أكد النجاح اللافت للجلسة الأولى لـ«الملتقى العربي، متحدون ضد صفقة القرن وخطة الضم»، الذي انعقد عبر تطبيق ZOOM الإلكتروني، بحضور العشرات من الشخصيات السياسية والروحية والحزبية والنقابية والثقافية العربية، من أعضاء الأمانات العامّة للهيئات العربية الداعية، وقادة المقاومة والاتحادات العربية، والتي استمرت أكثر من أربع ساعات ونيف إلى أمور ثلاثة:

أول هذه الأمور، أنّ فلسطين ما زالت القضية الجامعة لأبناء الأمة من المحيط إلى الخليج، وأنّ المشاركين في هذا الملتقى على تنوّع مشاربهم الفكرية والسياسية، بل على تباين مواقفهم من قضايا عديدة شغلت الأمّة ولا تزال، قد أكّدوا استعدادهم لتجاوز كلّ ما انتاب العلاقات بينهم من توترات من أجل نصرة الحق الفلسطيني، الشعب الفلسطيني، والمقاومة في فلسطين ومن أجلها، وهو أمرٌ يفتح الآفاق لمرحلة جديدة من نضال الأمة الذي تسترجع فيه زخمها الشعبي ووحدتها الميدانية التي تشكل قاعدة أي ردّ على كلّ ما يحيط بهذه القضية من مخطّطات ومؤامرات.
ثاني هذه الأمور، أنّ أبناء هذه الأمة في وادٍ وحكامها في وادٍ آخر، ففي وقت يُراوح فيه موقف الحكام العرب، في غالبيتهم الساحقة، بين متآمر ومتواطئ وصامت أمام ما يحاك لفلسطين وعاصمتها ومقدّساتها، ما زال الموقف الشعبي العربي واضحاً لا يساوم ولا يهادن، وإن تراجعت أشكال التعبير عنه.
ثالث هذه الأمور، هو أنّ أي خطوات وحدوية فلسطينية تنعكس فوراً على وحدة الموقف الشعبي العربي والإسلامي والعالمي من هذه القضية، وأنّ ترجمة هذه الخطوات الوحدوية إلى فعل مقاوم متمثل بانتفاضة فلسطينية كبرى، فذلك أمر من شأنه أن يشعل في الأمة الهمم ويحرّك العزائم، لا لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني العظيم، وكل مقاومة من أجل فلسطين فحسب، بل لدحر الاحتلال نفسه عن أرضنا المحتلّة وعن قدسنا الحبيبة، ولا سيما في ظلّ تغيّر ملحوظ في موازين القوى الإقليمية والدولية، وتحوّل لا يمكن تجاهله في مزاج الرأي العام العالمي.
باختصار، كان هذا الملتقى، الذي يستكمل رسالة ملتقيَين سابقَين ضد صفقة العار انعقدا في بيروت في 2/6/2019 و 7/7/2019، وبدعوة من الهيئات الست ذاتها (المؤتمر القومي العربي، المؤتمر القومي الإسلامي، المؤتمر العام للأحزاب العربية، اللقاء اليساري العربي، الجبهة العربية التقدمية ومؤسسة القدس الدولية)، التي دعت لهذا الملتقى، اليوم، تأكيداً على أنّ أمّتنا بحاجة إلى فلسطين كقضية توحّد مسيرتها، تماماً كما أنّ فلسطين بحاجة إلى وحدة الأمة كي تنتصر على أعدائها.

تزامنٌ مقصود
أن تحرص الهيئات العربية الست الداعية لـ«الملتقى العربي: متّحدون ضد صفقة القرن وخطة الضم»، يوم السبت في 11/7/2020، على اختيار 11 و12 تموز / يوليو، أي عشية الذكرى الـ 14 للحرب العدوانية الصهيو ــــــ أميركية على لبنان عام 2006، موعداً لانعقاد الملتقى، فهو انتصار لفلسطين ومقاومتها، كما هو انتصار لكل مقاومة من أجل فلسطين وفي طليعتها المقاومة اللبنانية، بكل موجاتها، والتي ولدت براعمها الأولى في أحضان المقاومة الفلسطينية.

