«نحن في مرحلةٍ استثنائيّة… واحدة من أصعب مراحل تاريخنا. لماذا؟ لأننا تُركنا لوحدنا نواجه الإمبريالية. لوحدنا. إلامَ تحتاج لكي تواجه الإمبريالية وحيداً؟» (يصرخ الناس من على الشرفات «الوحدة»)»... «الأمر يستلزم الوحدة، ولكنّه أيضاً يحتاج إلى الشجاعة، ويتطلّب الوطنيّة، ويتطلّب روحاً ثوريّة. إنّ شعباً ضعيفاً، شعباً جباناً، سيستسلم ويرجع إلى قيود العبوديّة. ولكنّ شعباً لديه كرامة ولديه شجاعة، مثل شعبنا، لا يستسلم، ولن يعود إلى العبودية أبداً»


فيديل كاسترو، في خطابٍ وجّهه في هافانا إلى محتجّين على الأوضاع عام 1994 (من كتاب «نحن كوبا: كيف صمد شعبٌ ثوري في عالمٍ بعد ــ سوفياتي» لهيلين يافي، ص.56)


هناك، إذاً، طريقتان لفهم ما جرى في الصين منذ التحرير. السرديّة الأولى تعتبر أنّ الاشتراكية في الصين قد تحقّقت فعليّاً بحلول عام 1956 واستكمال التأميم والإصلاح الزراعي. أي أنّه، مع حصول انتقال قانوني في الملكيّة جعل الأرض والمصانع ووسائل الإنتاج عامّة أو جماعيّة بعدما كان أكثرها في يد الإقطاع والكومبرادور والأجانب، اكتمل البناء الاشتراكي. هذه النظرة تعتبر أنّ كلّ ما جرى في الصين مذّاك ـــــــ وما هو موجود حاليّاً ـــــــ يمثّل الاشتراكيّة ولكن بأشكالٍ مختلفة (اشتراكيّة مع تحديث، اشتراكيّة مع تجريب، اشتراكيّة بخصائص صينيّة، إلخ). وهذه هي إجمالاً نظرة الحزب الشيوعي الصيني اليوم.
السرديّة الثانية، التي يتبنّاها الماويّون، تعتبر أنّ «الاشتراكيّة»، بالتعريف الذي شرحناه سابقاً، لم تتحقّق يوماً أو تكتمل. ما شهدناه هو عمليّة «انتقال اشتراكي»، وهي عمليّة طويلة وصراعيّة وليس لها طريقٌ واضح أو محدّد سلفاً، وتتجاور فيها عناصر اشتراكيّة وعناصر رأسماليّة، وتحفل بالتناقضات. ويعتبرون أنّه، حتّى عام 1978، كان المشروع الاشتراكي يغلب على المشروع الرأسمالي ضمن هذا المسار، بينما أصبحت الخصائص الرأسمالية هي الغالبة بعد ذلك التّاريخ.
بحسب الباحثين دنغ ــــــ يوان هسو وباو ــــــ يو تشينغ، فإنّ الاختلاف الأساسي بين ماو تسي ــــــ تونغ من جهة، وبين ليو شاوتشي ودِنغ وجناحهما من جهةٍ أخرى، كان ينبع من هنا: كان ليو يعتبر أنّ المهمّة الاشتراكيّة في «بنيتها الفوقية» (أي بمعنى تغيير قواعد الملكيّة والعلاقات السياسية والتنظيم الاجتماعي) قد أُنجزت، بل إنّ هذه البنية الفوقيّة قد أصبحت متقدّمة بكثير على بنية الإنتاج، فالصين لا تزال بلداً فقيراً بالكاد يطعم نفسه. التحدّي الأساسي بالنسبة إلى ليو، كان في تطوير أدوات الإنتاج ورفع مستوى النمو في الصين، ولو باستخدام أدوات رأسماليّة أو تقديم حوافز ربحيّة تخالف الروح الاشتراكيّة. من هنا أيضاً، كان فريق ليو شاوتشي يرى الحملات الشعبيّة والسياسية التي كان يُطلقها ماو باستمرار على أنّها «جذريّة مكلفة» لا مكان لها، تلهي عن الأهداف الملحّة وتهزّ الاستقرار وتخرّب مسيرة الإنتاج، وكانت نتيجتها الدائمة هي الفشل والكوارث ــــــ وهذه هي، أيضاً، الطريقة التي أرّخ بها النظام بعد عام 1978 للفترة الماويّة (الطريف هنا هو أنّ الكثير من الغربيين والعرب الذين يشيطنون الصين والحزب الشيوعي الصيني، ولا يصدّقون خطاب القيادة الصينية في أيّ موضوع، يتبنّون بالكامل سرديّتها عن ماو والمرحلة الماويّة، التي خرجت من رحم الصراع السياسي وانتصار المعسكر المعادي للماوية في السبعينيات والثمانينيات، ويردّدون حكاياتها و«أرقامها» كأنها حقائق لا تستحق النقاش).
