لم يجعل مقتل الضابط الإماراتي طارق الشحي، في 3 مارس/ آذار 2014، في قلب العاصمة البحرينية المنامة، فرصة لنفي التدخل العسكري الإماراتي والسعودي في الحالة البحرينية المتأزمة.

وفي الواقع، فإني أفضّل الحديث عن تورط سعودي إماراتي في البحرين، وأجد في ذلك تعبيراً أكثر دقة من الحديث عن تدخل عسكري خليجي.

ذلك أن قطر وعمان لم تتجاوبا عسكرياً مع الرغبة السعودية البحرينية بوجود نشاط عسكري في المنامة، للإسهام في قمع الاحتجاجات العارمة التي كانت تعمّ العاصمة ومختلف المناطق البحرينية، فيما أرسلت السعودية والإمارات مئات الجنود، في منتصف مارس 2011، قدّر عددهم بنحو 1000 ـ 1200 جندي سعودي، و500 ـ 800 شرطي إماراتي، فيما اتخذت الكويت خطّاً يراعي الانقسام الكويتي الداخلي تجاه الحالة البحرينية، ولا ينحاز إلى قطر وعمان، ولا يستسلم للتطرف السعودي، فأرسلت الكويت قوات بحرية، تضمن عدم مواجهتها المحتجين المطالبين بالديموقراطية، وتخرس اللسان الخليفي بوجود جبهة عسكرية إيرانية مفترضة.
وسحبت الكويت قواتها مطلع يوليو/ تموز 2011، فيما توسع التدخل السعودي الإماراتي، ويراد له أن يكون وجوداً دائماً، داعماً للنظام الخليفي الذي يفتقر إلى الشرعية الشعبية، ولا يجد في الدعم الإقليمي والدولي سنداً فحسب، بل ركيزة من دونها يصعب أن يستقيم الحكم في البحرين للعائلة الخليفية.
وفي الواقع، إن أكبر إضعاف للرواية الخليفية من أن البحرين كانت تواجه غزواً إيرانياً محتملاً، استدعى رد فعل خليجي عسكري، أن عديد وعتاد القوات السعودية والإماراتية المرسلة للبحرين لم تكن وما زالت غير قادرة على مواجهة أي قوة هجومية جوية أو برية إيرانية مفترضة، فيما تعجز القوة البحرية الكويتية المرسلة في 2011 عن صد الهجوم البحري الإيراني المفترض. ما يكشف بجلاء أن أغراض التدخل العسكري المستمر كان ولا يزال يرمي إلى ترميم نظام آل خليفة الذي كان آيلاً إلى السقوط.
في هذا المقال، سأركز على القصور الأمني الذي رافق مقتل الضابط الإماراتي طارق الشحي، والقوة الأمنية التي يعمل ضمنها، والاتفاقيات الأمنية المحتملة التي تحاول شرعنة السماح للجنود الإماراتيين بالاشتراك في قتل المواطنين البحرينيين العزل المطالبين بالديموقراطية. وأخيراً مستقبل درع السعودية والإمارات في البحرين بعد مقتل الشحي. (عن التدخل السعودي، راجع: سقوط الأقنعة: عامان على الوجود العسكري السعودي في البحرين: «الأخبار»، العدد ١٩٦٥ الاربعاء ٢٧ آذار ٢٠١٣).