كان هذا الملتقى تأكيداً على أنّ أمّتنا بحاجة إلى فلسطين كقضية توحّد مسيرتها تماماً كما أنّ فلسطين بحاجة إلى وحدة الأمّة كي تنتصر


وهذا التزامن المقصود بين انعقاد الملتقى وذكرى نصر تموز عام 2006، يذكّر بتزامن آخر حين انعقد في 15 تموز / يوليو 2016، مؤتمر عربي عام لرفض تصنيف المقاومة اللبنانية بالإرهاب، بعدما تكاثرت قرارات رسمية وزارية عربية بهذا الاتجاه. الملاحظ أنه بعد ذلك المؤتمر الكبير ،كمّاً ونوعاً، الذي انطلق في بيروت وبدعوة من «المؤتمر القومي العربي»، وضمّ المئات من أبرز الشخصيات العربية، أن لا اجتماع عربياً، لا على مستوى القمة، ولا على مستوى الوزراء، قد أخذ قرارات تعتبر المقاومة إرهاباً، بدءاً من قمة نواكشوط التي انعقدت بعد أسابيع على مؤتمر بيروت العربي الشعبي العام. ولعلّ فعّالية ذلك المؤتمر الداعم للمقاومة، تجلّت بشكل خاص في الحملة الإعلامية والسياسية، التي شنّتها أوساط عربية ودولية معادية للمقاومة ضد المؤتمر القومي العربي ورموزه، تماماً كتلك الحملة الإعلامية والسياسية الضخمة التي طاولت المؤتمر ورموزه بعد دور المؤتمر، مع غيره من المؤتمرات والهيئات الشقيقة، في تعبئة القوى الشعبية العربية في مناهضة الحصار على العراق، والحرب عليه... فاحتلاله. وكالحملة التي شُنّت على المؤتمر، أيضاً، بسبب تحذيره من مخاطر الحرب الكونية على سوريا وفيها، ودعواته المتكرّرة للحوار ورفض التدخّل الاستعماري فيها، وإدانة فعل جماعات الغلوّ والتوحّش التدميري. وكلّما اشتد الحصار على المؤتمر، بل على كل مبادرة قومية مماثلة، ازدادت ثقة العروبيين النهضويين، على اختلاف منابتهم الحزبية والسياسية، بأنفسهم وبخيارات التكامل مع التيارات الأخرى في الأمّة، ولا سيّما التيار الإسلامي المستنير، واليساري التحرّري، والليبرالي الوطني، وهو تكامل لا نهوض للأمة بدونه، بل هو نهوض لا يتحقّق إلا بالتزام خيار المقاومة وأهداف المشروع النهضوي العربي.

عناوين سبعة أساسية
إذا أمكن اختصار عشرات المداولات والمداخلات التي شهدها «الملتقى العربي: متّحدون ضد صفقة القرن وخطة الضم»، والتي شارك فيها قادة فلسطينيون من كلّ الفصائل، وشخصيات عربية من كلّ التيارات، لاختصرناها بسبعة عناوين:
أولها: دعوة إلى إسقاط «صفقة القرن» وكلّ مخرجاتها في فلسطين وعلى مستوى الأمة، والتمسك بوحدة قوى المقاومة والتحرّر على مستوى الأمة والعالم.
ثانيها: اعتزازٌ بما جرى من لقاءات بين حركتَي «فتح» و«حماس» ودعوة إلى استكمالها مع كل الفصائل لإطلاق انتفاضة شعبية عارمة تدحر الاحتلال وتحرّر القدس، ولتصعيد المقاومة بكل أشكالها ضد عدو لا يفهم إلّا بلغة المقاومة.
ثالثها: إدراك لحجم المتغيّرات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على موازين القوى، بما يتيح المجال أمام قوى المقاومة والتحرّر في الأمة، لأن تحقّق انتصارات ملموسة.
رابعها: التأكيد على أنّ فلسطين قضية جامعة لكلّ أبناء الأمة، وأنّ تكامل قوى الأمة وتياراتها هو الطريق الأسرع لتحريرها.
خامسها: الحاجة إلى استراتيجية عمل جدية على كل المستويات الشعبية والرسمية، الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية، لمواجهة ما يحاك من مخططات ومؤامرات ضد فلسطين والأمة.
سادسها: إنهاء كل الاتفاقات المعقودة، والاتصالات القائمة مع العدو الصهيوني، وتعزيز حركة المقاطعة ومناهضة التطبيع وقطع العلاقات مع واشنطن وكل دولة تعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.
سابعها: تهنئة لبنان، شعباً وجيشاً ومقاومة، بانتصار تموز 2006 على العدوان الصهيوني، واتخاذ هذا الانتصار، مع تحرير عام 2000، قدوة ودليلاً على قدرة الأمة على مواجهة أعدائها.

* كاتب وسياسي لبناني