أبرزَ القرن الماضي، وخصوصاً في منتصفه مفكرين «شيعة» من الطراز الرفيع، ممّن كان لهم دور رائد ومكانة كبرى في الأحداث السياسية للعراق ومحيطه؛ جميعهم احتضنتهم وخرّجتهم مدينة النجف، منهم محمد مهدي الحكيم الذي اغتيل في السودان عام 1988، من دون أن يترك أي كتابات منشورة، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله، ومحمد باقر الصدر. اليوم، تحلّ الذكرى الأربعون لإعدام النظام السابق للصدر، وهي مناسبةٌ لإعادة تسليط الضوء على مشروعه السياسي، بوصفه «الأب الروحي» لـ«الإسلام السياسي الشيعي»، في بلاد الرافدين.

جاءت خمسينات القرن الماضي حاملةً تحدياً لـ«الإسلاميين»، الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على تقديم حلول وإجابات الإسلام على مشكلات العصر، ليس من خلال الفتاوى المستحدثة التي تعالج المشكلات الفردية، بل عليهم تقديم أطروحاتٍ بشكلٍ متكامل كبديلٍ عصري عن أطروحات القوميّة والرأسماليّة والاشتراكيّة، والتي وجدوا فيها تبعيّةً للغرب بسبب استيراد المنهج حتى مع اختلاف المادة والتجربة.


في العراق، ابتدأ الخطاب الإسلامي يطرح خطواته النوعيّة الأولى، عبر مجلة «الأضواء» التي كان فيها يكتب الشاب محمد باقر، لطرح مشروع سياسي بديلٍ للرأسمالية والاشتراكية على حدٍّ سواء؛ افتتح نظريّته السياسيّة بالحزب، والتي أخذت تتطور مع تقدمه في السن لتكتسب هيئة مشروعٍ سياسي. تشكيل الحزب السياسي عند الصدر ليس هو الغاية في ذاته، إنما وسيلة لإقامة «الدولة الإسلامية»، لذلك حدّد منذ البداية ثلاث مراحل للحزب، وهي:
1- مرحلة تكوين الحزب وبنائه، والبدء بالتغيير الفكري للأمة
2- مرحلة العمل السياسي، والتي يتم من خلالها جلب نظر الأمة إلى الأطروحة الإسلاميّة للحزب ومواقفه السياسية، لتمارس الأمة دورها في تبني تلك المواقف والدفاع عنها
3- مرحلة استلام الحكم، فالحكومة الإسلاميّة في نظره ضرورة دينية وحضارية في آنٍ واحد
لكن هذا الحكم الإسلامي يحتاج إلى أساسٍ يستند إليه، فيكمل الصدر رسم مخططه السياسي. هنا، يتنقّل الصدر بين ثلاث نظريات لأساس الحكم الإسلامي، حدّدتها مراحل وعيه وعمله السياسي، فيبدأ أولاً باعتماد «نظرية الشورى» أساساً لنظام الحكم الذي يديره الحزب، وهو ما كتبه بعنوان «الأسس» لـ«حزب الدعوة الإسلامية». لكن لاحقاً تخلّى عنها، عندما وجد أنّ «أدلّتها الشرعية» وإطارها العام لا يوفران لرأس النظام السياسي الصلاحيات الكافية لممارسة دوره المطلوب «تشريعياً» ــــ في دائرة الفراغ التشريعي ــــ وتنفيذياً، لذلك انتقل إلى المرحلة الثانية من أساس الحكم وهي نظرية «ولاية الفقيه»، والتي لها جذورها التاريخية المعروفة؛ فحكومة النبي كان امتدادها الإمامة، وكما كانت الإمامة امتداداً للنبوّة، فقد امتدت هي الأخرى في «المرجعية»، وتحمّلت «المرجعية» أعباء هذه الرسالة، وقامت على مرّ التاريخ بأشكال مختلفة من العمل في هذا السبيل أو التمهيد له بطريقةٍ أو بأخرى، وهذا ما عبّر عنه تحديداً في كتابه «لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الدولة الإسلامية».
أوضح الصدر أن انشغال «المرجعية» بالفتاوى المتعلقة بالمشكلات الفردية ليس هو الغرض من وجود الفقيه، بل عليه مزاولة الحياة الاجتماعية والسياسية، ولكن لأن المذهب الشيعي مرَّ بظروفٍ سياسيّةٍ صعبة، جعلت الفقيه منعزلاً فأصبح هذا الفعل اتجاهاً ثابتاً عن المؤسسة الفقهية الشيعية. وبالفعل، لاقى الصدر عزوفاً في وسط الحوزة الدينيّة، عن هذه النظرية ولم يسانده فيها إلا روح الله الخميني (مؤسس الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران). لاحقاً، تراجع الصدر نفسه عن هذه النظرية، متجهاً إلى نظريّة ثالثةٍ تُعتبر تتويجاً لمشروعه السياسي، وهي وسطية بين «الشورى» و«ولاية الفقيه»، وقد عبّر عنها في كتابه «الإسلام يقود الحياة»، والتي يمكن إجمالها بست نقاط:
1- «إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات»؛ هذه الحقيقة تعني أن «الإنسان حرٌّ، ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أخرى أو لأي مجموعة بشرية عليه... وبهذا يُوضع حدٌّ نهائي لكل أشكال التحكّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان». فالحاكم ليس ظل الله على الأرض، ومن هنا فليس للفقيه أيّ سلطان من هذا النوع، بل هو مجبر على تطبيق القانون وحماية الشريعة، لا جعل القانون والشريعة لحمايته.
2- «إن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، بمعنى أنها المصدر الذي يُستمد منه الدستور، وتُشرع على ضوئه القوانين في الجمهورية الإسلامية»، وذلك على النحو التالي:
أ- إن أحكام الشريعة الثابتة بوضوح فقهي مطلق، تُعتبر بقدر صلتها بالحياة الاجتماعية جزءاً ثابتاً في الدستور، سواء نصَّ عليها صريحاً في وثيقة الدستور أم لا.
ب- إن أيّ موقف للشريعة يحتوي على أكثر من اجتهاد، يُعتبر فيه نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستورياً، ويظل اختيار البديل المعيّن من قبل هذه البدائل موكولاً إلى السلطة التشريعية، التي تمارسها الأمة على ضوء المصلحة العامة.
ج- في حالات عدم وجود موقفٍ حاسم للشريعة، من تحريم أو إيجاب، يكون للسلطة التي تمثّل الأمّة أن تسنّ ما تراه من قوانين، على أن لا يتعارض مع الدستور. وتُسمى مجالات هذه القوانين بمنطقة الفراغ.
3- «إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أُسندت ممارستهما إلى الأمة، فالأمة صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعيّنها الدستور، وهذا هو حق استخلاف ورعاية مستمدة من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى». تمثل هذه النقطة عصب نظرية الحكم، فالأمة المبنية على مفهوم الاستخلاف هي صاحبة الحق في ممارسة السلطة ـــ من يقوم بإدارة البلاد (رأس السلطة التنفيذية) ـــ وكذلك عبر انتخاب «مجلس الشورى» (الهيئة التشريعية).
4- «المرجع هو النائب العام عن الإمام من الناحية الشرعية»، وعلى هذا الأساس يكون «هو الممثل الأعلى للدولة والقائد الأعلى للجيش»، ويتولّى «ترشيح أو إمضاء ترشيح الذين يتقدمون للفوز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذية»، ويتولى «إنشاء ديوان المظالم ـــ السلطة القضائية، في كل البلاد».
5- «يكون للأمة الخلافة العامة على أساس قاعدة الشورى، والتي تمنحها ممارسة أمورها بنفسها، ضمن الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام».
في العراق ابتدأ الخطاب الإسلامي يطرح خطواته النوعيّة الأولى عبر مجلة «الأضواء» التي كان يكتب فيها الشاب محمد باقر


