استلهمَ الموروثَ النهضويّ، موطناً ومهجراً، فجدّده وأحياه وفق خطّة فلسفية ومقاييس فكرية، وجاء بنظريّة متكاملة تأخذ بعلم الاجتماع وتعزّز النفسيّة السوريّة منذ أبي العلاء، فرأى فيه «الشاعر الفلسفي السوري الخالد». عن بطرس البستاني، ورثَ الحسّ الوطني فأطلقه نفيراً قوميّاً، وعن جبران أخذَ بالتمرّد أسلوبَ حياة، وعن الريحاني أمسكَ بالثورة الدائمة، وعن أبيه خليل سعادة تبنّى حربَه على التعصّب الديني في دعوته أبناء الشرق إلى ثورة لاهبة «هي السكّة السلطانيّة إلى الاستقلال»، وكان اتّخذ شعاراً لحزبه الديمقراطي الوطني الذي أسّسه في البرازيل: «الاستقلال مع البداوة خيرٌ من العبوديّة مع الحضارة». أمّا سلامةُ صَرفِه ونَحوِه في بيانه المُؤصَّل فقد وجدها في كتاب «بحث المطالب» لمطران حلب في القرن الثامن عشر، جرمانوس فرحات.

إنه أنطون سعادة، رافع راية العلمانيَّة في المشرق العربي ومؤسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي وواضع دستوره والداعي إلى وحدة بلاد الشام ما بين قرنَي الهلال الخصيب، من غزّة عند المتوسّط إلى البصرة عند شطّ العرب، وزعيم الثورة الاجتماعية الأولى، بياناً وسلاحاً، في الأسبوع الأول من تمّوز / يوليو 1949، ومُطلقها من دمشق، لقلب النظام الطائفي في لبنان مدخلاً إلى فصل الدين عن الدولة في بلاد الشام؛ كان ذلك الزعيم وكان الأمل معقوداً؛ هو الذي أمضى خمسة وأربعين على ظهر هذه الفانية، وهي أصلًا لم تُسَوَّ له، وكان قرينه فيها أنّ الحياة وقفة عزّ فقط، ولم يَحِدْ عنه، ففي فجْرِ إعدامه صرخَ في بهيم ليل بيروت «تحيا سورية» فاخترقَ صوتُه السكونَ في منطقة نائية عند جناح بيروت، قبل أن تنهمرَ عليه إحدى عشرة رصاصة من اثنتي عشرة بندقية، مزّقت صدره ورأسه، ثم رصاصة رحمة، فاغتالَ عسكريتارية بيروت إلى الأبد، قبل أن يغتالوه للحظة، وسقطت المنطقة منذ فجر 8 تمّوز / يوليو 1949 في أتون التعصّب الديني، وتلظّت في مِرجَل الهوس المذهبي، فاستعرَ لهيبُ الطائفة وتطايرَ الجهلُ المطبق، فإذا بالحريق الأكبر بين غزّة والبصرة لم يُبقِ ولم يذرْ، وإذا المنطقة هالكة لا محالة، وها هو الشرَر يطاول الآن غرب السويس.

