عندما كانت باكستان تعاني من أسوأ أزمة طاقة في تاريخها، لم تكن التدخّلات الخارجية والقروض الممنوحة تساهمُ في حلّ الأزمة، بل على العكس من ذلك، كانت تستغل الوضع المزري وتُفاقم آثاره. لم يتوقف أثر انقطاع التيار الكهربائي الذي كان يصل إلى 20 ساعة في اليوم على الحياة المعيشية للأفراد وحسب، بل تعدّى ذلك لينال من الاقتصاد الوطني الباكستاني ككل. مصانعُ مغلقة بسبب الانقطاع الكهربائي، وشحٌّ في الاستثمارات نتيجة غياب الرغبة عند المستثمرين الأجانب، وصولاً إلى تقويض جهود التنمية وإلى انخفاض معدل النمو الاقتصادي (بمعدل نقطتين ونصف)، كلُّ هذه الآثار جعلت باكستان تعيش في خطر اقتصادي كان أشدّ من خطر الإرهاب على الاقتصاد، كما صرّح وزير المياه والطاقة خواجة آصف في حينها. لم يكن على باكستان أن تنتظر الفرج ممّا وراء البحار، بل كلّ ما كان عليها فعله هو أن تغيّر الجهة المانحة للقروض، فقد ضاقت ذرعاً بسياسات صندوق النقد الدولي، وكان لا بدّ من التحوّل نحو مانحٍ جديد، ألا وهو «البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية» ــــــ AIIB، والذي مقرّه بكين، جارتها الرائدة في استثمارات الطاقة، والمتفوّقة على الولايات المتحدة في هذا المجال.

لم يؤخذ قرار التوجّه نحو بكين فجأة، بل جاء نتيجة تراكم زيارات ولقاءات ومشاورات بين الطرفين، بدأت في عام 2013 واستمرّت حتى عام 2017، حين تمّ إعلان خطة «الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الطويلة المدى»CPEC (2017 ـــــ 2030). هذه الخطة تربط مبادرة «الحزام والطريق» الصينية مع «رؤية باكستان 2025»، حيث تمّ التركيز على أربعة مجالات رئيسية، هي: 1ــ ميناء غوادر 2ــ الطاقة 3ــ البنية التحتية للنقل 4ــ التعاون الصناعي، على أن يتبعها لاحقاً تعاون في مجالات عدّة، مثل الاتصالات والحدائق الصناعية والزراعة وتخفيف حدّة الفقر وتحسين معيشة الشعب والأوضاع المصرفية. ما إن دخلت خطة CPEC حيّز التنفيذ حتى بدأت التقارير الأخبارية تفيد بأنّ باكستان تمتلك من الفحم ما يكفي لتوليد الطاقة فيها لمدة 200 عام، حيث تمّ إنشاء 17 محطة لتوليد الكهرباء (مائية وهوائية وعلى الفحم... إلخ) من أصل 22 محطة مزمع إنشاؤها، وما زالت المشاريع قيد الإنشاء والدراسات للبدء بمشاريع جديدة مستمرّة لمدّ كلّ أقاليم باكستان بالطاقة الكافية. نعم، ما أن بدأت ثمار هذه الخطة تظهر لدول الجوار حتى بدأت الصحافة المعادية للصين الشعبية ولباكستان النامية اقتصادياً تنهال بالمقالات والأخبار حول «التدمير الصيني للبيئة الباكستانية»، من دون ذكر أي شيء عن مشاريع التشجير التي تُقام في باكستان حفاظاً على البيئة. ما إن بدأت التنمية البشرية (وفق المفهوم الماركسي) تعطي نتائجها الإيجابية، حيث راجت في الريف الباكستاني العبارة التالية «من قيادة الدراجة الهوائية إلى قيادة العربات الثقيلة»، حتى بدأت الإشاعات من كلّ حدب وصوب تهاجم الاستثمارات الصينية وتتّهمها بأنها تستخدم اليد العاملة الصينية، ولا توفر فرص العمل للباكستانيين كما وعدت! هذا ما ردّ عليه السيناتور الباكستاني مُشاهد حسين السيد، في لقاء متلفز تم بثّه على