6- «الأمة هي صاحبة الحق في الرعاية وحمل الأمانة، وأفرادها جميعاً متساوون في هذا الحق أمام القانون، ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن آرائه وأفكاره، وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله، كما لهم جميعاً حق ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية». على هذا الأساس، وضع الصدر نظريته للحكم رافضاً نظرية القوّة والتغلّب، ونظرية الحق الإلهي، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة، كذلك من الناحية الوظيفية يرفض الأصالة الفردية وعدم التدخل مطلقاً. كذلك يرفض أصالة المجتمع أو المذهب الاشتراكي، وبكلماتٍ أخيرة يصوغ الصدر وظيفة الدولة، وهي «تطبيق شريعة السماء التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع، لا بوصفه وجوداً هيغلياً مقابلاً للفرد، بل بقدر ما يعبّر عن أفراد وما يضم من جماهير تتطلب الحماية والرعاية» (لمحة فقهية تمهيدية).
تبقى هنالك تتمة لتحديد دور الحكومة، فيوضح أن هنالك خطين: خط «الشهادة» وهو الرقابة، وخط «الخلافة» وهو الحكم؛ وفي زمن المعصوم (النبي/ الإمام) يكون الخطان مجتمعين في شخص المعصوم، وعندما تخلو الساحة من المعصوم فلا يمكن جمع الخطين معاً، إلا في حالة كانت الأمة خاضعة للطاغوت ومقصيّة عن دورها في الحكم، فيحق للفقيه أن يجمع الخطين في الحدود، ولكن إذا تحرّرت الأمة فخط الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية بتطبيق أحكام الله، وعلى أساس ركائز الاستخلاف الرباني، ويبقى خط «الشهادة»، الذي يراقب القيادة السياسية والاجتماعية التي أنتجتها الأمة، وبهذا تتوزّع المسؤوليات عند الصدر في «عصر الغيبة»، غيبة المعصوم.
وكان الصدر في طريقه لوضع مواصفات المرجع الصالح ممثل خط الشهادة عن طريق كتاب «مجتمعنا»، لكن الوقت لم يكن بجانبه إذ كان يقود أقسى معاركه ضد السلطة، وكذلك لم تكن المرجعية التقليدية ولا قاعدتها الشعبية لتتقبلا مثل هذا الطرح، فأحجم عن الكتاب وقال: «إن مجتمعنا لا يسمح بـ«مجتمعنا»»، لكنه وضع ملاحظات مشفّرة لهذه المهمة، تولى بعض طلبته شرحها بعد استشهاده، لكنّها ظلّت ضبابية بعض الشيء كون الصدر لم يوضح مقصده منها.
هذا المشروع، وفي «عراق ما بعد 2003»، لم يطبق منه أي شيء أو يُختبر على أرض الواقع، اللهم إلا اسم الحزب الذي أسّسه «حزب الدعوة الإسلامية»، والذي كان بعيداً عنّ الرجل أداءً وخدمةً للأمّة والبلاد.

* باحث عراقي