يعدّ رايان كروكر _ سفير أميركي سابق في سوريا وفي العديد من الدول الأخرى، والخبير في شؤون المنطقة العربية _ أحد أبرز ممثلي «الواقعية» السياسية في الأوساط الدبلوماسية الأميركية، وهو معروف أيضاً، على الصعيد العالمي، كخبير وممثل جيّد للبراغماتية الدبلوماسية الأميركية.


مناسبة هذا الكلام عن السيد كروكر، الذي لا يضيف شيئاً إلى ما هو معلوم عنه، هو إطلالته اللافتة، في هذا الظرف الذي تمر به سوريا، على صفحات جريدة «نيويورك تايمز» ليقول ناصحاً إدارته: «نحن بحاجة إلى بدء التحدث مع نظام الأسد مرة أخرى...». لكنه ينصح بأن يتمّ ذلك «بسرية للغاية، وبهدوء...». ويبرّر كروكر ضرورة التحدث مع الأسد بقوله: «فعلى الرغم من سوء الأسد، لكنه ليس بسوء الجهاديين الذين يمكن أن يتولوا الحكم في حال غيابه».
يعترف كروكر بأنّ النظام «قد لعبها صحّ»، وبنى استراتيجيته كلها على أساس أنّ العنف المفرط هو الذي سوف يدفع الناس إلى حمل السلاح، وسوف يخلق، بالتالي، كل الظروف الملائمة لصعود القاع الاجتماعي، الريفي منه على وجه الخصوص، إلى الواجهة ليتقدم صفوف المعارضة المسلحة الجهادية المتطرفة، ويحوز قطبيتها السياسية والعسكرية في مواجهة قطبية النظام. هذا في الجانب الموضوعي من المسألة، لكن النظام لم يكتفِ بذلك، بل عمل عليه بصورة مباشرة أيضاً، من خلال إخلاء سجونه، في بداية الانتفاضة، من كل القوى المتطرفة الجنائية وغير الجنائية ودفعها إلى ساحة الفعل العسكري كما تشي بذلك معلومات كثيرة. يقول كروكر: «لقد نجح نظام بشار الأسد في خلق وتسويق المنظمات الإرهابية التي يحتاج إليها للبقاء على قيد الحياة، على الأقل في جزء من سوريا». وبدلاً من أن يشعر كروكر بالخجل والحياء مما آلت إليه أوضاع سوريا والسوريين التي قادهم إليها نظامهم، بمشاركة موضوعية ومباشرة من قبل إدارة بلده، من خلال دعمها منذ البداية للخيار العسكري في سوريا وتزويدها «المجاهدين» بالمال والسلاح، في تأمين مباشر لنجاح استراتيجية النظام، فهو يطالب بالثناء عليه. يقول كروكر «النظام يستحق الثناء الكامل...» لما تميّز به من «جرأة وعزم وفكر دموي»، فهو «حرق سوريا بالنيران». وبطبيعة الحال هذا ما تريده أميركا والغرب عموماً، وإسرائيل على وجه الخصوص. وإذ يشكره كروكر، فإنه يشكره لهذا السبب. وبعد إنجاز هذه المهمة بنجاح وفق المقاييس الأميركية، يطالب كروكر بتفهم الأسد، إذ يقدم نفسه على أنه «رجل إطفاء». ولذلك ينبغي أن يسحب من التداول فوراً، ونسيان الحديث عن «الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها»، وعن ضرورة «تنحي الأسد».
هكذا إذاً، ينبغي أن يسحب من التداول المطلب بتنحي الأسد، بحسب كروكر، كما تقتضي «الواقعية السياسية»، لا لأنه صار يواجه القوى الجهادية المتطرفة، التي يخشاها الغرب عموماً، بل لأنه ببساطة انتصر على «الولايات المتحدة والغرب»، وأنه بالتالي حان الوقت لوضع «شروط الاستسلام». ومهما وصفتم النظام بعبارات أخلاقية سلبية، تأثراً بفظاعة ما يقوم به يومياً من «جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية»، فهو النظام الذي «ينبغي» أن تبدأوا «الحديث معه».
