تفاوض القيادة الفلسطينية من دون كللٍ ولا ملل. وإن هي خرجت منها لفترة فإنها تعود إليها بلهفة أكبر. هي كالسمك الذي وإن قفز خارج الماء أحياناً فسرعان ما يعود إليه ليغوص فيه نحو الأعمق. إنه غرامها منذ أكثر من عشرين عاماً.

يمتنعون عن المفاوضات أحياناً، أو بالأحرى يتمنَّعون فينطبق عليهم قول «يتمنّعن وهن راغبات». ولأن الطرف الآخر على دراية بحالتهم النفسية هذه فإنه يزداد تطرفاً ويرفع سقف مطالبه. ولِمَ لا، فعودة الشريك إلى بيت الطاعة مضمونة.

عندما يجري الاعتراض على النهج التفاوضي يردّ أصحابه بسؤال استنكاري: ما البديل؟ ويشرحون: إننا في وضع صعب وليس لدينا بديل عن المفاوضات. ومن مبرراتهم أن إدارة شؤون السلطة وبقاءها يرتبطان، حُكماً، باستمرار المفاوضات.
في الواقع هذا صحيح، إذ إن السلطة تعيش بقلب اصطناعي، نصفه بيد إسرائيل والنصف الآخر بيد الغرب، والأخير بمثابة رب عملها لأنه يدفع رواتب كل موظفي هذه السلطة. لكن من المسؤول عن ذلك؟ أليس أنتم من ولجتم النفق المظلم حتى من دون توفير «الإضاءة» الضرورية والمستلزمات الأخرى للخروج منه. دخلتم النفق الحالي من أوسلو، وكانت هناك قبل ذلك أنفاق أخرى نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر. إلا أن الحديث في هذا الأمر ما عاد بتلك الأهمية كما في السابق، ولم يعد لتكرار الانتقادات والاتهامات أية فائدة. لقد حصل ما حصل. والموضوعية تفرض علينا التحلّي بالصمت، لا قبولاً بما تفرضونه علينا، بل لأن صوتنا لن يكون مجدياً ما دامت القوى المعارضة لكم منقسمة الى قسمين واحد مدجّن يعتاش على فتاتكم، والآخر سلطوي مثلكم. أما البديل، الذي كان يمكن ان يمثّل خشبة الخلاص، فإنه ما زال في علم الغيب.
ما يهمّنا اليوم هو أن تقولوا الحقيقة، كل الحقيقة لا نصفها. وفي هذا الصدد، لا يسعنا إلا أن نسجل لعباس أنه قال الحقيقة في خيار المفاوضات الاستراتيجي، وأعلن طلاقه بالثلاث من الكفاح المسلح وثبّته في المحكمة الشرعية لمزيد من التأكيد. للقيادة الفلسطينية مصداقية في التنازلات لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى التمسك «بالثوابت الوطنية» التي تردّدها ليل نهار. المشكلة مع القيادة الفلسطينية أنها تفصح عن نواياها فقط بعد أن تكرّسها واقعاً في حياة الشعب الفلسطيني. هذا ما حصل في أوسلو، وقبله، وفي معظم الاتفاقيات والمشاريع التي أقرتها القيادة.
فاوضوا، فاوضوا ثم فاوضوا. تنازلوا، تنازلوا ثم تنازلوا. أصبحتم خاليي الوفاض، سيسجل التاريخ لكم أطول مفاوضات في العالم وستدخلون موسوعة جينيس مرفوعي الرأس مزهوّين بالرقم القياسي غير القابل للكسر. مفاوضاتكم فريدة من نوعها، إذ لم نشهد في التاريخ مفاوضات بين أعداء تخلق صداقات وروابط حميمية بين المتفاوضين. معانقات حارة وابتسامات من القلب، ليس لها مثيل بين فريقين متحاربين متناحرين متناقضين كما هي الحال بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هذا ما تدل عليه المشاهد التي تبثها المحطات التلفزيونية عن اللقاءات.