بالمقابل، كان ماو يرى الصراع والتناقضات التي تحفل بها مرحلة الانتقال الاشتراكي، وفي الدولة والمجتمع من حوله، ويعتبر أنّ الردّة إلى «الطريق الرأسمالي» والنظام القديم هي احتمالٌ ماثل، إن لم يتمّ التعامل مع هذه التحدّيات باستمرار وتجذير الثورة شعبيّاً. المسألة الإشكالية هي أنّ «الدولة الاشتراكية» (التي تزعم تحقيق المساواة وتمثيل الطبقة العاملة إلخ) لا تختلف جوهرياً عن «الدولة البرجوازية» في بنيتها: لديك في الحالتين تراتبية ورؤساء ومرؤوسون، لديك إداريون يخطّطون ويقرّرون وأناس يعملون بأيديهم، لديك «خبراء» مقابل «جهلة» لا يحقّ لهم الكلام، ولديك أفراد قلائل يتصرّفون بموارد هائلة. التاريخ يخبرنا بأنّ من يمتلك سلطةً على البشر فهو، إن لم يكن لديه رادع، سيميل حكماً إلى استغلالها؛ فما الرادع هنا؟ بالنسبة إلى ماو، هذا لن يكون إلا عبر حزب الطبقة العاملة والناس «من تحت»، والرقابة السياسية الدائمة على النخب، في الحزب والدولة والمصنع. المهم، إذاً، هي الديناميات السياسية التي تحرّك هذه المؤسسات، وليس شكلها أو وضعها القانوني. ولكنك أيضاً، في الصين، تخرج من مجتمع إقطاعي، تراتبي، ذكوري، عاش في كنفه الناس لأكثر من مئة جيل. وشعبٌ أكثره غير متعلّمٍ ولا يمتلك خبرة سياسية. كيف تمنع العلاقة بين المواطن والمسؤول الحزبي من أن تستنسخ العلاقة القديمة بين القنّ والإقطاعي؟ وأن يتلبّس الموظّف الكبير دور وسلطة البيروقراطي في الدولة الإمبراطورية؟ هل سيقدر العامل على الوقوف في وجه رئيسه وانتقاده وتحدّيه، وهو قد اعتاد تاريخياً على الطاعة؟ وكيف يعرف حقوقه أصلاً وكيفية ممارستها، ويفهم العلاقة بين حياته ومصيره وبين المشروع السياسي الذي يمثّله؟
تكتب تشينغ أنّ أحد أهمّ أهداف «الحملات الشعبية» التي أطلقها ماو، كان في هذا الإطار تحديداً، بعيداً عن الهدف المباشر الذي قامت لأجله. شكّلت كلّ من هذه الحملات (الحرب الكوريّة، «القفزة الكبرى إلى الأمام»، حملة «اللاءات الثلاث واللاءات الخمس»، «الثورة الثقافية»، إلخ) حدثاً سياسياً جماعيّاً، تحشد فيه عشرات ومئات الملايين من المواطنين العاديّين (سواء تطوّعوا لتنمية البنى التحتية في الريف، أو للقتال في كوريا، أو لمواجهة الفاسدين وتعلّم نقد الرؤساء، إلخ) وكانت هذه هي علاقتهم المباشرة والوحيدة بالسياسة. عبر الممارسة، كان الناس يتعرّفون إلى حقوقهم، ويعيدون تعريف العلاقة مع السلطات، ويتثقّفون سياسياً ــــــ فمن المستحيل أن تقوم «الطبقة العاملة» بالرقابة على الدولة، إن لم تكن تفهم، ولو في الأساسيات، كيف تعمل الدولة وسياساتها. أساساً، تقول تشيغ، فإنّ أحد أهم الأسباب لنجاح الردّة الرأسمالية في الصين، كان جهل الجماهير بما يجري في الصفوف العليا للحزب الشيوعي، واعتبارهم أنّ القيادة كتلةٌ واحدة، إذ لم يكونوا يعرفون أنّ كل المكتسبات التي تحقّقت لهم منذ الثورة قد انتزعت إثر صراعاتٍ داخل المكتب السياسي، وأنّ هناك من يتربّص بها، ومن الممكن بسهولة أن يخسروها من جديد.

