أمّ الشهيد


في موروث الوجد الصوفي: أن ما يجتاح المتصوف من عشق وهيام لا يمكن أن يُدرك بالإخبار، بل هو تجربة لا يمكن لمن لا يعيشها أن ينقلها، تماماً كما الأمومة.
مهما هام القلم في صياغة الأحاسيس والمشاعر فإن الأمومة، تبقى سرّ من حمل سرّ الوجود في أحشائه، ثم أطلقه على صفحة الكون لتكون حياة. هي الأم الكلمة، التي تختزل سرّ الخلق وتبثّه في العالم. ولا يحول بينها وبين رغبتها في الإبداع والتجدد كل نوبات الألم ورحلة العذاب. تحمي وليدها، تحنو عليه، تحرسه، تفرح لفرحه، وتتألم لألمه. كأنما هي القيّمة على استمرارية الوجود.

لكن للأم وجهاً آخر مجهولاً يتعدى رعايتها لصغارها وتعلّقها بهم، وقد يكون مفهوماً عصياً على الفهم والإدراك: كيف تستطيع هذه الكائنة الخارقة أن تودّع شاباً حملته جنيناً وأرضعته صغيراً ورعته في كل مراحل فتوّته، وهي تعلم أنه قد لا يعود من رحلة: انها أم الشهيد.
ليس ألم أمّ لخسارة ولدها موضوع جدل أو دراسة سيكولوجية. فالألم الأقسى الذي يمكن أن يكون، هو بالذات هذا الألم، وفي هذا الموطن. فالشهداء ليسوا كائنات أسطورية، بل بشر خرجوا من أرحام نساء تأخذهن اللوعة لمجرد تخيل فقدان أبنائهن. لكنّ أمّاً تقدم وليدها في سبيل قضية سرعان ما تعتلي عرش أمومة الجماعة لترى في كل أقران ولدها أبناء لها يسيرون في دروب الحياة التي حلمت ولدها بها. وليس هناك من مرارة أفظع من فقدان أمّ لولدها إلا الشهادة على شهادة ضاعت سدى. فلا يكفي تمجيد أم الشهيد على أنها كائن أسطوري عاشق للتضحية وراغب في تقديم أعزّ ما لديه على مذبح الرب، أي رب. فهذا مجحف!
في عيد الأمومة تنبغي إعادة صياغة مفاهيم جديدة لكي لا تكون الأم المضحّية أمّاً ضحية لعبثيتنا واستهتارنا. فليست لوعة الأمومة موضوعاً شاعرياً وأسطورياً حالماً. بل هو ثلم في القلب لا يزول، وجرح في الروح لا يندمل، وأسى ودموع وأرق، وأوهام لعودة حبيب لن يعود. فهي تشتمّ رائحته، وتسمع صوته. وتنتظر عودته كل مساء، وتبكيه على كل وسادة تسند رأسها اليها. وهذه الأم لا تستحق أقل من الإحترام. وهو الإحترام لذواتنا، لبيئتنا، لمجتمعنا، وللمثل التي من أجلها حوت بيوتنا أمهات ثكلى.
إن مجتمعاً يضجّ بنساء متشحات بالسواد وفي حداد، هو أكثر ما يكون بحاجة لمن يبث فيه روح الأمل والفرح، كي تكون أمّ الشهيد فيه صانعة القصيدة الجميلة، لا أن تذوي كقصيدة قتيلة في لجّة رقصنا الغجري، وتفاصيل حياتنا البائسة.
في عيد الأمومة الى كل أمهات الوطن والعالم: كل عام وأنتن أمّهات.
أياد المقداد