كان المشهد مهيباً في المليونية النوروزية في آمد (ديار بكر)، عاصمة شمال كردستان (كردستان تركيا)، حيث تجمّع قرابة ثلاثة ملايين في ساحة النوروز في لحظة تاريخية تؤكد، بلا لبث ومواربة، أنّ الربيع الكردستاني قد أينع من آمد إلى قامشلو فالسليمانية ومهاباد... وعلى امتداد الوطن الكردستاني المقسّم.


وذلك بدلالة الحضور الكردستاني الطاغي في آمد، التي غدت محجّاً وقبلةً لأجزاء كردستان الأربعة، إذ حضر، مثلاً، وفد رفيع من الاتحاد الوطني الكردستاني ممثلاً بسيدة العراق الأولى هيرو خان، التي يمكن القول إنّها مثّلت مام جلال في هذا الحشد العظيم، الرجل الذي كان مهندساً لعملية السلام الكردية _ التركية منذ أكثر من عقدين. إلى جانب وفد من غرب كردستان (كردستان سورية)، تمثّل برئاسة حكومة الادارة الذاتية الديمقراطية في كانتون الجزيرة، والرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي آسيا عبد الله.
وللعام الثاني على التوالي، جرت قراءة رسالة الزعيم عبدالله أوجلان باللغتين الكردية والتركية، والذي دشّن عملية السلام في عيد النوروز الفائت، وان لم تحرز تقدماً ملموساً بفعل المماطلة والتسويف وعدم الجدية من الطرف التركي.
ورغم كل الخطوات الإيجابية التي أبداها الجانب الكردي إلا أنّ أوجلان جدّد خلال هذا العيد التمسك بالخيار السلمي.
فنحن ها هنا أمام خيار استراتيجي ومبدئي للشعب الكردي في التعايش والتشارك والتكامل مع الشعب التركي، الأمر الذي يستوجب من الجانب الآخر جدية وحزماً في انتهاج الحل السلمي ومصافحة اليد الكردية الممدودة للسلام، لا سيّما مع تشديد أوجلان والرئيس المشترك لمنظومة المجتمع الكردستاني جميل بايك، على ضرورة ولوج مرحلة التفاوض السياسي المباشر والمترافق مع إقرار تشريعات برلمانية وحكومية تقونن العملية التفاوضية السلمية، وتحصّنها وتجعلها خيار دولة.
فالكرد، بعد مضي عام، هاهم يجدّدون مبادرتهم السلمية الاستراتيجية وفق أنموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية، كوصفة حلّ تصلح للتعميم على مختلف دول المنطقة، التي ليس خافياً أنها تمرّ جميعها بمرحلة تحولات واضطرابات دموية عاصفة. الكرة في الملعب التركي، ولا بديل عن التفاوض والحوار في ظل استحالة نجاح الحل العسكري، الذي لطالما ثبت فشله على مدى عقود. فما بالك في مرحلة ربيع الشعوب وتخلخل البنى الاستبدادية الدولية في الشرق الوسط واهترائها، إذ تكفي إطلالة سريعة على كرنفال الحرية المليوني في نوروز آمد، وفي كل مدينة على امتداد شمال كردستان من رها إلى وان، ليدرك المرء أنّ هذا الشعب قد اختار طريق الحرية والخلاص عبر النضال الجماهيري الديمقراطي والبرلماني المدني، مع جهوزية عسكرية وقتالية للمقاومة والدفاع في حال نكوص الطرف الآخر عن السلام، وجنوحه نحو خيار العنف والدم مجدداً.
فبعد أربعة عقود من المحاولات المستمرة لوأد الثورة الكردستانية المعاصرة بقيادة حزب العمال الكردستاني، وبعد عقد ونيف على أسر الزعيم أوجلان، حان الوقت كي تتخلى تركيا عن منهجيتها الفاشلة إن أرادت لنفسها النجاة من المصير القاتم الذي يحيق بمختلف دول المنطقة.
ولعلّ الخطوة الأهم في إثبات جدية أنقرة في انتهاج طريق السلم وإقرار حل عادل وديمقراطي للقضية الكردية، وقطعها مع خيارات الدم والعنف في التعاطي مع شعب بأكمله، هي في اطلاق سراح أوجلان الذي دون نيل حريته سيبقى كل حديث عن السلام والحل السلمي مجرد لغو ولعب على الكلام، وتقافز على حقيقة أن حرية أوجلان من حرية شعبه، وهي الشرط الشارط للمضي قدماً في عملية السلام وتكليلها بالنجاح وطي صفحة الحرب والعنف المغمسة بالدم.
بعد مضي عام على اطلاق ندائه السلمي الشهير في العام الماضي ومن الساحة نفسها، ها هو عبد الله أوجلان يعيد الكرّة ومن موقع قوة الحق، فلا مناص من دخول العملية مرحلة التأطير القانوني والدستوري كي لا تغدو مجرّد عملية تكتيكية أو ورقة بيد حكومة العدالة والتنمية أو أي حكومة لاحقة، بل أن تصبح خياراً استراتيجياً وطنياً لمختلف القوى السياسية والمجتمعية عابراً للحسابات والاعتبارات الحزبية والفئوية. خصوصاً أننا على أبواب الانتخابات البلدية وسط مؤشرات تدل الى تراجع حظوظ أردوغان وحزبه مع النكسات المتلاحقة لسياساته داخلياً وخارجياً مع ضمور الطفرة الإخوانية، وفشل تجربة الاسلام السياسي في الحكم كما برهنت التجربة في مصر. وليس سراً هنا أنّ ذلك مثّل انتكاسة كبرى لأحلام أردوغان النيوعثمانية، وتوهم نفسه سلطاناً جديداً على شعوب المنطقة، أضف إلى ذلك تفجّر الخلاف بينه وبين أبيه الروحي فتح الله غولن، وما ترافق مع ذلك من نشر كل منهما غسيل الآخر الوسخ، وتكفي الإشارة الى تهم الفساد التي طالت حكومة أردوغان، وطالت ابنه. فالحري بالطبقة السياسية التركية التجاوب المبدئي مع المبادرة الكردية للسلام، واقتناص هذه الفرصة التاريخية، لاسيما أن الظروف الذاتية والموضوعية تضع الكرد في طليعة مشروع دمقرطة تركيا وفق مبادئ التعدد واللامركزية على وقع التحولات التي تعيشها المنطقة، وخصوصاً الثورة المتصاعدة في روج آفا – غرب كردستان، ودخولها الى مرحلة المأسسة، عبر اعلان الادارة الذاتية الديمقراطية، وفق صيغة الكانتونات الثلاثة (الجزيرة وكوباني وعفرين).
وذلك على غرار النموذج السويسري وهي الوصفة الصالحة للتعميم على الصعيد السوري العام، فضلاً عن كونها صيغة حل للقضية الكردية في الأجزاء الأخرى من كردستان لاسيما شمال كردستان، التي بات واضحاً أن وتيرة النضال التحرري الحقوقي فيها تتصاعد على وقع المكتسبات والانجازات القومية والديمقراطية على مرمى حجر في غرب كردستان. وهذا ما بدا جلياً في كرنفالات «نوروزها»، إذ كانت روج آفا حاضرة بقوة بثورتها ومقاومتها، ونظام إداراتها الذاتية الديمقراطية في المشهد النوروزي في كردستان المركزية (كردستان تركيا).
* كاتب كردي