الانتقال العسير
بتعابير أخرى، كان ماو ينظر إلى المشروع الاشتراكي كنظرة فيديل كاسترو في الخطاب الذي اقتبسناه أعلاه (الشكر للصديق الأردني الذي مدّني بالكتاب عن كوبا ومواد أخرى ــــــ لن ينفعه أن أذكر اسمه ولن ينفعني أنا أيضاً)، أي أن المشروع الاشتراكي عند ماو، لا يمكن أن يدافع عنه ضدّ أعدائه ــــــ في الداخل والخارج ــــــ شعبٌ «ضعيفٌ وجبان» وبعيدٌ عن السياسة. أكثر من ذلك، بمعنى ما، فإنّ «الانتقال الاشتراكي»، وليس «الاشتراكية»، هو كلّ ما نملكه: هو ساحة الصراع الطويلة وميدان الممارسة والنضال، وهو حالة الحرب المستمرّة التي قد تتقدّم فيها وقد تتراجع. الاشتراكيّة، في حالتها الخالصة، هي أشبه بيوتوبيا قد نصل إليها وقد لا نصل، وجلّ ما تملكه هو في أن تسعى إليها وتجد لها طريقاً وأن لا تترك فكرتها تموت.
حين تصل الرأسماليّة إلى مرحلتها المتقدّمة يكون التحوّل الاشتراكي هيّناً، بحسب هسو وتشينغ (وقبلهما كارل ماركس). هنا يكون الاستقطاب وصل إلى أقصاه في المجتمع، والصناعات تركّزت في احتكارات، ورأس المال في يد قلّة قليلة. هنا، حقّاً، كلّ ما عليك فعله هو نقل الملكية القانونية من رأس المال الخاص إلى العموم، فأنت ـــــــ في الرأسمالية المتقدّمة ـــــــ تنتج أصلاً ما يفوق حاجتك بكثير، والمشكلة هي أنّ فقر الناس يمنعهم من شراء كلّ هذه السلع واستهلاكها. ولكنّ الفكرة هي أنّه لا يجب أن يكون لزاماً علينا أن ننتظر حتّى تكتمل الرأسمالية في أشرس صورها، وتقتل مليارات الناس وتبيد حضاراتٍ وتسحق ألف جيل، من أجل تحقّق «الشروط التقنيّة» لقيام نظامٍ أفضل ـــــــ وهنا جوهر تجربة ماو ورفاقه.

لا بأس في أن نعترف بأنّ الاشتراكية قد هُزمت وأنّها واجهت أعداءً شرسين في الداخل والخارج ولم تتمكّن من الصمود حتّى في أكبر معاقلها


مرحلة الانتقال الاشتراكي تجتمع فيها عناصر اشتراكية وعناصر رأسمالية، وهذا يخلق تناقضات. على سبيل المثال، بعض التعاونيات الزراعية (الكومونات) حظيت بأرض خصبة أو بمزارعين مهرة، ووجدت نفسها ناجحة وتحقّق أرباحاً وتستثمر في تطوير إنتاجها، فيما البعض الآخر كان بالكاد يقدر على تحقيق الحدّ الأدنى من المحاصيل. داخل كلّ فريق عمل، كان هناك من يعتبر نفسه قويّاً وخبيراً ويقدر على تحقيق حياةٍ مزدهرة إن لم يكن عليه تقاسم إنتاجه مع الضعفاء في قريته، والمساهمة في إعالة من لا يقدر على العمل. بعض الوحدات الصناعية كانت ترى أنّ في وسعها تحقيق الكثير من الأرباح، والتصدير إلى الخارج، لولا أنّها مجبرة على الإنتاج بحسب حاجات المجتمع بدلاً من الربحيّة. هذه التناقضات كلّها ظلّت تتّسع، وذلك ما أعطى زخماً لإصلاحات دِنغ وجناحه، إذ أصبح بالإمكان تشكيل حلفٍ واسع في المجتمع يرى مصلحته في تحرير الاقتصاد؛ ومع غياب ماو لم تكن هناك شخصيّة تقدر على استنهاض الطبقة العاملة لأجل الدفاع عن نفسها. الاختلاف بين «الطريق الاشتراكي» و«الطريق الرأسمالي»، تقول تشينغ، هو من نوع الخلافات التي لا يمكن حلّها بالوسائل الديمقراطيّة. في الديمقراطية الليبرالية، بحسب تشينغ، تتعدّد الخيارات السياسية والأحزاب ولكنّها كلّها تتفق على صيانة المجتمع البرجوازي، فيما أن مشروعين متعارضين (رأسمالي واشتراكي) يمثّلان مستوىً مختلفاً وأعلى من الصّراع.
