منذ فترة، كتبت عن اختلاط المفاهيم بالنسبة إلى قضية العرب الأولى: فلسطين. وتوصلت إلى أنها قضية عربية، قبل أن تكون قضية فلسطينية فقط، ومن ثمّ يجب العمل على استعادة كامل التراب الفلسطيني، وليس الاكتفاء بالعودة إلى حدود ما قبل عام 1967، وأخيراً النضال بمختلف أنواعه لاستعادة أرض فلسطين، بما في ذلك الكفاح المسلّح. والآن، أتطرّق إلى اختلاط التعابير التي تتعلّق بهذه القضية. وأفصّل فأقول: إن هناك رابطاً وثيقاً بين اللغة والفكر، ولقد ثبت أنّ اللغة ليست فقط تعبيراً عن الفكر، وإنّما لها تأثير مباشر عليه، بحيث إنّ انتقاء التعابير اللغوية يؤدي في النتيجة إلى أن يجري تبنّيها على مراحل من قبل المواطنين عامة، وأهل الفكر والسياسة على وجه الخصوص. ولأعطي على ذلك أمثلة، ولا شك في أنّها ليست الوحيدة التي يجب تصحيحها.

أول مثل، هو ماذا نُطلق على العدو الإسرائيلي، أنَقول إنّه إسرائيل، أو دولة اليهود، أو الكيان الإسرائيلي، أو الكيان الصهيوني؟ التعابير الثلاثة الأُول، هي نوع من الاعتراف بالعدو. أما تعبير «الكيان الصهيوني» فواضح أنه لا يعترف للعدو بدولته، إنّما بأنّه كيان قائم نشأ على أساس فكر متعصّب ومزوِّر للتاريخ.
مثلٌ آخر هو كلمة المستوطنات، والمستوطنة في اللغة هي عبارة عن منطقة خالية استوطن فيها شعب ما. وهذا أمرٌ لا ينطبق أبداً على ما يسمّى بالمستوطنات الإسرائيلية، فهي في الواقع عبارة عن أراضٍ اغتُصِبت من شعب مقيم فيها وهُجِّر مواطنوها بالقوة، فكيف يمكننا كعرب أن نقبل بهذه التسمية؟ التعبير الصحيح، يجب أن يكون مستعمرة يهودية بدلاً من مستوطنة. من جهة ثانية، أدّى الخلاف بين «فتح» و«حماس» وانقسام السلطة بينهما، إلى استعمال تعبيرين أي الضفة الغربية وقطاع غزة، ورسَّخ في أذهان الناس أنّهما كيانان منفصلان وهما، مدانان في هذا الشأن، وزال اسم فلسطين بالكامل. في رأيي، يجب أن يتوقف ذلك فوراً، وإذا بقي الخلاف على حاله، وهو أمر مستهجنٌ كلياً، فيجب أن نقول فلسطين ـــــ الضفة الغربية وفلسطين ـــــ قطاع غزة.
المثل الثالث، بماذا ندعو العرب في الكيان الصهيوني: هل نقول إنهم عرب إسرائيليون أو فلسطينيون إسرائيليون؟ في نظري، إنّ التعبيرين خاطئان وهما بمثابة اعتراف بالكيان الإسرائيلي، ويجب أن يُستبدلا بتعبير «فلسطينيون تحت الاحتلال»، للتركيز على أنّ الكيان بكامله، أرضٌ مغتصبة ويجب تحريرها.
المثل الرابع، هو كلمة تطبيع أي عودة الأمور أو العلاقات إلى طبيعتها بين كائنين اثنين. هذه الكلمة مستعملة بكثرة في لغتنا المتداولة. ومع أنّ هذه الكلمة يتبعها في معظم الأحيان استنكار لمحاولة إعادة العلاقات سرّاً أو جهراً، بين العرب والعدو، إلا أنّ هذا التعبير يجب أن تتبعه كلمة خياني فيصبح «التطبيع الخياني»، كي يرسخ في أذهان الناس. إن كلّ إجراء يتعلّق بالتطبيع الإعلامي والسياسي والاقتصادي والإعلاني، هو عبارة عن خيانة موصوفة للقضية.
أورد هذه الأمثلة، على أنّها بعضٌ من كلٍّ ولا شك في أنّ هنالك أمثلة أخرى يمكن التطرّق إليها. وأعود وأشدد على أنّ التعبير الخاطئ يتسلّل إلى لا وعي الناس، فيتحوّل مع الزمن إلى اعتماده فكرياً وليس لغوياً فقط. أنا على ثِقة بأن هنالك أمثلة أخرى، يمكن تصحيح التعابير فيها، إلّا أنّني أوردت بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر.

* كاتب وسياسي لبناني