في أول لقاء بين رابين وعرفات أثناء توقيع اتفاق غزة أريحا، أولاً في حديقة البيت الأبيض شهدنا الأخير يمد يده مبتسماً فرحاً لمصافحة رابين الذي قابله بوجه عابس وتمنّع لثوانٍ عن مد يده. وبعد أن اطمأن الطرف الإسرئيلي للمفاوض الفلسطيني صار يبادله الابتسامات والمجاملات فكان مشهد المجاملة المفرطة بين عرفات وباراك في كامب ديفيد، كلٌ منهما يدعو الآخر للدخول أولاً. وكرّت السبحة، واحدة منها كانت المصافحة بين عريقات وليفني على طريقة الشباب المراهقين المتلهفين للقاء الجديد مع بداية مفاوضات التسعة أشهر.
قد يكون من الصدف (أو عن سابق تصوّر) تحديد مدة المفاوضات بتسعة أشهر. إنها مدة الحمل الطبيعية ليخرج المولود. سنعد الأيام يوماً بيوم على أمل أن يكون المولود صحيحاً معافى قابلاً للحياة، رغم يقيننا من أنه ثمرة زواج غير شرعي. سنستقبل مولود الأمر الواقع لأننا ضقنا ذرعاً بمسلسل المفاوضات، أكثر مما ضقتم ذرعاً بالنضال الحقيقي. سنستقبله بصمت ومن دون أي احتفالات، والأرجح أن ترتسم علامات الغضب على وجوهنا ولكننا سنكظم الغيظ. أرأيتم كم نحن واقعيون ولا نريد أن ننغص عليكم متعة ممارسة هواية المفاوضات؟
في المقابل نطلب منكم تعهداً واضحاً وصريحاً يلتزم بما تدّعون أنه هدفكم من المفاوضات. تعهد بألا توقعوا على اتفاق يتضمن تنازلاً عن شبر من الأراضي المحتلة عام 67، أو يمثّل إجهاضاً لحق عودة اللاجئين إلى ديارهم (لاحظوا الواقعية. لم نقل تحقيق حق العودة)، أن تكون الدولة الفلسطينيية المتفق عيها سيدة وحرة بحسب المفهوم الذي تقرّه القوانين الدولية لسيادة الدول في جميع المجالات.
نعرف أنكم أدمنتم المفاوضات، ونعرف أن شفاءكم منها بعيد المنال. إذاً، فاوضوا كما شئتم لكن ارحمونا لمرة واحدة وتحلوا بصورة المفاوض الحقيقي، وكونوا نداً فعلياً يحسب العدو لكم الحساب وتجعلون بيريز يندم على شعوره بأنه يفاوض نفسه، فيخاف الصهيوني من غضبكم ومن جرأتكم ومن نواياكم الحقيقية في ابتداع أساليب نضالية جديدة، اذا لم يجرِ التجاوب مع مطالبكم. أما إذا انقضت مدة التفاوض واكتشفتم أن الحمل كان كاذباً ولم يولد الاتفاق المنشود، نقترح عليكم أن تعلنوا فشل نهج المفاوضات وفشل السلطة الذاتية، وتيمُّناً بالعيساوي، أن تعلنوا صوماً متواصلاً الى أن تتحقق مطالبكم في الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس. حوّلوا ساحة المقاطعة في رام الله الى خيمة كبيرة يعتصم فيها كل موظفي السلطة، بدءاً من الرئيس إلى أصغر عامل فيها (لاحظوا واقعيتنا، لم نطلب منكم لا حمل السلاح ولا حتى الحجارة). ونعاهدكم نحن أبناء الشعب الفلسطيني في كل مكان، أننا سنقيم خيمنا الاعتصامية حيثما وجدنا ونصوم معكم، ولتكن معركة الأمعاء الخاوية معركة كل الشعب ولنضع المجتمع الدولي الذي تؤمنون به على المحك وأمام مسؤولية الإبادة الجماعية لشعب بأكمله. وإذا رأيتم أنكم غير قادرين على هذه المهمة فإن هذا يعني أنكم بلغتم سن التقاعد. بيوتكم واسعة وفيها كل وسائل الراحة لتقضوا بقية العمر مع عائلاتكم.
* كاتب وباحث فلسطيني