تقول تشينغ بأنه بعد أربعة عقودٍ على إصلاحات دِنغ، ورغم النموّ والنجاح الاقتصادي للبلد، يوجد حوالي 300 مليون مزارع فقير في الريف اليوم، الكثير منهم عجائز وأولاد، وهم يعتاشون على الحوالات التي يرسلها 300 مليون صيني آخر هجروا قراهم للعمل في المدن والقطاع الصناعي. وعلى الرغم من أنّ كبار الأثرياء هم قلّة صغيرة، إلّا أنه يوجد بينهم وبين العمّال الفقراء حوالى 300 مليون صيني آخرين أصابوا نجاحاً في عهد الانفتاح وأصبحوا من الطبقة الوسطى (مدراء تنفيذيون، بائعو عقارات، صحافيون وأكاديميون، إلخ)، وهم يعيشون «حياةً مريحة»، ويشكّلون قاعدة شعبية تدعم النمط الرأسمالي. بمعنى آخر، التناقضات ازدادت واتّسعت عن حالها أيام ماو، وستتطوّر أكثر بحسب حالة الصراع السياسي والاجتماعي في الصين (ولا يكفي أن نقول إنّ في الصين «رأسمالية دولة» ونقف هنا، فـ«رأسمالية الدولة»، كتوصيف، لا تعني شيئاً كثيراً بل هي أيضاً حالة انتقالية ومتغيّرة. يمكن لرأسمالية الدولة أن تنحو صوب التخصيص أو أن تنحو صوب الاشتراكيّة، ويمكن لها أن تعتمد نمط تنمية مستقلاً أو أن تدير اقتصاداً يحكمه أوليغارشيّون يتبعون رأس المال الخارجي، إلخ).
من جهةٍ أخرى، حين تكون جزءاً من مشروع اشتراكي، والعمّال والفلّاحون يساعدون بعضهم البعض ويقفون في حلفٍ طبقيّ سويّةً، كما كان الحال بعد الثورة، فإن الكثير من التناقضات القديمة تزول. وضع المرأة في الريف الصيني كان بائساً قبل التحرير، دعك من حقوق المشاركة والتعليم وهذه الأمور، كانت أكثر النساء في الريف لا تملك حتّى ذمّة ماليّة وتُعتبر ملحقةً ببيتها. لم يكن التحرير هو ما غيّر وضعية المرأة بشكلٍ جذريّ، ولا الإصلاح الزراعي حتّى، بل مرحلة التجميع وتشكيل فرق الإنتاج وتقدّم الاشتراكية في الريف، حين أصبحت «نقاط العمل» التي تسجّل مجهودك ومردودك توضع باسم المرأة مباشرةً وليس باسم زوجها أو العائلة. وتضيف تشينغ أنّ القدرات الإنتاجية، لو تطوّرت أكثر تحت الاشتراكية وأصبح هناك مكننة وفائض ولم تعد القدرات الجسدية هي أساس العمل، فإنّ الفوارق بين دخل المرأة والرجل ستتقلّص أكثر فأكثر (منذ أيّام، استخدم جو بايدن في أحد مهرجاناته الانتخابية عبارة «المرأة تحمل نصف السماء»، فلفت المعلّقون انتباهه إلى أنّ هذه المقولة ليست مثلاً صينياً، بل هي قولٌ لماو من مرحلة الخمسينيات). في مثالٍ آخر، يورده هسو وتشينغ، لا تعود هناك حاجة، في مرحلة الصعود الاشتراكي والتآخي بين العمّال، للعداء للأقليات أو التخوّف من الاختلاف الثقافي والديني والقومي، فطبعت المرحلة الماوية كميةٌ هائلة من الإنتاج الفنّي والثقافي والإعلامي تحتفي بأقليات الصين وثقافاتها وتراثها. الرأسماليّة، تستنتج تشينغ، تخلق الاستقطاب والفُرقة بينما الاشتراكيّة تقرّب الناس.