قناة «الميادين» في عام 2018، ليؤكّد أنّ 60 ألف مهندس صيني يعمل في باكستان لتدريب العمّال والمهندسين مقابل 22 ألف طالب جامعي يدرس في الصين، من دون أيّ وجود يُذكر للطبقة العاملة الصينية في باكستان، وذلك لارتفاع أجر العامل الصيني مقارنة بالباكستاني. نعم، ما إن بدأت مؤشّرات النمو الاقتصادي بالارتفاع في باكستان، حتى بدأ الإعلام الأميركي يتّهم الصين بأنها قد أوقعت باكستان في «فخ الديون» متناسين برامج التنمية وآثارها. ردّ سكرتير قسم الشؤون الاقتصادية في باكستان نور أحمد على هذه الأكاذيب بأن الدَين الصيني لا يشكّل سوى 10 إلى 11% من إجمالي الديون الأجنبية، بينما الباقي، وهو 89 إلى 90%، جاء من مصادر أخرى مثل صندوق النقد الدولي ونادي باريس ومنظمات غربية أخرى، وأوضح قائلاً: «لقد ظلّت الصين داعماً قوياً لباكستان، وغالباً ما تهبّ لنجدتها في وقت الأزمات الاقتصادية الصعبة. وعبر الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، تبني الصين مشاريع بنية تحتية في باكستان لدفع اقتصادها وتطوير بنيتها التحتية، وبعض الأموال تأتي لباكستان كاستثمارات خالصة تماماً، وبعضها ديون بلا فائدة، وبعضها الآخر عبر شروط ميسرة جداً. وإذا قامت الصين بإقراض باكستان الأموال بأدنى معدل فائدة في العالم فكيف يكون الأمر فخ ديون؟».
لكن ما الذي يميّز هذه الاستثمارات عن استثمارات الدول الإمبريالية؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ لنا من الإيضاح بإيجاز بعض المسائل المتعلّقة بالصين والتي ما زالت موضع نقاش وجدال.
أولاً: من يقول إن «الصين رأسمالية» كمن يقول «لا تقربوا الصلاة» ويقف عند هذا الحد، فهو يطمس التمايز بين «رأسمالية الدولة الاشتراكية» في الصين الشعبية، وبين رأسمالية الدولة الإمبريالية في المراكز الرأسمالية. هنا، قد يسأل أحدهم «ماذا عن العلاقات الاجتماعية التي تحكم نمط الإنتاج في الصين؟»، نجيب بأنّ العلاقات الاجتماعية التي تحكم نمط الإنتاج في الصين هي علاقات إنتاج اشتراكية تهيمن على علاقات إنتاج رأسمالية تعيش إلى جوارها عبر الاستثمار الأجنبي وعبر ملكية الفلاحين للأرض. لكن تبقى الهيمنة للعلاقات الاشتراكية التي تعني أنّ ملكية وسائل الإنتاج في الصناعة والخدمات والعقارات هي ملكية عامة تديرها الدولة الاشتراكية في الصين (الشركات الصينية المملوكة للدولة والمدارة مركزياً). وما تعاملُ الدولة الصينية مع انتشار وباء «كورونا»، أخيراً، إلّا دليل واضح على قدرة الدولة الصينية الاشتراكية على التحكّم في تفاصيل الاقتصاد الصيني، وقدرتها الكبيرة على إعادة تخطيطه وتوجيهه بكل مرونة وفق ما تقتضيه حاجات الشعب الصيني وحركة الأسواق.
ثانياً: إنّ جوهر الإمبريالية هو الاحتكار في ظلّ نمط الإنتاج الرأسمالي، وهيمنة علاقات الإنتاج الرأسمالية الممثلة حقوقياً بعلاقات الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، أمّا الشركات الاحتكارية للدولة الصينية فلا علاقة لها بهذا النوع من الاحتكار، لأنّ احتكارات الدولة الصينية تعمل في ظلّ هيمنة علاقات إنتاج اشتراكية وملكية عامة لوسائل الإنتاج تديرها الدولة الاشتراكية.