كان غرض سعادة إطاحة التحجّر الفلسفي السائد فقرّر اللجوء إلى الثورة ضرورة للنهضة


لم يفصل سعادة بين نهضة أدبية ونهضة فكريّة، فكلتاهما رهنٌ بحدوث نظرة فلسفية سورية قوميّة اجتماعية، فأكّد الأصالة، ودعا إلى نفضِ الموروث، إذ رأى أنّ بعث أدب قومي هو نقطة الانطلاق بغرض التعبير عن نظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، قادرة على استيعاب المطالب والملامح النفسيّة المنطبقة على خِطَط النفْس السوريّة، وعينُ سعادة أبداً على الأخلاق والمناقب والأعمال. هذه هي النهضة السورية القومية، التي حثّ عليها سعادة لفتح آفاق جديدة للفكر ومناحٍ جديدة للشعور، لإحداث تغيير في مجرى الحياة ومظاهرها. في أثره النفيس «الصراع الفكري في الأدب السوري» (بوينس أيرس، 1942) فتح سعادة باباً جديداً في القول الشعري، حين ألحّ على توظيف أسطورة أدونيس (تمّوز) في بنيان قصيدة الحداثة لِما لها من مغزى وعلاقة وثيقة بمجرى الحياة، وما تنطوي عليه من مضامين البعث بعد الموت والخصب إثر اليباب. رأى سعادة أنّ هذه ليست هي الأسطورة الوحيدة، فأعلن أنّ في اكتشافات رأس شمرا (أوغاريت)، قرب اللاذقية، حقائق رائعة عن عظمة التخيّل السوري والتفكير السوري في الحياة وقضاياها الكبرى. وفي «نشوء الأمم» (1938) الذي ألّفه، وهو في سجن الرمل إثر انكشاف أمر حزبه للسلطات الفرنسية، رأى سعادة أنّ في حياة الأمّة حياة واحدة تجري في مفاصل الأمّة، حياة واحدة ذات دورات اجتماعية اقتصادية واحدة، هي نفسها ثروة نفسية أصليّة في الفكر والشعور وألوانهما؛ إنها هي إحدى الخصائص القومية، حصيلة تفاعل ينشأ عنه الاتّحاد في الحياة، وعن هذا الاتحاد تنشأ التقاليد والعادات واللغة والأدب والدين والتاريخ. في إطار هذه النظرة الثاقبة، يمكن فهم منطلق سعادة أن لا فكاكَ بين نهضة أدبيّة ونهضة فكريّة ما دام الأساس إحداث نهضة قومية تفجّر مخزون الأمّة الهاجع في وعيها الباطن. مرتكز سعادة أنّ الأمّة أساس مادّي يقوم عليه بناء روحي، أي أنّ أساس الارتقاء روحي ــــــ مادي (مدرحي). من هنا، كان غرض سعادة إطاحة التحجّر الفلسفي السائد، فقرّر اللجوء إلى الثورة ضرورة للنهضة والخروج من التفسّح الروحي، إلى عقيدة واضحة لتحقيق وحدة الذات القومية، أي الأنا الكليّة.
لا عجب إذاً أن يجد سعادة، منذ وصوله إلى بيروت عائداً من منفاه في الأرجنتين، يوم 2 آذار/ مارس 1947، بنيةَ نظامٍ طائفي محض، فأعلن في 14 آذار/ مارس 1947، أي بعد أقل من أسبوعين على وصوله، أنّ السببَ الموجب للدولة اللبنانية الحاضرة هو المسألة الدينية لا غيرَ، وأنّ لا أساسَ بغيره لها، وعليه أُثيرت بدءاً من أيلول/ سبتمبر 1947 في اجتماعات منفذيات الحزب القومي، مسألة الانقلاب على النظام وتسلّم الحكم.
إنّه أنطون سعادة، الذي كان يتغطّى بمعطفه ويهبُ حرامَه لحارسه، ويسرّح شعرَ بناته صفيّة وأليسار وراغدة، قبل خلودهنّ إلى النوم ويستشير زوجته جولييت المير في كلّ شاردة وواردة، وهو الزعيم نفسه الذي كان يصفّ بنفسه بعد منتصف كل ليلة جريدة حزبه «الزوبعة» في بوينس آيريس، على جهاز أحرف صغير أحضره معه إلى بيروت يوم 2 آذار 1947، بعد غياب قسري لتسع سنين، وهو القائل إنّ الصراع مع الدولة العبرية حضاري، فإمّا بقاء وإمّا فناء، وإنّ الهوَس الديني الضارب بين ظهرانينا ببوقه الغليظ مردّه التعصّب الأعمى عندنا، وغياب العلوم الفلسفية والعملية عن أوساطنا الثقافية. وهو نفسه الذي عَنْونَ آخر مقال له حبّره في حياته «هشيم الطائفية يلتهب في الجميزة» في بيروت، قبل انتقاله إلى دمشق؛ وهو بنفسه وزّع السلاح على أتباعه، بعدما ناداهم فرداً فرداً بأسمائهم ناحية دير العشائر على الحدود بين لبنان وسوريا، وألقى فيهم خطاباً دعاهم فيه إلى الثورة. فكرة القومية التي بشّر بها نهضويّو جبل لبنان مع البستاني واليازجي والشدياق، والتي نضجت في بلاد الشام عقبَ الحرب الأولى مع الريحاني وجبران تأصّلت مع سعادة بوجه سوري ملمحه الجغرافي الهلال الخصيب، وغايته خطّة علمانية ردّاً مباشراً على تجزئة «سايكس ــــــ بيكو» وإجحاف «وعد بلفور»، وتفاهة العنعنات الطائفية المحليّة. نفاه الفرنسيّون عشيّة الحرب الثانية (1938)، فاتّضح أنّ حزبه بات خطراً داهماً على لبنان الطائفي، فما إن عاد إلى الوطن حتّى تمكّنت الرِّجعة العربية متّحدة من إعدامه والبطش بحزبه. وبغياب سعادة، انقرضت وإلى الأبد السلالة النهضوية في بلاد الشام، ما فسح لتعنّتات مذهبية أودت بها، فعمّ الجهل المطبق، وها اليوم سرْنا بعيداً في الضلال، ولا يُرجى تلاقينا، فنشأت المفاضلة السقيمة بين إسلام ومسيحية.
في مستهلّ مبحثه «جنون الخلود» في «سوريا الجديدة» (سان پاولو، 22/1/1941) أوردَ سعادة أبياتاً لأبي العلاء هي:
«وكُوركَ فوق طويل المطا / وسَرْجك فوق شديد القرا
وقد يَفسدُ الفكرُ في حالة / فيوهمُكَ الدرَّ قطرُ السُّرا
سقاكَ المُنى فتمنّيْتها / وصاغَ لك الطيفَ حتى انبرا»
رأى فيها وصفاً بديعاً «لحالة من حالات فساد الفكر»، فمعنى البيت الأول «مشهد رجل وضع الرّحل على ظهر الفرس، ووضع السّرج على ظهر البعير. ومن كان هذا شأنه لا يكون طويلاً شوطه» (تفسير سعادة)، فلا عجب أنّ شوطنا لم يكن طويلاً بين غزّة والبصرة، منذ 8 تمّوز / يوليو 1949.
* باحث فلسطيني