قتل الشحي والقصور الأمني

الرواية البحرينية الرسمية تفيد بأن الشحي واثنين آخرين قتلا في انفجار قنبلة صوتية، عندما كانت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية تتصدى لمجموعة من المتظاهرين، تجمعوا في ختام مجلس عزاء جعفر الدرازي (22 عاماً)، «الذي التحق بركب شهداء البحرين الأربعاء 26 فبراير/ شباط، بينما كان يواجه اعتقالاً ظالماً وانتقامياً وإهمالاً في العلاج والرعاية الصحية اللازمة لمرضه»، بحسب ما قالت جمعية الوفاق المعارضة، التي حملت السلطة مسؤولية وفاة الدرازي.
ويعود مقتل الشحي إلى قنبلة زرعت بالقرب من أحد أعمدة الإنارة في منطقة الديه، بحسب ما أعلن طارق الحسن مدير الأمن العام، في مؤتمر صحافي عقده خصيصاً للحديث عن مقتل الشحي، بعيد مضي نحو ثمانية أربعين ساعة من حادثة الوفاة.
وفيما يقول الأهالي إنه لا توجد أعمدة إنارة في مكان وقوع الانفجار، فإن الحسن لم يوضح أية تفاصيل أخرى عن الحادث، ولم يبيّن زنة القنبلة ونوعها، وكمية المتفجرات، ونوعها، ولم يعرض أي فيديو للعملية المفترضة، والسيناريوات المحتملة لطريقة تنفيذها، والجهات المتورطة المحتملة، ذلك أنه توجد رواية جاهزة، كما سيتضح، بل كما هي العادة.
فقد سبق حديث الحسن، خطاب متلفز لوزير الداخلية راشد بن عبدالله آل خليفة، ألقاه قبل إجراء أية تحقيقات جادة، وبالتحديد بعد نحو 24 ساعة من الانفجار. وأعلن فيه بملء الفم أن ما حدث «له ارتباطات خارجية، وأن التدريبات في الخارج حسب الاعترافات المدونة تمت في معسكرات الحرس الثوري الإيراني، وأن المتفجرات التي تم ضبطها مؤخراً كان مصدرها العراق».
وتباهى الوزير نفسه، كما لو حقق انتصاراً مهماً، بـ«توقيف 25 من المشتبه بهم في التفجير»، بعد مداهمات طاولت مئات البيوت في منطقتي السناس والديه (شمال المنامة)، وفي ظل انتشار نقاط تفتيش في أغلب المناطق في شمال البلاد، ووسطها، استمرت نحو أكثر من أسبوع من مقتل الشحي، مورست خلالها أنواع شتى من البذاءات المعتادة من قوات الأمن، علماً بأن القوات الأمنية تكاد تحاصر على مدار الساعة مختلف المناطق، منذ 2011، ما يعطي كل الصدقية بأن البحرين باتت ثكتة عسكرية، وسجناً كبيراً.
وفي ظل شحّ المعلومات، والافتقار إلى جهة تحقيق مهنية وتحظى بالثقة، فإن الشكوك حول الرواية الرسمية تبقى مشروعة ووازنة للغاية، فيما يزيد القبض على هذا العدد الكبير (25 مواطناً) في غضون ساعات من مساحات الشك والريبة في نجاعة الإجراءات الحكومية وسلامتها القانونية، خصوصاً في ظل تاريخ طويل مليء بالخروقات والتعسف، بحسب الجهات الحقوقية الدولية المرموقة.
وفي الواقع، فإنّه لا يعرف عن قوات الأمن البحرينية التزامها الضوابط في مواجهة الاحتجاجات، وتأمين سلامة منتسبيها والمتظاهرين. وسبق أن انتقد تقرير بسيوني القوة المفرطة التي تستخدمها القوات الأمنية ضد العزل، وعدم التزامها شروط الاشتباك.
بيد أنّ النقد الأهم هذه المرة جاء من قبل ضاحي خلفان، نائب مدير شرطة دبي، الذي سجّل إدانة علنية للقيادة الأمنية البحرينية، حين فاجأ الجمهور من على شاشة تلفزيون البحرين، ملاحظاً أنه كان يفترض بالشرطة البحرينية إرسال خبير متفجرات لتأمين المكان الذي ستتخذه قوات الأمن مركزاً لها في مواجهة الاحتجاجات المتوقعة في ختام مأتم عزاء الشاب الدرازي. ويعتقد خلفان أنه كان بالإمكان تفادي تعرض القوات الأمنية للانفجار، لو تم بالفعل اتخاذ الاحتياطات المسبقة لتأمين القوة المهاجمة للجمهور الأعزل. (http://www.youtube.com/watch?v=h8Nk3pEi1YU)
ويعطي ذلك دفعة قوية لفرضيات عدة أخرى غير تلك التي جزمت بها السلطة، مثل أن خطأً بشرياً من قوات الأمن سبب الانفجار، أو أن نيراناً صديقة تقف خلف مقتل الضابط الإماراتي، أو حتى فرضية وجود جهات رسمية قد تكون ضالعة في عملية التفجير، بهدف تسخين المشهد الداخلي، وزيادة الاحتقان الإقليمي، وتشويه المعارضة.
ومع أني لا أستطيع الجزم بهذا الافتراض، فإن المطالبة باللجوء إلى لجنة تحقيق دولية تبدو منطقية، تضع كل السيناريوات على الطاولة، ولا تستبعد أي فرضية.
ومع ذلك، فإني أظن أن أي جهاز أمني يفتقر إلى هذه التقاليد الكلاسيكية في مسح «أرض الخصم»، يصعب أن يدعي تفوقه على «سي أي إيه» في القبض على «الجناة»، والوصول إلى استنتاجات نهائية، في غضون 24 ساعة، كالتي أعلن عنها وزير الداخلية. ولذا فإن القلق مشروع على المتهمين، الذين يتعرضون بطبيعة الحال للتعذيب أثناء التحقيقات، باعتبار ذلك سياقاً ممنهجاً لأخذ الاعترافات.
إن سرعة إعلان اكتشاف المنفذين المفترضين، قد تحقق من ناحية فرصة لادعاء حكومي بسرعة القبض على «الجناة»، لكن ما يضيع في هذه المعمعة هي الحقيقة. فما دام جهاز الأمن البحريني يجبر غزالاً على الاعتراف بأنه حمار، ستظل العمليات الأمنية في تصاعد، التي أصلاً لا تحلها قبضة أمنية، مهما كان متغولة، وهذا لا يساعد حتى أجهزة الأمن على الوقوف على طبيعة الانفجار ومن يقف خلفه.
ولذا أيضاً، فقد حدث انفجار آخر في العكر، بعيد نحو أسبوع من انفجار الديه، فقد «انفجرت قنبلة محلية الصنع استهدفت حياة رجال الأمن، ما أدى إلى إصابة رجلي أمن بإصابات متوسطة وبسيطة»، بحسب إعلان رسمي لوزارة الداخلية، يحق للكثيرين التشكيك في حدوثه ومن يقف خلفه. لكن إذا صحت الرواية الرسمية، فإن هذا الانفجار جاء ليؤكد أن العنف الرسمي الهائل يسهم في زيادة احتمالات تصاعد العنف في البحرين، وتبلوره جهداً منسقاً، ربما، وأن الوجود الإماراتي والسعودي الذي يعتقد أنه نقطة قوة للنظام، يمكن أن يكون نقطة ضعفها.