ثالثاً: تتحاشى البنوك الصينية سياسات صندوق النقد الدولي المُتّبعة في تعامله مع الدول. صندوق النقد الدولي يتدخّل في سياسات الدول، وقد يطلب الحق في احتكار الثروات الباطنية والتحكّم بعقودها التجارية، وقد يتعدّاها لإجراء بعض التغييرات كتغيير سلوك الأنظمة، وفرض قطع للعلاقات السياسية والاقتصادية مع بعض الدول المعادية والرافضة لسياساته، وقد يطلب محاصرة أيّ طرف داخلي يقاوم هذه السياسات. أمّا السلطات الصينية فقد أعلنت منذ طرح مبادرة «الحزام والطريق» على العالم ككل في عام 2014، أنه: 1ــ لا صراع أيديولوجياً بين الصين وبين أي طرف آخر 2ــ لن تفرض الصين، ولن تطلب، إجراء أي تغيير في سياسات الأنظمة التي ستتعامل معها 3ــ لا تسعى الصين لتغيير النظام العالمي، بل تسعى لإيجاد نظام عالمي عقلاني أكثر إنصافاً وعدالة من النظام الحالي. من التصريحات السابقة يمكننا إدراك ماهية هذه الاستثمارات. الصين لا تريد تغيير العالم، وليس لديها أي صراع أيديولوجي مع أي طرف، أي: لن تحاول الصين تغيير الأنظمة في الدول التي تستثمر فيها لتصبح اشتراكية تابعة لها. الآن، يمكننا قراءة هذا الكلام بشكل مغاير: الصين لا تفكّر بالتغيير من الأعلى، بل كلّ ما تودّه هو بناء مشاريع تنموية مع إعداد البنية التحتية المناسبة لذلك، أي: الصين تريد التغيير من الأسفل. هذا ما يحصل اليوم تماماً في باكستان، فالصين تريد توحيد الشعب الباكستاني بهدف إحلال الأمن وإنهاء النزاعات الداخلية والقضاء على الإرهاب، من خلال إحلال المشاريع التنموية في البيئات الحاضنة له. أساس كل ذلك، هو اشتراط التنمية العادلة في جميع أقاليم باكستان مع وصلها ببعضها البعض ضمن شبكة طرقات تكسر عزلة أي إقليم عن الآخر، فقومية «البلوش» مثلاً التي تعيش في إقليم بلوشستان، لطالما اشتكت من التهميش المستمر. اليوم، صار إقليم بلوشستان، بميناء غوادر الذي يحتويه والذي ينافس الموانئ الإماراتية، من المناطق المهمة في العالم ككل. وبدأ أهل هذا الإقليم، المهمّش سابقاً، يشعرون بأنهم جزء مهمّ من باكستان ولاعب اقتصاديّ يردف خزينة الدولة. وبما أنّ الممر (الكوريدور) يمر بأغلبه في إقليم بنجاب، فقد اشتكت الأقاليم الأخرى واعتبرته إمعاناً في تهميشها، وعليه، تم الاتفاق على أن تشمل المشاريع التنموية كل الأقاليم في باكستان.
عندما نقول «إمبريالية»، فنحن نقول «دول متخلفة» بالضرورة. الإمبريالية وأدواتها المحلية هي التي تعمل على إعاقة التنمية الاقتصادية ـــ الاجتماعية في دول العالم المتخلّفة بهدف السيطرة على ثرواتها، إلّا أنّ الاستثمارات الصينية في باكستان هي استثمارات في مشاريع تنموية تسعى لتغيير نمط حياة المواطن الباكستاني ولتوفير ظروف معيشية أفضل للسكان. إنها تفعل ما لم تفعله الولايات المتحدة على مرّ عقود في أفغانستان، إنّها تكسر شرط التخلّف الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الباكستاني، التخلّف الذي هو صورة للعلاقة الإمبريالية والاستغلال الإمبريالي.
أخيراً، إلى لبنان: الاستثمارات الصينية التنموية المطروحة على لبنان، اليوم، لا علاقة لها بجهة سياسية معيّنة ولا بطائفة محدّدة، ولن تقتصر الفوائد على جهة أو فئة بذاتها. إنها استثمارات تسعى لإحلال مشاريع تنموية في البلد ككل من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. استثمارات سيجني ثمارها أبناؤكم وأحفادكم.
إلى الشرق يا رفاق، فالشمس تسطع من هناك.

* جامعي سوري مقيم في ووهان