ستّ قضايا رئيسية، نطرحها، اليوم، للنقاش مع أطراف المعارضة السورية الوطنية؛ آملين أن تكون أساساً لحوار منهجي يتّسم بالعقلانية والنضج اللازمين. وهدف هذا الحوار ليس الدخول في سجال، وإنما البحث عن معايير موضوعية تكفل إخراج النخب الوطنية الديموقراطية السورية من مأزقها الراهن، واستعادة دورها في بناء مستقبل سوريا.


القضية الأولى: الانتفاضة السورية جزئية. وهي كانت كذلك منذ البداية، وفي أفضل أشهرها الأولى؛ فهي لم تعبر عن إجماع وطني أبداً، ولو نسبياً، على العكس مما رأيناه في مصر مثلاً. وكان واضحاً أنّها لا تعبّر عن انفكاك ثوري لقاعدة النظام الاجتماعية السياسية ـــ التي أظهرت الأحداث أنها واسعة نسبياً ـــ ولا عن المصالح الجوهرية للأقليات الكبرى، ولا عن القوى الاجتماعية الحديثة في العاصمتين، دمشق وحلب، وأخيراً لا آخراً، فهي لم تعبر عن قوة منظمة ـــ أثبتت التطورات مدى تماسكها وصلابتها وتأييدها للنظام ـــ أعني الجيش العربي السوري. ويمكننا أن نصف تلك الانتفاضة، منذ بداياتها، بأنها لم تكن سوى تعبير عن مناخ عربي عام، استخدمته النخب الليبرالية (بما فيها اليسارية؛ فاليساري يغدو ليبرالياً لدى التركيز على أولوية «الديموقراطية») ورجال الأعمال المرتبطين بالخليج والجماهير الريفية وشبه الريفية المهمّشة ذات الوعي الطائفي (السني المتأثر بالأخونة والسلفية الجهادية والوهابية). ولذلك، فالانتفاضة السورية افتقدت، منذ اللحظة الأولى، الطابع الوطني، حتى في حدود وطنيّة الجمهورية العربية السورية. ولا يمكن لأي انتفاضة أن تتحول إلى ثورة خارج إطار الوطنية الجامعة؛ فرصتها الوحيدة، في هذه الحالة، أن تتحوّل إلى حرب أهلية. وعلى هذا الأساس، لا يمكن تبرئة المعارضة الوطنية السورية، بإصرارها على شعارات جذرية تعكس الرغبات والأفكار، ولا تعكس الإجماع وموازين القوى المحلية والإقليمية والدولية.
القضية الثانية: الحرب الأهلية السورية، إقليمية ودولية؛ ففي الشروط العيانية للدولة السورية، بموقعها الجيوسياسي الإقليمي والدولي، ما كان للانتفاضة الطائفية المسلحة أن تبقى حرباً أهلية داخلية؛ سوريا مستهدفة، لأسباب جيوسياسية لا علاقة لها بالإصلاحات الداخلية، من قبل قوى إقليمية (الخليج وإسرائيل)، ودولية (الولايات المتحدة وأوروبا). وقد استغلت هذه القوى الانتفاضة الجزئية الليبرالية ـــ الطائفية، لتشنّ حرباً عالمية على سوريا وجيشها، مستخدمة شبكة العصابات الإرهابية المحلية والإقليمية والدولية. بالمقابل، حظي النظام السوري بدعم قوى إقليمية (إيران، حزب الله والتيارات والقومية واليسارية الوطنية في المشرق) ودولية (روسيا والصين). والوضع الناشئ عن ذلك المشهد المعقد، استلزم من أي وطني سوري، ليس، فقط، رفض التدخل العسكري الخارجي، أو إدانة العنف من الطرفين، وبالتالي تقديم الغطاء السياسي للعصابات وداعميها الخارجيين، وإنما فهم الحرب كحرب وطنية يخوضها جيش وطني ضد تدخل خارجي يستخدم المرتزقة.
القضية الثالثة: الوطنية السورية ممتدة خارج الحدود؛ لا يمكن، تاريخياً وجيوسياسياً، التفكير في سوريا، ولسوريا، داخل حدود الجمهورية؛ فعلاقاتها مع لبنان والأردن وفلسطين، متداخلة إلى حد لا يمكن معه تجاهل التركيبة العضوية المعقدة لبلاد الشام. وقد أظهرت الأزمة السورية، بجلاء، تلك التركيبة ـــ التي لا تعتمد على سياسات يتبعها النظام السوري، ويمكن، بالتالي، التراجع عنها ـــ وإنما على امتدادات اجتماعية وسياسية وثقافية عضوية في البلدان الشامية، أدت إلى انتقال فوري للصراع السوري إلى قلب تلك البلدان، كصراعات محلية. وينطبق الأمر، مع تعقيدات أخرى، على العراق.