قوة أمواج الخليج غير درع الجزيرة

التدخل العسكري السعودي والإماراتي المعلن في البحرين، كان محصوراً في درع الجزيرة، الذراع العسكرية لدول الخليج العربية، التي أُنشئت في 1982، لأغراض دفاعية، في حال تعرض الدول الأعضاء الست لاعتداء خارجي، ذلك أن «هذه القوة لم تخلق للتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد خليجي، وإنما تأسست لمواجه أي اعتداء من خارج الحدود» وليس قمع أي اضطرابات داخلية، كما صرح أمير الكويت صباح الأحمد، حين سأل عن ذلك في اختتام قمة خليجية في 1984. (http://www.youtube.com/watch?v=PeTKEpivxWA)
ولما كان تقرير بسيوني قد نأى بالحدث البحريني عن أي تدخل خارجي، وبرأ إيران من أي تورط في الحالة البحرينية، وفي دعم انتفاضة 14 فبراير، فقد سحب ذلك أبرز الادعاءات لشرعنة الوجود العسكري السعودي الإماراتي في البحرين.
ويصر الخطاب الرسمي لدرع الجزيرة على أنه لم يتدخل في المواجهات مع المحتجين، وأن دوره اقتصر على حماية المنشآت. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب لا يبدو إلا تأكيداً لاختراق الجنود السعوديين والإماراتيين لمعاهدة إنشاء درع الجزيرة، التي تحصر نشاطه في حال تعرض الدول الخليجية لاعتداء من طرف ثالث.
إن أبرز ما كشفه مقتل الضابط الإماراتي هو وجود قوة أمنية خارجية أخرى غير درع الجزيرة عاملة في البحرين، اسمها «قوة أمواج الخليج». فقد أعلن المسؤولون الإماراتيون ثم تلاهم المسؤولون البحرينيون أن طارق الشحي «يعمل ضمن قوة «أمواج الخليج» المنبثقة من اتفاقية التعاون الأمني الخليجي المشترك»، ولم تعلن تفاصيل عن طبيعة تلك الاتفاقية التي تسمح للجنود والشرطة الإماراتية بأن يكونوا ضمن القوات المهاجمة على المحتجين العزل من المواطنين البحرينيين.
وبطبيعة الحال، لا شيء يبيح القمع، لا للقوة الداخلية البحرينية، التي ترتكز على الأجانب أصلاً، لكن الحرمة للقوة الخارجية تبدو أشد، وحين تكون هذه القوة من دولة شقيقة كالإمارات، فإن الجرح الذي تسببه مضاعف.
ومع ذلك، لنا أن نتساءل من أين انبثقت «قوة أمواج الخليج»، هل من اتفاقية ثنائية بين أبوظبي والمنامة؟ أم من «الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، التي اعتمدها قادة مجلس التعاون في اجتماعهم المنعقد في البحرين في ديسمبر 2012، ودخلت حيز التنفيذ في هذه الدول، باستثناء الكويت.
الاتفاقية الخليجية لا تشير إلى مسمى «قوة أمواج الخليج»، لكنها تفتح المجالات واسعة من أجل عقد اتفاقيات جماعية وثنائية بين الدول الست. وتنص المادة (10) من الاتفاقية على أن «تعمل الدول الأطراف، بشكل جماعي أو ثنائي، على تحقيق التكامل الفعلي للأجهزة الأمنية والتعاون الميداني في ما بينها، وتقديم الدعم والمساندة - في حالة الطلب - لأي دولة طرف، وفقاً لظروف الدولة أو الدول الأطراف المطلوب منها، وذلك لمواجهة الاضطرابات الأمنية والكوارث».
وفي ظل شح المعلومات، قد تكون هذه المادة، إحدى الصيغ التي اعتمدت لتبرير وجود قوة إماراتية خارج إطار درع الجزيرة، الذي تقوده الرياض. وواضح أن المادة المذكورة تتيح للدول الخليجية استخدام قواتها الأمنية المشتركة «لمواجهة الاضطرابات الأمنية»، وهي صيغة أكثر من كافية لتقنين الوجود الأمني الإماراتي، الذي يواجه إشكالاً قانونياً في درع الجزيرة، وقد ازداد حرجاً بعد مقتل الشحي.

