الله قائد حزب الله في خطاب متلفز، بالقول: لن تكونوا بحاجة إلى مد اليد إلى أي أحد... وهذا ما كان يحلم به الناجون من إعصار كاترينا... وبعد أسبوعين على توقف الحرب كانت عملية إعادة الإعمار قد بدأت...». على أنّ حزب الله، كعادته، لم يولِ المرآة الإعلامية لعمله الاهتمام اللازم لأسباب سبق ذكرها، إلى أن جاء استحقاق الانتخابات النيابية، عام 2018، في وقت يعاني فيه المجتمع اللبناني بأطيافه كافة، من الفقر المدقع والمعاناة الاجتماعية والفساد الإداري، ما دفع الحزب مُكرهاً وأمام الضغط الشعبي، إلى العمل في اتجاهين: الأول، الكشف ولو بخجل عن جزء من التقديمات الاجتماعية الضخمة، والثاني، خطاب الأمين العام الذي شخّص الفساد عدواً أساسياً للمرحلة.
لطالما كان الحزب عند اتخاذه قرارات الشأن الاجتماعي يكتفي بإعلانها لكن هذه المرة جرى عرض المخطط بشكل متكامل

أما الآن، فإنّ تطوراً جديداً في خطاب الإعلام الاجتماعي للحزب قد حصل البارحة، على صعيدَي الشكل والمضمون. لناحية الشكل، وبعدما جرت العادة بأن تُعلن المواقف والمضامين الأساسية على مستوى الوطن في خطاب الأمين العام حصراً، والذي صرح في أكثر من مناسبة بأنّ ما يعلنه عادة هو قرار قيادة الحزب (الشورى)، فقد أُعلن عن خطة مواجة فيروس «كورونا» بكل متعلّقاتها، على لسان رئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين، وفي مقابلة تلفزيونية وليس في خطاب. أمّا في المضمون، فلطالما كان الحزب، عند اتخاذه قرارات الشأن الاجتماعي، يكتفي بإعلانها، ويكون العمل على التنفيذ مقتصراً على مساحة محدودة جداً، لكن هذه المرة جرى عرض المخطط، بشكل متكامل، من العنوان إلى السياسات، وصولاً إلى بعض الإجراءات العملية. بمعزل عن تقييم المنهج السابق للحزب في إدارته للمسألة الاجتماعية إعلامياً، لا بدّ من الإشارة، ولو بإيجاز، إلى ما نتج عن هذا الإعلان:

1 ــــ ترك ارتياحاً كبيراً عند مختلف الشرائح الشعبية، لا سيما جمهوره الخاص.
2 ــــ أوضح حجم المخاطر، من خلال ضخامة ما تمّ عرضه من تخطيط وإجراءات وجهود بشرية وإمكانات مادية.
3 ــــ وضع الدولة وشركاءه في الوطن أمام مسؤولياتهم الوطنية في المواجهة.
4 ــــ أبرز الأخلاقية العالية والحس الوطني الذي يتمتع به، فالخطة كانت استباقية ومن دون طلب من الدولة، وشملت كل المناطق.
5 ــــ عرّى المئات من منظمات المجتمع المدني والجمعيات، التي لطالما اعتاشت من مال الشعب الذي انتظرها سنداً له في هذه المحنة.
يتّضح من خلال ما تقدّم، أنّ حزب الله قد يكون دخل فعلاً مرحلة جديدة في خطابه، لناحية الإعلام الاجتماعي، ولو على قاعدة «مكره أخاك لا بطل». وهي مرحلة سترخي بظلالها الإيجابية عليه، وعلى جمهوره، ففي حين كنّا نرى من البعض أقوالاً بلا أفعال، ومن الحزب أفعالاً بلا أقوال، آن الآوان لأفعال تلازمها أقوال.

* كاتب وأكاديمي