لقد انقسم المشرق كله على هدير الحرب السورية، لا في الظلال الطائفية فقط، وإنما، بالأساس، بالارتباط بالمصالح العيانية للقوى الاجتماعية السياسية، وعلى أساس مقاومة مشرقية للوهابية والهيمنة الخليجية. ولم تلتفت المعارضة السورية الوطنية إلى هذه الحقيقة، وتعاملت مع القوى السياسية المشرقية المؤيدة للنظام السوري، بروح معادية، معتقدة أنه يمكن لجم الوطنية السورية في حدود الجمهورية، وإعلاء الأولويات الليبرالية على ما عداها. القضية الرابعة: المعارضة السورية الوطنية مؤهلة للشراكة، وليست بديلاً؛ ففي إطار معادلة كالتي عرضناها للتو، لا يمكن لمعارض وطني نزيه حريص على وطنه أن ينطلق من شعار إسقاط نظام يحظى بقوة اجتماعية وسياسية وعسكرية داخلية وازنة، ويتمتع بحلفاء إقليميين ودوليين صاعدين، وفي مواجهة عدوان إمبريالي صهيوني رجعي، إلا في حالتين: انحياز المعارض إلى الخندق المضاد في الحرب، أو استخدام هذه الحرب لتحسين الشروط السياسية لمطالبه.
وهكذا توزّع المعارضون السوريون، بالفعل على: (1) المعارضة الخارجية اللاوطنية التي انخرطت، كلياً، في خندق الجماعات المسلحة وحلفائها الدوليين، وتورطت في مخططات الأجهزة الاستخبارية الخليجية والغربية ضد سوريا، بل وصلت بها الحال الى استدراج عدوان عسكري أطلسي مباشر؛ فتحولت، عملياً، إلى الخيانة الوطنية. ولم يعد هذا الوصف سياسياً، بل تحول جنائياً بعد الترتيبات الحاصلة بين الجماعات المسلحة في جنوب سوريا والعدو الإسرائيلي، (2) المعارضة الداخلية الوطنية التي تحركت على أساس الإفادة من الحرب لتحسين شروطها السياسية؛ فلا «هيئة التنسيق» وحلفاؤها ولا «جبهة التغيير» وحلفاؤها، تتمتعان بقوة سياسية جماهيرية توازي ما حصلتا عليه من حضور لولا الحرب. ولذلك، وجدنا المعارض حسن عبد العظيم وزملاءه في «الهيئة» يلحّون على رفض إدانة الإرهابيين وعملياتهم، ويبقون على صلات مع أوساط من المسلحين، ويبذلون قصارى جهودهم للتفاهم مع الجزء الخائن من المعارضة السورية. ومع تقديرنا للحس الوطني الإنساني لبعضهم، كهيثم منّاع، فإن خطابهم السياسي ومجمل حراكهم ظلا أسيرين لمعادلة الإفادة سياسياً من حرب يدينونها أخلاقياً، لكنهم يستندون إليها واقعياً؛ فكانوا مضطرين إلى البقاء في إطار البرنامج السياسي العام للمعارضة الخائنة، بدلاً من تبني برنامج وطني اجتماعي، يتمثل في جدلية التحالف مع الجيش العربي السوري وحلفائه من المقاومين ضد العدوان، والنضال، في الوقت نفسه، لإحداث تغييرات اقتصادية اجتماعية لمصلحة الأغلبية الشعبية في سوريا. هذه الأطروحة التي تبنيناها في نظرتنا إلى الشأن السوري كانت وراء دعمنا لحزب الإرادة الشعبية، وخطه في المشاركة كسقف واقعي لتوسيع قاعدة النظام وتطويره من الداخل، وفي هذا السياق، هلّلنا لتوزير الرفيق قدري جميل؛ إلا أن الأخير ورّطته أوهامه حول الحل الدولي، ولهفته لحجز مقعد في «جنيف 2»، لمغادرة موقع رجل الدولة، للإفادة من ضغوط الحرب على سوريا لحجز موقع أفضل في صفوف المعارضة؛ فخسر، وخسّرنا فرصة ثمينة لترسيخ الخط الوطني الاجتماعي في قلب الدولة السورية.
