يرزح لبنان تحت جميع أنواع المصائب الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، المعيشية والبيئية. يعود السبب، في غالبية هذه الحالات، إلى مزيجٍ من عوامل خارجية وداخلية بنيوية، أحدثت ضرراً شبه مستدام بفئات كثيرة من الشعب اللبناني. قد تُصاب بالصداع إذا أردت فهم طبيعة هذه العوامل ولكن ما قد يبسّط الأمور، إلى حدٍّ ما، هو تشابك هذه العوامل، تداخلها وتفرّعها من أسباب جذرية محدّدة.

تتربَّع البطالة على عرش الأسباب الجذرية لمصائب عدّة ألمَّت بلبنان:
• آفات اجتماعية: يلجأ العاطل عن العمل إلى المخدرات لتخدير وجعه وإحباطه أو إلى السرقة لإطعام عائلته، أو في أقسى الحالات إلى الانتحار للهروب من واقعه.
• دوامة الدين: تنعدم سُبُل العيش أمام العاطل عن العامل، فلا تبقى سوى الاستدانة يليها التخلّف عن الدفع، ومن ثمّ المزيد من الاستدانة فمزيد من التخلّف، وهكذا دواليك.
• الأميَّة والجهل: الضائقة المالية الناتجة عن البطالة قد تضع التدريس ضمن الأولويات التقشفية، وبالتالي قد ينتج عن البطالة أجيال غير متعلّمة. البطالة بدورها هي نتيجة فرعية لأسباب جذرية خارجية وداخلية:
خارجياً:
• الحروب المجاورة التي أدّت إلى نزوح اليد العاملة الأجنبية وهيمنتها على سوق العمل.
• عقوبات دولية خانقة صدَّت فرص الاستثمار الأجنبي المباشر.
أما داخلياً:
• يوجد شرخ كبير بين متطلّبات سوق العمل (الطلب) ومناهج التعليم المدرسية والجامعية (العرض).
• غيابٌ للإرشاد الوظيفي الفعّال القادر على توجيه الطلّاب والعمّال في سوق العمل.
• مصفوفة المحاصصة والزبائنية التي جعلت من الطائفة والولاء السياسي الشرطين الأساسيين للتوظيف بدل الكفاءة.
• ركاكة البنية التحتية الاقتصادية والمالية والسياسية التي «تلفظ» أي فرصة لجذب استثمارات أجنبية.
هنا، نطرح السؤال الأهم: هل توجد نية جدية من قِبل السلطة لتغيير هذا الواقع؟ صدّق أو لا تصدّق، تعود البطالة بفوائد عديدة على السلطة لا بل تغذّيها:
• الوظيفة تعني الاستقلالية، الاستقرار والأمان. وبالتالي، فإنّ العاطل عن العمل هو شخصٌ محتاج، مستعدّ لأن يبايع ويفدي دمه لمن يدعمه، وقد يتخلّى عن مبادئه لأجل العيش.
• تؤدّي البطالة إلى الهجرة، وبالتالي إلى تقلّبات ديموغرافية لطالما استفاد منها الزعماء بشكل أو بآخر.

الوظيفة تعني الاستقلالية والاستقرار وبالتالي فإنّ العاطل عن العمل هو شخصٌ محتاج مستعدّ لأن يبايع ويفدي دمه لمن يدعمه


• أحد آثار البطالة في لبنان، هو اضحملال الطبقة الوسطى. هذه الطبقة قد تشكّل خطراً كبيراً على السلطة كونها الطبقة المثقّفة الميسورة المتحرّرة والرافضة لسياسات تعسفية فاسدة. تستطيع هذه الفئة من المجتمع تسليط الضوء على أداء السلطة وانتقادها، وحتى المطالبة بالتغيير لأنها تملك ترف الوقت والمال والعلم.
• ومن مخلّفات اندثار الطبقة الوسطى، سطوع الطبقة الفقيرة. وقد يختلف اثنان حول ما إذا كان الفقر يصبّ في مصلحة السلطة أو العكس. صحيح أنّ الفقير قابلٌ أكثر لأن يثور ويتمرّد، ولكن فعلياً فإنّ همّ الفقير الأول والأوحد هو أن يسدَّ جوعه وجوع عائلته. عندئذٍ، تكون السلطة قد نجحت في ترويض روح الثورة ضمن معادلة: الرضوخ السياسي مقابل الطعام.
البطالة هي بالفعل فيول السلطة فهي تعزّز الزبائنية، تأليه الزعيم، الجهل والفقر. أي مجهود جدّي للحدّ من هذه الآفة سيُقابل بالمماطلة غير العلنية. البيان الوزاري الذي يُعتبر المانيفستو وخطّة العمل التنفيذية تجاهَلَ هذا الموضوع عبر ذكره، بالعدد، البطالة في مناسبتين فقط: مرّة في آخر أحد البنود، كرفع عتب: «ومعالجة مشكلة البطالة». ومرّة ثانية في ذيل جملة أخرى حول سياسة العمل: «وتخفيف البطالة». كيف لدولة أن تسعى لحلّ هكذا مشكلة أساسية إذا لم تُصدِرْ، إلى الآن، إحصاءات رسمية عن البطالة؟ من الواضح أنه يوجد خوفٌ من تحجيم هذه المشكلة، كي لا تشكّل ضغطاً على السلطة لإيجاد الحلول.
* باحث لبناني