مستقبل الوجود العسكري الخارجي في البحرين


يفتقر الوجود العسكري والأمني السعودي والإمارتي في البحرين إلى مبرره الأخلاقي والقانوني. ومع ذلك، لا بد من القول إن هذا الوجود الصاخب بات ينظر إليه، أحياناً، كأمر واقع، وخصوصاً في ظل ما يبدو أنه تجاهل أو صمت محلي وإقليمي ودولي عن هذا التدخل السافر في شأن محلي بحت. لكن ذلك ليس إلا وجهاً واحداً من مشهد معقد، أوجهُه الأخرى تحمل في طياتها بذور الاضطراب المحلي، وتشرع الأبواب على مصاريعها لتحول البحرين إلى بؤرة صراع إقليمي ساخنة. فمن دون شك في أن هذا الوجود العسكري الخارجي الفج مثير لاستياء المعارضين، سواء من الإصلاحيين أو من دعاة إسقاط النظام، فيما لا تخفي دول خليجية، عربية وغير عربية، قلقها من التمدد السعودي في الأرض البحرينية.
وفي جانب مهم وحساس، فإن الحملة الإماراتية والسعودية الإعلامية الرسمية الضخمة التي أعقبت مقتل الشحي، لا يمكن أن تخفي تساؤلاً شعبياً جوهرياً، وخصوصاً في الإمارات: لماذا نرسل أبناءنا للبحرين، لماذا ندفع بهم للموت دون مبرر؟ ودون قضية؟ لماذا نسهم في قتل البحرينيين الذين لم يهجموا علينا، ولا نعرف عنهم إلا كل خير وطيبة واحترام وكرم؟ علماً بأن الشحي لم يقتل بسبب هجوم عليه في ثكنته العسكرية، بل قتل في قلب المناطق الساخنة، وفي يوم عزاء لأحد ضحايا القمع الرسمي (جعفر الدرازي)، ومعروف أن هذه الأجواء عادة ما تكون متوترة ومشحونة ضد جهاز الأمن، المسبب لقتل نحو 150 من العزل، واعتقال عشرة آلاف أو أكثر في غضون ثلاث سنوات، أربعة آلاف ما زالوا في المعتقلات، بحسب آخر الإحصاءات. إن الوجود الإماراتي والسعودي في البحرين سيتعرض لضغوط ضخمة في حال سقوط قتلى إضافيين، وخصوصاً إذا سقط القتلى في المناطق الشعبية الساحنة، ما يكشف حجم تورط الخارج في قمع الداخل، دون سند أو مبرر سوى الاختلاف السياسي، ويعري مقولة حماية المنشآت التي استند إليها الوجود الخارجي حتى الآن.
إن ذلك ما يرجح القول إن الجنود الإماراتيين، وربما السعوديين أيضاً، سيُحوَّلون إلى موظفين في المكاتب، وسيودَعون في الثُّكَن. وهو الأمر الذي سيزيد من القتلى المرتزقة من الباكستانيين والسوريين واليمنيين، الذين ترتكز عليهم قوة الأمن البحرينية، والذين يبدو دمهم رخيصاً عند آل خليفة، ولذا لم نسمع أن اثنين آخرين قتلا مع الضابط الإماراتي، فيما سارع ملك البحرين إلى زيارة باكستان لاستقطاب مزيد من المرتزقة.
* كاتب وصحافي بحريني _ لندن