القضية الخامسة، الجيش العربي السوري ليس طرفاً سياسياً وإنما هو عماد الجمهورية والسلم الأهلي والتغيير؛ فلو كان هذا الجيش جيش النظام لتفكك منذ وقت طويل، وانقسم ليجعل من الحرب على سوريا حرباً أهلية تحطم الدولة الوطنية. لكن الجيش، بتماسكه الذاتي كمؤسسة وطنية جمهورية، وصموده، استطاع ألا يكون طرفاً في حرب أهلية، بل قوة وطنية تقاتل من أجل وحدة الدولة الوطنية وسيادتها. أليس من اللافت أن وحدات هذا الجيش تقاتل في تناغم كامل على آلاف نقاط الاشتباك التي لا يمكن إدارتها مركزياً؟ والأهداف القتالية للجيش العربي السوري وطنية بامتياز؛ فهي تتمحور حول منع تفكك الجمهورية، ومكافحة المنظمات الإرهابية، ومواجهة العدوان الخارجي، وبسط السلم الأهلي في البلاد. وعلى هذا، فإن حديث المعارضين عن العنف والعنف المضاد في سوريا، ليس سوى طعنة في ظهر جيش وطني سيكون له، شاء النظام أو معارضوه أو أبوا، دور حاسم في تحديد مستقبل سوريا السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فالضباط والجنود الذين يخوضون معركة الجمهورية هم كادحون من أبناء الفئات الشعبية، ويعلو تماسكهم الوطني والمؤسسي على الانقسامات الطائفية والإثنية، وهم لا يقاتلون دفاعاً عن مصالح رأسمالية أو جهوية أو طائفية، بل عن المصالح الوطنية العليا للوطن السوري؛ ولذلك، سيكون هؤلاء قوة أساسية لا يمكن تجاهلها في إعادة بناء سوريا الجديدة، وسيكون لهم فيها دور بنّاء وطنياً واجتماعياً. ولو أن هناك معارضين وطنيين جادين، لكانوا استبصروا تجربة جيشهم في هذه الحرب الشرسة، وانخرطوا في صفوف الجهد العسكري الوطني، وامتنعوا عن ترداد الموقف السعودي ـــ كما «الهيئة» ـــ في إدانة المساعدة الشجاعة التي يقدمها مقاتلو حزب الله للجيش العربي السوري، أو عن ترداد العبارة الجوفاء ـــ كما قدري جميل ـــ باستحالة الحسم العسكري. رفيقنا قدري وضع نفسه في موقف غير مقبول إطلاقاً حين صرّح، علناً، بأن الجيش الوطني غير قادر على الحسم؛ يمثل هذا الموقف طعنة في ظهر الضباط والجنود المقاتلين؛ لم يكتف جميل بذلك، بل قادته أوهامه الدولية إلى مغادرة موقع رجل الدولة في مسعى لكسب الاعتراف به «معارضاً» من قبل أعداء سوريا.
القضية السادسة: الانتصار في الحرب الوطنية شرط لقيام المعارضة الوطنية؛ فالمهمات الرئيسية الآن في سوريا تتمثل في تحقيق ثلاثة أهداف، هي: (1) تدمير المنظمات الإرهابية وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية، (2) منع العدو الإسرائيلي من تحقيق أي مكاسب في الجولان، والحفاظ على قدرات الجيش العربي السوري في مواجهة التهديد الصهيوني والخارجي، (3) تطبيع الحياة اليومية وتوطين المهجرين وتشغيل الاقتصاد الوطني. وتحقيق هذه الأهداف ضروري للانتقال إلى قراءة الاصطفافات الاجتماعية السياسية الجديدة في سوريا التي ستظهرها عملية إعادة البناء، لمصلحة مَن، وكيف؟ وهل ستؤدي عملية إعادة البناء إلى الخضوع للمؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب، أم سيتم الحفاظ على استقلالية الاقتصاد السوري؟ وهل يُعاد بناء البلد على أساس إحداث اختراق تنموي وطني لمصلحة الأغلبية أم على تنشيط القطاعين المالي والعقاري لحساب الأقلية الكمبرادورية؟ وهل يمكن بناء جبهة شعبية ضد الفساد؟ وهل سيتم إصلاح الأجهزة الأمنية بحيث تهتم بمطاردة الإرهابيين والعملاء، وليس المثقفين النقديين؟ وكيف سيكون من الممكن إعادة بناء النقابات والهيئات الشعبية وتفعيل السياسة ـــ بوصفها صراعاً سلمياً لتوزيع الموارد ـــ لا بوصفها شعارات ليبرالية تخفي أحقادا طائفية. وأخيراً، سوف يكون دور سوريا في إعادة بناء هيكلية للمشرق العربي مطروحاً بصورة موضوعية للنقاش والعمل. كل ذلك وسواه من الشؤون المحلية والتفصيلية سيكون حاضراً كفضاء لبناء المعارضة الوطنية الآتية؛ فالمعارضة الوطنية تتمثل بالدولة الوطنية ومصالحها، ولا تستحق بغير ذلك أن تكون بديلاً.