يقف السوريون في بداية السنة الرابعة من أزمتهم التي حوّلتهم نتيجة تداخل وتراكب عواملها، وانفتاحها على التناقضات الدولية والإقليمية إلى أدوات تُصهر في بوتقة المشاريع الدولية الكبرى. وقد كان واضحاً منذ البداية، إنّ مآلات الصراع السوري سوف تحدد مصير المنطقة العربية، ومستقبل التحالفات السياسية على المستويين والإقليمي والدولي.


قد يكون الكلام عن واقع سوريا السياسي والاقتصادي قبل الأزمة مكروراً، لكنّه يُحدّد بعض من أسباب الحراك السوري. في وقت يواجه فيه من يؤكد على أن الأزمة العامة والمركبة، كانت الدافع الأساس للحراك، دعاة المؤامرة، التي تستهدف من وجهة نظرهم، سوريا ونظامها العروبي المقاوم، لإعادة رسم الخارطة الجيو سياسية للمنطقة. بالتأكيد يحمل هذا الموقف الكثير من الصوابية. لكنه يكتنف في فصله عن العامل الأول، كثيراً من الإجحاف بحق السوريين الذين لم يعودوا يطيقون صبراً بأزمتهم التي كانت تتراكم مفاعيلها وأسبابها، نتيجة لتفشّي مظاهر القهر السياسي، الذي تحوّل في سياق إعادة إنتاج السلطة، إلى أحد ملامح الأزمة البنيوية. كذلك الإفقار العام ونهب الموارد والثروة الوطنية، وانتشار مظاهر الفساد، الذي ساهم في تمكينه آليات سياسية واقتصادية رسمية. إن إطلالة سريعة على واقع سوريا قبل الأزمة، يوضّح الكثير من الأسباب الداعمة لمشروعية أهداف الحراك السلمي في تجاوز الأزمة البنيوية العامة والمركبة. للانتقال إلى نموذج سياسي اجتماعي واقتصادي ديمقراطي يحقق العدالة الاجتماعية، ويفتح المستقبل على نظام سياسي ديمقراطي يضمن الحريات السياسية والأساسية والعامة.
فالأزمة السورية قبل اندلاع «الثورة» يمكن مناقشتها على مستويين. الأول سياسي يتجلى في احتكار السلطة واعتماد القهرية والعنف والإقصاء والتهميش لتجفيف منابع الحياة السياسية. إقصاء الشباب عن النشاط المدني والسياسي المستقل. سيطرة المؤسسات الحزبية والأجهزة الأمنية على كافة التفاصيل اليومية والمراحل العمرية. ذلك من خلال الهيمنة على المؤسسات التعليمية والقطاعات الإنتاجية والخدمية والمنظمات الشعبية والنقابية وصولاً إلى الأحزاب المنضوية في إطار «الجبهة الوطنية التقدمية». فالمجتمع بكامل تفاصيله وحيثياته كان محكوماً من منظور المادة الثامنة، الذي عزّز الاشتغال فيها مظاهر الفساد والمحسوبيات والولاءات الشخصية والاستزلام والنفاق السياسي... والأهم أنها شكلت مدخلاً إلى إحكام القبضة الأمنية على المجتمع. مما ساهم في تفريغ المجتمع من السياسية، وتشكّل فجوة واسعة بين الشباب والعمل السياسي والمدني، ووسّع الفجوة العمرية بين الناشطين السياسيين والشباب. إذ أنّ الكهولة كانت السمة الطاغية في القوى السياسية، وهذا يهدد باندثارها في حال بقيت السلطة تقصي المجتمع عن الحياة السياسة، وبقيت هذه القوى مُبعدة وبعيدة عن النشاط ضمن الأوساط الشبابية. إضافة لذلك فقد كانت الفجوة المعرفية تتسع بين أجيال المجتمع السوري، وبين الداخل والخارج. في السياق ذاته اتّبعت الجهات المسؤولة، سياسة غضّ النظر عن نشاط الحركات الدعوية الإسلامية في المدارس والمعاهد الشرعية والجمعيات، مما ساهم في تمكين الحواضن الاجتماعية والفكرية للسلفية الإسلامية الأحادية، التي تحولت زمن الأزمة إلى منصّات للجهاد الإسلامي، تتقاطع عليها مصالح هذه الأطراف، مع جهاديين وافدين يفيضون بالعنف الجهادي الإلغائي ضد إي نزوع مدني علماني وديمقراطي.
