قال القيادي في «تيار المستقبل»، الدكتور مصطفى علوش، وهو يتحدّث قبل أيام من على شاشة قناة صحيفة «النهار»، إنه يريد لحديثه أن يكون صريحاً وشفافاً، وحسناً فعل! لكن صراحته تلك كانت وفق رؤياه، أما في نظرنا، ونظر الطامحين إلى لبنان الدولة المدنية، فكانت بعيدة كل البعد عن العمل الوطني الخالص، وعن شعارات «الجميع من دون استثناء» التي أطلقتها حركة 17 تشرين. لو أنّ الدكتور علوش، وعى بعقله وروحه معنى تلك الحركة ورموزها، وما اختزنته حناجر المتظاهرين وصدورهم، من حميةٍ وطنية ووجعٍ صادق، طاول لبنان كله، بما في ذلك طرابلس المدينة، حيث يعمل ويقيم، لكان صبّ جام نقده على حلف «14 آذار»، بقدر ما صبّ على حزب الله. لو فعل ذلك، لرفعنا له القبعة إجلالاً واحتراماً، لكنّه آثر أن يبقى أحادي الرؤية، وأن يستثني من النقد الفريق الذي ينتمي إليه، أي حلف«14 آذار»، كأنّ قادته رسلٌ وأخيارٌ، فعتب عليهم عتاب الصديق والحليف، لا لشيء، إلا لأنّهم فتحوا مع حزب الله والتيار الوطني الحر علاقة ما كان في رأيه يجب أن تُفتح، وعقدوا لقاء ما كان يجب أن يُعقد!

بمقدور السيد علوش أن ينتقد حزب الله ما شاء له الله أن ينتقد. بمقدوره أن يقول فيه الأقاويل، ويحمّله (كما قال)، الجزء الأكبر من مسؤولية التدهور المالي والاقتصادي والاجتماعي في البلد. حقّ علوش هذا، ورأيه الذي لن يجادله فيه أحد، لكن أن يعفي «لوردات الحرب» الملطّخة أياديهم بدماء الناس، من المسؤولية عن هذا التدهور، فخطأ لا يقبله عاقل، و«قوس لا تُركب على النشّاب»، كما تقول أمثال عرب البوادي. نطمئِن الدكتور علوش على أي حال، بأننا لسنا من جمهور حزب الله ونلفت نظره، وهو العليم، إلى أنّ هذا الحزب لم يظهر إلا بعد مضي سنوات عدّة على اندلاع الحرب الأهلية، أي أنّه وُلد في مزرعة وأرض يباب، ولم يولد في لبنان الدولة، ولو كانت الدولة قوية عادلة، لما ظهر نجمه في سمائها، ولا انتشر سلاحه على أرضها، وأما الذي مهّد لظهور هذا الحزب، وامتشق السيف وخرّب الدولة وحوّلها إلى مزرعة، فهم لوردات الحروب الذين يتخذهم السيد علوش اليوم، حلفاء له وأصدقاء!
لا يا سيّد علوش، كلامك يشي بأنك لست حيادياً، ولست مؤهلاً لأن تكون من بناة لبنان الجديد، لا أنت ولا رفاقك المنضوون في حلف «14 آذار»، ولا المنضوون في حلف «8 آذار»، ولا أنصار حزب الله والعاملون تحت رايته من السياسيين. أحاديو الرأي والموقف أنتم. كلّكم طائفيون وفاشلون وعاجزون عن بناء دولة. كيف يُبنى وطن، وبينكم من لا يزال يتلفّظ بعبارات غريبة كل الغرابة، مثل «السنية السياسية» و«الثنائية الشيعية»، و«الحصة الدرزية»، و«حقوق المسيحيين»، و«حقوق المسلمين»؟ كيف لهذا البلد أن ينهض من ركامه، وهذه العملة النادرة المشينة التي اسمها «حقوق الطوائف" ما زالت تُصرف في الأسواق؟! كيف للمواطن أن يحصل على حقوقه، والبلد بقرة حلوب، كل راع يستدر لبنها له ولعياله وأزلامه؟ كيف لهذا البلد الصغير الذي كان جميلاً أن يسترد سحره وجماله، وهو في قبضة الفاسدين؟ ستمرّ سنون طويلة على لبنان وستكون عجافاً، ولن يُنجز الاستقلال الحقيقي إلّا يوم يصبح ولاء شعب لبنان كله لعلم البلاد، ولعلم البلاد وحده، لا لأعلام الطوائف ورايات الأحزاب ورجال السياسة، ومن يساندهم من رجال الدين المتعاونين معهم في السراء والضراء!
في حديثك ذاك على الشاشة يا سيد علوش، لم تشأ «الخروج من الصندوق» كما تقول العبارة الإنكليزية. بقيت فيه ومضيت في استخدام مصطلحاته إلى أقصى ما تتطلّبه الشعبوية، وتقتضيه مصلحة التيار الذي في ظلّه تتفيّأ، فجاء على لسانك من العبارات أشدّها خطراً، مثل «الشارع السني» و«الشارع الشيعي» و«الطائفة السنية» و«الطائفة الشيعية». لفظتها من غير رادع ولا خجل، وأنت لا تدري، أو ربما تدري، أن فيها نفاقاً واستغلالاً للدين بأبشع الصور، وإجحافاً بحق الوطن، وأذىً للوحدة الوطنية التي يجب أن تكون أساس لبنان. قد تقول لمن ينصت إليك من السامعين والتابعين، إنّك تنطلق من «واقعية» أو «من الواقع» (ما أتفهها هذه العبارات)، وإنّ الاختلاف في السياسة «لعبة ديمقراطية»، وسمة من سمات النظام اللبناني، لكن أحب أن ألفت انتباهك إلى أمر لا أظنّك ساهياً عنه، أو أنك تجهله، وهو أنّ هذه اللعبة التي تُمارسها، ويمارسها أترابك من أهل النظام، هي لعبة قد تكون ديمقراطية، لكنّها قاتلة في نظام طائفي مثل لبنان. مارسها سياسيون قبل أن تمارسها أنت، وراح ضحيّتها عشرات الألوف من المواطنين، وأخضعت البلد لمنطق الغريزة وغلبة السلاح، وحكم زعماء فاسدين ساموا الشعب كل صنوف العذاب، وها أنت في حديثك تطلق على كل فرد منهم لقب «الأستاذ»، لا لشيء، إلا لأنهم من شيَعك وأنصارك على الجبهة المناوئة لجبهة حزب الله.