إمبريالية صينية؟
يعتبر هسو وتشينغ ونقّاد ماويّون آخرون، أنّ الصين قد وضعت نفسها على طريقٍ لا رجعة عنه صوب الرأسمالية والخضوع لرأس المال العالمي وخدمة الإمبرياليّة. ولكنْ هناك مشكلتان في هذا التحليل. ينظر الكاتبان إلى رأس المال الاحتكاري، على أنّه شيءٌ نظريٌّ وسائل، يتوسّع وينتشر من غير حدود، وينظران إلى الصين كحالة أيّ بلدٍ عالمثالثي آخر (أي كمصر أو العراق أو سوريا)، معتبرين أنها ستتبع المسار ذاته: تبدأ النخب ببناء مشروعٍ تشاركي وتنمية مستقلّة بعد الاستقلال، ولكنهم يسقطون في النهاية أمام إغراء رأس المال العالمي، ويخضعون بلدهم ـــــــ تدريجياً ـــــــ لقوانينه. ولكن، كما يخبرنا سمير أمين، فإنّ الإمبريالية ورأس المال لا يعملان في فراغ ووفق «عقلٍ» مستقل، بل هما في عالمٍ تحكمه وتقتسمه الدول ــــــ الأمم، وعبرها يتمّ تقنينهما. أي أنّ الإمبريالية ورأس المال، مثلاً، لن يضحّيا بأميركا من أجل التوسّع، بل أميركا قد تضحّي بقيمٍ رأسمالية للحفاظ على مكانتها واحتكاراتها. وكما رأينا في السنوات الماضية، فإنّ هذه المنظومة لا مكان فيها للصين الجديدة، والإمبريالية الغربية لا يمكنها الاستمرار في صورتها الحاليّة مع استيعاب الصين أو «ابتلاعها».
من جهةٍ أخرى فإنّ الصين ليست كوبا أو العراق، ولديها إمكانات للتنمية الذاتيّة لا تمتلكها دولٌ صغيرة، لا يمكن لها أن تؤمّن كلّ حاجاتها أو أن «تقطع» مع الاقتصاد العالمي، وهي تحتاج دوماً إلى استيرادٍ وأحلافٍ صديقةٍ لكي تستمرّ (في كوبا مثلاً، رغم كل الجهود الزراعية التي حصلت خلال مرحلة الأزمة، فإنّ البلد لا يمكن أن ينتج قمحاً للخبز ـــــــ تربته ومناخه لا يسمحان بذلك ــــــــ ولا أرزّاً أو ذرة بكميّات، وهذه المواد الأساسية سيكون على كوبا دوماً استيرادها). من هنا، تمكّنت الصين من الاحتفاظ بمزايا استثنائية في وجه رأس المال الأجنبي، مثل استمرار تحكّم الدولة بالقطاع المصرفي وتعاملاته مع الخارج، وإجبار الشركات الأجنبية التي تستثمر في الصين على نقل التكنولوجيا إلى البلد، وهو ما جعل الصين تنتقل من مرحلة التراكم البسيط إلى ما هي عليه اليوم. من جهةٍ أخرى، أصبح الاقتصاد الصيني يعتمد بشكلٍ كبير على التصدير ومنطق الربحيّة، وهي نقطة ضعف. في كتابها من عام 2019، مثلاً، تقول باو ـــــــ يو تشينغ، إنّ الصين تستهلك أقلّ من 40% من إنتاجها وتصدّر الباقي (اي أنّ أكثر البنية الإنتاجية في الصين مصمّمة، لا لتلبية حاجات المجتمع، بل لتحقيق الأرباح في السوق الدولي المفتوح).
ولكن، بعيداً عن هذه الحسابات، فإنّ مجرّد المقارنة بين الإمبريالية الأميركيّة ـــــــ وهي واقعٌ ماثل ــــــــ وبين «إمبريالية صينيّة» مفترضة، دونه عوامل كثيرة. كما يقول علي القادري، فإنّ التجربة التاريخية الصينية تختلف تماماً عن تجربة أوروبا والغرب، وهذا لا يمكن الاستهانة به. الصّين لم تنمُ وتصبح دولة صناعية عبر استعمار الغير مثلاً واستغلاله، ولا هي تحافظ على امتيازاتها واحتكاراتها اليوم بواسطة العقوبات والحروب. بل إنّ مصالح الصين، حين تترجم سياسياً، تختلف تماماً عن مصالح أميركا ونهجها. على حدّ قول الأمجد سلامة، فإنّ نمط التجارة والتبادل الصيني (وإن كان رأسمالياً وربحياً)، فهو يعتمد على وجود استقرارٍ وتراكمٍ لدى الشركاء. استراتيجية «الحزام والطريق» مثال على ذلك، فـ«طريق الحرير» يستلزم دولاً محيطة فيها استقرار ونموّ، يمكن الاستثمار فيها بأمان ولا تجتاحها حروبٌ تقطع طرق التجارة وتمنع التبادل. بينما أميركا، وهي قوّة بحرية وتوسّعية، فقد يكون تحقيق «الرّبح» عندها هو عبر أن تشتعل الحرب في بلادك بلا توقّف، وأن يحاصَر أيّ بلدٍ لا ترضى واشنطن عن نظامه، وأن تقطّع أوصال التبادل بين الدول الجارة وأبناء الإقليم.