بالطبع، السيد كروكر لا يقول كلمة واحدة عن مسؤولية بلاده في ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا، وكيف أنها كانت تراقب عن كثب صناعة التطرف في سوريا ليس فقط من قبل النظام، بل من قبل دول عديدة فاعلة في المنطقة وفي أوروبا، بل كانت تشارك في ذلك مع الآخرين بتشجيع قدوم آلاف الإرهابيين من مختلف دول العالم ومن أميركا وأوروبا بالذات إلى سوريا، وتقديم الدعم المالي والعسكري لهم. لقد قيل الكثير، ويبدو لي فيه وجه صواب، أن أميركا وحلفاءها عملوا بصورة مدروسة على تجميع الإرهابيين من جميع دول العالم وسوقهم إلى المحرقة في سوريا، غير مكترثين بأن نار هذه المحرقة سوف تطال السوريين وعمرانهم ومصادر رزقهم.
اليوم فقط، وبعد نحو ثلاث سنوات على الصراع المسلح في سوريا، تعلن الخارجية الأميركية في بيان رسمي لها ضرورة منع الإرهابيين من القدوم إلى سوريا، وتجفيف منابع الدعم المالي والعسكري لهم... لقد حققت أميركا كل أهدافها في سوريا، فقد تحقق لها أولاً؛ تدمير البلد وتمزيق وحدة شعبه وخروجه من معادلة الصراع مع إسرائيل لعقود من السنين. وثانياً نجحت في تجميع الإرهابيين من كل دول العالم في سوريا لتصفيتهم، ولن تقبل بأقل من ذلك في أية تسوية محتملة تصدر عن مؤتمر «جنيف 2». وثالثاً؛ فقد شوهت سمعة حزب الله كحركة مقاومة كان لها في قلوب السوريين منزلة مقدسة، عداك عن تكبيده خسائر بشرية كبيرة جراء تدخله العسكري في سوريا. ورابعاً؛ فقد حالت دون تحوّل انتفاضة الشعب السوري إلى ثورة حرية وكرامة وديموقراطية، الأمر الذي كانت تخشاه كثيراً نظراً إلى موقع سوريا الجيواستراتيجي، وتأثير ذلك على أمن إسرائيل وأمن واستقرار المنطقة عموماً.
ويبقى السؤال عن دور السوريين أنفسهم، نظاماً ومعارضة، في تنفيذ هذه الاستراتيجية الأميركية؟ في الحقيقة، من الأصح حصر السؤال بالمعارضة فقط، باعتبار أن النظام كان قد بنى استراتيجيته في مواجهة مطالب شعبه منذ البداية على العنف، بل والإفراط فيه، ما قضى على انتفاضة الشعب السوري في سبيل الحرية والديموقراطية، وحوّل الصراع الجاري إلى صراع بينه وبين قوى إرهابية موصوفة. إن مسؤولية المعارضة التي صارت توصف بالخارجية، والأصح أن توصف بالمعارضة المصنّعة أميركياً. وإذا أخذنا على محمل الجدّ تصريحات السيد روبرت فورد فهي لا تقل عن مسؤولية أميركا وحلفائها في إعادة تعويم النظام، بل هي شريك موضوعي ومباشر في وأد انتفاضة الشعب السوري من خلال استجابتها دون تبصّر لإغواء السلاح، فشجعت على عسكرة الانتفاضة، وهذا بالضبط ما كان يريده النظام.
اليوم، ومن خلال مؤتمر جنيف كانت قد لاحت فرصة تاريخية، ربما لن تتكرر، لكي تصوب هذه «المعارضة الخارجية» بعض أخطائها القاتلة بحق الشعب السوري، وذلك من خلال التركيز على هزيمة النظام سياسياً من خلال ضمان مستقبل ديموقراطي حقيقي لسوريا، والعمل من ثم على وقف العنف، ومنافسته في صندوق الاقتراع. لكنها لم تفعل للأسف، بل استمرت في تقديم الذرائع له للاستمرار في العنف من خلال إعلانها وفاة الخيار السياسي، وهذا ما كان يريده النظام بالضبط.
* كاتب سوري