في المستوى الاقتصادي، تم اعتماد سياسات الانفتاح الاقتصادي، التي شكلت المدخل إلى تحرير الاقتصاد والتجارة وحركة رأس المال والأسعار والأسواق والخدمات. وقد ساهم هذا التحوّل في تراجع الإنتاج الوطني الزراعي والصناعي العام نتيجة تقليص الدعم الحكومي وأسباب أخرى. بينما فُتحت أبواب الدعم والتسهيلات أمام الإنتاج الخاص المرخص وغير المرخص. إضافة لذلك فقد انكشفت ذات المرحلة عن حالات التزاوج غير الشريعي بين رأس المال والمستثمر من جهة، وأصحاب القرار السياسي ومن يسيطر على الثروة الوطنية من جهة أخرى. وبين طرفي هذه المعادلة كانت فئات وكتل بشرية كبيرة تنحدر إلى أدنى درجات السلّم الاجتماعي. لقد كشفت السياسات الجديدة عن تخلي السلطة عن دعم الفئات الاجتماعية الفقيرة ودفعها إلى مستنقعات الفقر والبطالة. وكان هذا مؤشراً على تغيّر في بنية السلطة التي رأت بعد استنزاف الموارد والثروات الوطنية، إن استمرار سلطتها يكمن في تحرير الاقتصاد واعتماد التجارة كقاطرة للتنمية، والقطع مع أي تحوّل ديمقراطي يساهم في إطلاق الحريات السياسية والمدنية ويضمن تحقيق العدالة الاجتماعية. هذه التحولات عمّقت التناقض الاجتماعي، وزادت من معدلات الإفقار والبطالة، وقضت على الفئات الوسطى، وساهمت في القضاء على ما تبقى من القطاعات الإنتاجية وتحديداً المملوكة من قبل الدولة. وهذا بالضرورة كان يستدعي مزيداً من السياسات الأمنية، لقمع أي تحرك سياسي يناهض ميول السلطة السياسية والاقتصادية.
وقد ساهم المناخ السياسي والاقتصادي السائد في تعميق الفساد وتحوّله إلى وعي عام. وهذا لا يعني أن المواطن السوري فاسد، لكن شروط وعوامل الأزمة أجبرته على اعتماد أساليب ملتوية لتحقيق هامشاً من الاستقرار الذاتي. وساهم أيضاً في اتساع تأثير ودور الانتماءات والتشكيلات قبل الوطنية (عشائرية، مذهبية، جهوية، عرقية، عائلية...) وتنامي مظاهر الإستزلام والتملق والمداهنة والمراوغة والتقيّة والمحسوبيات والنهب، وكذلك نشوء مافيات ذات وظائف ومهام متعددة ومختلفة، استغلت وضعها الطائفي وغطاء السلطة. وكان هذا التحول مؤشراً على تراجع دور الدولة الاجتماعي وعجزها عن انجاز مشروعها التنموي، وفشلها في التحوّل إلى دولة المواطنة، التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات. جميع العوامل التي ذكرناها، كانت من أسباب الحراك الشعبي، وكذلك من أسباب فشل الحراك المدني والسياسي السلمي، الذي كان نجاحه يحتاج إلى قوى سياسية ومدنية وحوامل اجتماعية قادرة على إحداث تغيير اجتماعي وسياسي نوعي. فالعوامل التي حكمت المجتمع قبل الأزمة، انعكست بأشكال سلبية على مجريات الأزمة التي ساهم في تعميقها، الحلول الأمنية، عسكرة الحراك السلمي، طغيان الجهادية التكفيرية، تناقض المصالح الدولية في سوريا وعليها. تدفق الدعم والتمويل إلى أطراف الصراع المتكاثرة والمتوالدة. فتح الحدود لتسهيل دخول الجهاديين الذين حولوا سوريا إلى ساحة للجهاد العالمي. تراجع دور السوريين الذين يتمتعون بوعي عقلاني وموضوعي ويؤمنون بضرورة التغيير الوطني الديمقراطي السلمي كمخرج من الأزمة. ولم تسلم هذه الفئات من الضغوط الأمنية، إذ يعانون نتيجة مواقفهم الموضوعية زمن الأزمة ضغوطاً متزايدة من قبل أطراف الصراع، وتحديداً المستفيدين من استمراره. وقد ساهم تحوّل بعض الأطراف عن شعارات الحرية والوحدة الوطنية ونبذ العنف والطائفية والتدخل الخارجي إلى شعار إسقاط النظام، وعسكرة الحراك السلمي، واعتماد خطاب وأدوات وآليات مذهبية، عقائدية، طائفية، جهوية، إقصائية، الغائية، والقبول بالارتهان والدعم والتمويل الخارجي الذي مهّد الطريق لفرض أهداف الدول الداعمة على من يدّعي تمثيل الشعب السوري، في القضاء على أحلام السوريين في مستقبل ديمقراطي تسوده العدالة الاجتماعية. وتحديداً مع تزايد العنف الجهادي التكفيري، الذين استغل قادته الأزمة ودفاع قادة معارضة الخارج