خاتمة
كان ليو ودِنغ يعتبران أنّهما أقدر على تسيير الدولة وإدارتها وتحقيق النمو والاستقرار من ماو وحرسه الأحمر، وهما ربّما محقّان في ذلك بالمعنى البيروقراطي البحت (مع أنّ الفارق في النمو بين المرحلة الماوية وما تلاها ليس هائلاً ــــــ حوالى 6% سنوياً مقابل 8% لمرحلة الانفتاح). ولكن، مهما حصل، كان من المستحيل أن يسير عشرات ملايين الصينيين خلف ليو أو دِنغ، وأن يضحّي الملايين بحياتهم تحت قيادتهما لتحقيق ثورةٍ وتحريرٍ. «وعد ماو» لم يتحقّق ولكنّه لم ينتهِ لأنّه أصبح جزءاً من تجربة الصين وتراثها، وترك أثراً في كلّ الدول المستعمرة، وستتم استعادته حين تتغيّر ظروف الزّمن.
في مقدّمةٍ جديدة كتبتها تشينغ لنصّ «إعادة التفكير بالاشتراكيّة»، تقول إنّ السؤال في عالمنا الحالي ينطلق من الطريقة التي نسرد فيها ما حصل للمشروع الاشتراكي: هل «فشلت» الاشتراكيّة أم «هُزمت». والفارق هنا ليس لفظيّاً أو بسيطاً. كانت تشينغ تردّ على مقولات عددٍ من الماركسيين الغربيين ومراجعاتهم عن «فشل» الاشتراكيّة؛ أن تعتبر أنّ الاشتراكية «فشلت»، فهذا يعني وجود خللٍ في صلب فكرتها ومفهومها، ما منعها من التحقّق، وهو ما يتطلّب إعادة النظر في مفهوم الاشتراكيّة ذاته. ولكن، تتساءل تشينغ، كيف تكون الاشتراكية فشلت وهي قد انتقلت من مجرّد مفهوم نظري، فكرة موجودة في رؤوس مثقّفين، لأن تبني أحزاباً وحّدت الطبقة العاملة في أكثر من بلد وأوصلتها ـــــــ للمرة الأولى في التاريخ ـــــــ إلى الحكم. ثمّ أسّست دولاً وقدّمت نموذجاً للتنمية رفع مستوى حياة مئات الملايين حول العالم وصنع بلدين نوويّين. أين الفشل في كلّ هذا؟ (وكثير من «اليسار» الرسمي العربي يستخدمون لغة مماثلة بالطبع. هم ليسوا من يحمل لواء الاشتراكية في عصرنا، كما يزعمون، بل هم حقيقةً تعبيرٌ عن هزيمتها وتجسيد لانكسارها).
في المقابل، لا بأس في أن نعترف بأنّ الاشتراكية قد هُزمت. وأنّها واجهت أعداءً شرسين في الداخل والخارج ولم تتمكّن من الصمود حتّى في أكبر معاقلها. من هذه الزاوية، سوف تفهم المسألة بأسرها بشكلٍ مختلف تماماً وتعرف التحدّيات التي سنواجهها حين تتكرّر الفرصة التاريخية أو نصنعها. الأساس ليس أن ننظر إلى التجربة الاشتراكية في القرن العشرين بحنين أو كنموذج، بل أن نقرّر أن نصف القرن الماضي بأنه كان أسوأ ما مرّ على البشريّة، من جهة هيمنة القلّة وقهر الشعوب والتراجع الإيديولوجي، وألا يكون المستقبل مثله ـــــــ لربّما، إن وجدنا أنفسنا مكان كوبا مجدّداً، لا نكون هذه المرّة لوحدنا.