لا يا سيّد علوش كلامك يشي بأنك لست حيادياً ولست مؤهلاً لأن تكون من بناة لبنان الجديد


الديمقراطية في الدول الراقية يا دكتور، نهج ومبدأ وفلسفة ترقى إلى مرتبة العبادة. هي ليست «عبوة قاتلة» كما في لبنان. تتعدّد الأحزاب في تلك الدول، ويمكن للسياسي أن ينتهج الخط الذي يراه، على اليمين أو على اليسار، مع حزب المحافظين، أو مع حزب العمّال، أو مع حزب الوسط، لكنّها تبقى ممارسات تنبع من ضمائر المسؤولين عن الوطن، وحرصهم على خدمة الناس، كما أنّ تباين الآراء والخلافات بينهم مهما اشتدت، لا يؤثر في بنيان الدولة، أو يقوّض عموداً من أعمدة هيكلها، لأنّهم يمارسون هذه الحرية في دول قوية منيعة لا تقوى الأعاصير عليها ولا أبواب الجحيم، بخلاف الحال في بلد هشّ مثل لبنان، يمكن لأي زعيم طائفي اقطاعي أن يشعل فيه حرباً أهلية! لبنان ليس دولة يا سيّد علوش. كان دولة كاملة متكاملة زمن الفرنسيين، ليتهم بقوا بين ظهرانينا، وصار شبه دولة بعدما تسلّم مقاليده رجال «الاستقلال» الموهوم، وبقي بالرغم من كلّ ذلك يتمتّع بقدر من عدالة، وأمن وعز وعيش هني، إلى يوم شرّعت فيه السلطة الحاكمة بنادق اللاجئين بضغط من بعض العرب، وبعض القادة «الوطنيين» من داخل البلاد، ما أحدث كارثة تاريخية كبّدت البلد أثماناً غالية ما زال يعاني منها إلى اليوم، حتى جاء هذا الزمن فتحوّل البلد إلى مزرعة كاملة الأوصاف، يتحكّم بها رعيان السياسة، ومن يتبعهم من أصحاب المصالح، والقطعان المغلوبة على أمرها.
بمقدورك يا سيّد علوش أن تبقى طبيباً، وطبيباً ناجحاً، لكن إذا شئت أن تعمل في السياسة، فلا تُحدّثنا بعد اليوم عن «حقوق الطائفة السنية في المعادلة الوطنية»، وأستعير هنا هذه الجملة من كلامك، فقد عافت أنفسنا هذه الشعارات الهدّامة للنفس البشرية، وللوطن الواحد الموحّد. لبنان لا يستطيع بعد اليوم أن يحتمل هذه الشعارات، وهذه «الديمقراطية التوافقية المزيّفة»، القائمة على المصالح الذاتية والغرائز الطائفية، ولا هذه الأحلاف ونفاقها، وهو اليوم في أمسّ الحاجة إلى نفوس حرة، متحرّرة من عقال هذه الأحلاف، تبني وطناً سيّداً مستقلاً يرعى حقوق المواطنين كافة، لا حقوق «الطوائف» كما تقول أنت، أو «الشعوب» كما يقول آخر، ولا يكون فيه حكم إلا حكم القانون والقضاء العادل، وهذا حلم لن يتحقق، إلا بعد زوال هذا النظام الطائفي العنصري الإقطاعي، وقيام الدولة المدنية الحرة، بسلطتها المشرعة على كامل ترابها وحدودها.

*كاتب لبناني