عنهم واعتبارهم من مكونات «الثورة» رغم تُهم الإرهاب التي وجهت إلى بعض المجموعات. في وقت لم تتراجع القيادات ذاتها عن رفضها لأي شكل من أشكال التعاون والتنسيق مع معارضة الداخل. فكانت آليات اشتغالها تتقاطع مع المتشددين في السلطة وخارجها لتعطيل الحلول السياسية، وإخراج السوريين المدافعين عن التغيير الديمقراطي السلمي من الساحات، التي تحولت إلى ميادين قتال تعج بكل من هب ودبّ. وقد شكّل هذا تراجعاً واضحاً عن الأهداف والشعارات والمهمات الوطنية والديمقراطية، مقابل تنامي دور المفاهيم العصبوية الضيقة، وتهدّم المفاهيم والأطر الوطنية الجامعة في سياق الانحدار إلى أطر وتشكيلات مجتمعية ذات بّعد مذهبي عقائدي جهوي عشائري عائلي. حتى أن بعض التشكيلات السياسية تحوّلت في سياق الأزمة إلى مكونات دون وطنية. فقد بات المواطن السوري يلمس انحدار مكونات المجتمع السوري الأهلي وحتى المدني والسياسي إلى حقول العصبوية التي تُشكل إرتكاساً ونكوصاً عن مستوى التطور الاجتماعي الذي كان سائداً قبل الأزمة، رغم أنه كان تطوراً شكلانياً يخفي ملامح التخلف الذي حاولت مؤسسات الدولة إخفاءها بمظاهر علمانية شكلانية لا تُعبر عن البنية العميقة لوعي المجتمع وبنية السلطة. وقد تزامن تراجع دور الدولة والمؤسسات المدنية والقوى السياسية، مع تنامي تأثير الفكر السلفي الذي اقترن بالجهاد الوافد والأصيل في قمع مظاهر الفكر التنويري والعلماني، ومع التراجع عن المفاهيم والانتماءات الوطنية. وقد عززت هذه التحولات التشتت والتناقض والصراع العصبوي المرتهن لإرادات دولية.
إن تخلّع البنى المجتمعية، وتشظيها إلى مكوناتها الأولية، وتدمير القطاعات الإنتاجية والخدمية والبنى التحتية،والمرافق العامة، والمنشآت النفطية، سرقة وتهريب المشتقات النفطية، تفكيك المصانع وتهريبها، وضرب القدرة الدفاعية والهجومية للجيش السوري. يدلّل على مخاطر تحلل الدولة الكيانية، وإدخال المجتمع القائم على التنوع في صراع مركب ومتداخل. فتحوّل أشكال التناقض، من أشكال سياسية، إلى صراع ديني طائفي مذهبي عشائري جهوي عرقي اثني مسيّس. ساهم في تبدّل الحوامل الاجتماعية للتغيير، وانقسام المجتمع على ذاته أفقياً وعمودياً. وهذا يُخيف السوريين من مستقبل يمكن أن يحوّله العنف العصبوي، إلى كارثة وطنية، من سماتها تحلّل الدولة الكيانية ودخول مكونات المجتمع في صراع مفتوح ومركب. أخيراً نشدّد على أن الخروج من الأزمة إلى فضاء سياسي يعيد لقوى المجتمع زمام مستقبلها السياسي والاجتماعي ينحصر في تحمّل الأطراف السورية لمسؤولياتهم الوطنية. والتمسّك بالمفاهيم الوطنية والديمقراطية، ورفض العنف بكافة أشكاله ومستوياته، وتكثيف الجهود الوطنية من أجل إنهاء الصراع بما يضمن تحقيق أهداف السوريين في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ورفض كافة مظاهر التعصب (طائفي، عرقي، إثني، جهوي) ومجابهة مظاهر النكوص العصبوي، ورفض التدخل الخارجي، ورفض أي شكل من أشكال التبعية والارتهان. التمسك بوحدة الأطر الوطنية، وضع الأسس الكفيلة بإنجاح تسوية شاملة تضمن حقوق كافة المتضررين من الأزمة (مهجّرين، مخطوفين، معتقلين...). بعد تمكين حالات المصالحة الجزئية، يُفترض العمل على توفير الشروط المناسبة للانتقال إلى إنجاز مصالحة وطنية عميقة وشاملة تشكّل مدخلاً لحوار وطني شامل يمهد الطريق ويضع الأسس للانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي،الربط بين التنمية والديمقراطية. والمحافظة على عوامل قوة الدولة وتماسكها، فقوة الدولة واستقلال قرارها يشكّل الضمان لتحقيق التنمية والديمقراطية. أما في الدولة الفاشلة والمتحللة كيانياً، فلا معنى للحديث عن التنمية أو الديمقراطية، لأن الحديث عن إنجاز تنمية في هكذا دولة لا يعدو عن كونه هراء. فيما الدعوات إلى التحوّل الديمقراطي لا يعني إلا مزيداً من الضعف والتحلل للدولة.
* باحث وكاتب سوري