«التحدي والاستجابة»، هي نظرية في التاريخ، يُعدّ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي من أوائل المنظّرين لها. خلاصتها أنّ «الأمم حين تتعرّض للمخاطر الكبرى ويكون توازن القوى في غير مصلحتها، تعود إلى مخزونها وإلى إرثها الحضاري في محاولة لاستنهاض قدرتها على مواجهة التحدي».

فالتاريخ لا يمكن استعادته إلّا تماثلاً أو تشابهاً، أو كما يقول كارل ماركس: «كمأساة أو كملهاة». في الخلاصة، لا نريد من التاريخ إلّا أن يكون تاريخاً بما هو، وكما صُنع هو في الواقع؛ فلكلّ حدث مسبّبات ونتائج، تتشابه وطبيعة صنّاعها، وعلى ذلك القياس يكون الحكم عليه. التحدّي هو معيار منطق المواجهة ومحدّدها، وفي هذا المجال تكون موازين القوى، ولو بالشكل، هي المعطى الأساس الذي ستُبنى عليه النتائج. التاريخ مليء بالأحداث التي قلبت موازين القوى رأساً على عقب. فكم من أمم جبّارة سُحقت أو سَحَقت. وما من شعوب إلّا وشاركت، فكانت منتصرة أو منهزمة. وفي مطلق الأمور، النتائج في كلّ تلك المواضع لا تُقاس بحجم القوة أو بفائضها، بل بعدالة القضية ومبدئية الذين يحملونها. هنا الفرق النوعي الذي يكمن فيه سر القوة المطلوبة لإحداث النصر.
ولفهم مصطلح موازين القوى وتأثيرها على النتائج علينا توضيح ما نعني فيه: فالاصطفاف في أيّ جبهة من جبهات المواجهة لا يكون بحجم الجيوش وإمكاناتها فقط، بل بفهم جوهر هذا الاصطفاف وسببه والأهداف المتوخّاة منه. صحيح أنّ القوة القاهرة والجبروت يمكنهما أن يربحا الحرب لكثرة إمكانات القتل والتدمير التي يمتلكانها، إلّا أنّ المواجهة لا يمكن أن تنتفي مع جلاء غبار المعركة، لأن القضية ــــــ السبب لتلك المواجهة هي الأبقى. وعليه، فإنّ كلّ معارك التحرير الوطني لم تُخَض إلّا في وجه إمبراطوريات استعمارية غربية، أميركية كانت أم أوروبية، لديها من الإمكانات والجيوش والقوى المفرطة والهمجية وقلة الأخلاق فائض كبير، ومع ذلك، ها هي فيتنام وكوبا والجزائر ومعظم أفريقيا والشرق الأوسط... تحرّرت من إرث استعماري مباشر، وإن عاد في بعض المواضع بطريقة أو بأخرى. ومعارك التحرّر الوطني أيضاً لم تخرج عن ذلك السياق المعمول به. وما قضية فلسطين، المستمرة منذ أكثر من سبعين سنة، إلّا الشاهد الأكثر وضوحاً على أن عدالة القضية وأحقيتها لا يمكن أن تنتهي بمرور الزمن، مهما تآمر الأعداء وذوو القربة.
إنّ منطق التحدّي المرتكز إلى عدالة القضية وأحقيتها هو، في النهاية، ما سيفرض منطق الاستجابة ولو بحدّ السيف. المشروع الإمبريالي الغربي، المؤَسّس على سياسات القمع والسلب والنهب والتبعية والهيمنة هو عدو الشعوب منذ أن تبلور بشكله الواضح. لقد أضحى ممارسة تفتّحت مع بواكير الاستعمار الغربي إلى بقية العالم؛ فأصحاب العرق الأبيض لم يبخلوا يوماً في عملية قتل سكّان الشعوب التي اكتشفوها أو استعمروها. وقافلة الاستعمار تلك لم تكن بوجهٍ واحد بل بوجوه متعدّدة. ومنطق القهر ليس إلّا المحدّد لذلك النمط ومؤسساً له. لم تبالِ الآلة الفكرية المنظّرة لتوأمة السيطرة مع القتل ولو بلغ الدم حدّ الركب. وعلى ذلك المنطق المقلوب والخالي من أية أخلاق بُنيت نظرية أولئك، وبالمناسبة، فإنّ الرأسمالية لا تنتج أخلاقاً مهما بلغ مقدار تطورّها. من هذا التوصيف المحدّد للطبيعة العدوانية لذلك المسار التصاعدي لإمبريالية استعمارية بطبيعتها وقاتلة بسلوكها، أصبح مستوى التحدي أعلى من منسوب القبول بالواقع الذي، ربما، كانت تريده تلك العقلية المتعالية والمتحكّمة. فمن وقع في فخ السير بين موجبات التطور وأهداف من ينادي به لم يستطع هضم ما أنتجته تلك المنظومة القاتلة، والتي جمعت هجيناً ملتبساً من سلوكيات ونظريات وممارسات أقل ما يقال فيها إنها عدوانية، وفي المقابل شعوب وقعت تحت وطأة حالة مستجدة، فغشيت الرؤية لديها واضطربت وباتت موجبات الاستجابة تترجّح بين قبول مغلوب على أمره أو تشويش يفقد النظرة الموضوعية لواقع الأمر، أو مواجهة مستحقة ولكن بأكلاف ربما ستكون باهظة الثمن.
تماثلاً أو تقاطعاً كانت المقاربة تتم، وكانت آليات الفهم تترجح بدورها بين منطقين: التحدي الواقع على تقاطع المصلحة أو المبدئية من جهة والإمكانيات المتوافرة من جهة أخرى، والاستجابة والتي بدورها انقسمت على نفسها بين ضفتين، واحدة قبلت وانصاعت وأخرى خرجت عن المسار لتقف في الجهة المقابلة آخذة على عاتقها مهمّة التصدي لإصلاح الاعوجاج الحاصل وتقويمه. هما مساران مشيا بخطَّين متوازيين صيغت على أساسهما معظم منظومات التناقض الطبيعي الموجود على سطح البسيطة. وبنتيجة ذلك الالتقاء القسري أو الطبيعي للضدّين كانت مسارات تُرسم وأخرى تُخاض، وبالنتيجة كانت المتغيرات توسم بطابعها مآلات الأمور وترسم خواتيمها.

لقد وقعت النخب كما الشعوب في فخ «الوطنية» المؤدية إلى التقوقع وبعض العنصرية


إنّ منطق القهر وبالقوة الذي طبع القرن العشرين لمّا يزل مستمراً؛ حالة استعداء عالمية أسست لها «إمبرياليات» انتصرت في حرب كونية وهندست العالم على مقاس مصالحها. في الحصيلة، ما يطلبه ذلك المنطق من عوامل وإمكانات ومقدّرات كي يستمر ويسود ويقود جرى العمل على تأمينها، ولو على حساب ملايين البشر وحياتهم ومقدراتهم. عالم تشكّل على فكرة الهيمنة، عماده القوة العسكرية والاقتصاد الممسوك من رأسمال جشع، فُتحت أمامه كل السبل والطرق والحدود. عدّل الخرائط ورسم حدود المصالح ووزّع مناطق النفوذ. كان خطاً وهمياً كخطّ الاستواء فصل بين شمال مُسيطر وجنوب مُستلب، وعلى تلك القاعدة بُنيت التحالفات وخيضت الحروب وتوزع النفوذ. وفي المقابل أيضاً وُلدت من نتائج تلك البلطجة حاجة موضوعية لمواجهة أكثر جرأة ترتكز إلى فهم أيديولوجي لطبيعة الصراع وكيفية خوضه وبأيِّ قوى ومصالح؛ فجذرية المواجهة تصبح هي المحدّد لفهم طبيعة الصراع ولتسهيل اختيار الضفة التي يجب الانتماء إليها والوقوف عليها.
لم يكن الشرق الأوسط بمنأى عن الحدث الدولي المستجد، بل كان إحدى أهم تلك الساحات. نحوه توجهت الأساطيل، المحملة بخرائط الدم المرسومة على قياس مصالح مشاريع السيطرة الغربية وقواها، وأيضاً بأدوات القتل والجيوش. كانت حاجة موضوعية للرأسمال الذي تمدّد إلى خارج الحظائر التي نما فيها؛ فمن أوروبا المأزومة بنتائج حروبها المدمّرة والمبتلية «بشريك مضارب»، يشبهها لا بل هو من نتاج استعمارها البائد، هو الولايات المتحدة الأميركية، القادمة إلى المسرح الدولي مدعومة بتاريخ موروث من القتل والتصفية العنصرية وباقتصاد مرن وصاعد بقوة وبمنافسين، منهم من في طور الأفول وآخرون في بداية البناء. لقد كان ذلك الواقع المهجّن، والخارج من أتون الحرب مهشّماً، هو من حدّد اتجاهات الآتي من أحداث والتي حاول رسمها وفق رؤيته وما يريده. وعليه تحدّدت المواجهة سلفاً ومن دون عناء التفتيش عن خطوط للالتقاء. لقد بانت ملامح تلك الهجمة الغربية التي حطّت رحالها على شواطئ الشرق المكلوم بتشرذم وتهشم وانهيارات وأفول لخلافة ملتبسة ضاعت بين الدين والعرق، لتنساق قطاعات وجماعات ومناطق في اتجاه معاكس؛ فبدل أن يكون ذلك الالتباس مدعاة للتفتيش عن صيغة جامعة، اندفعت النخب، كما الجمهور المقهور، باتجاه الحدود المرسومة على خرائط الدم المحمولة على ظهر الأساطيل، لتدافع عن استقلال أوطان ليست موجودة.
لقد وقعت النخب كما الشعوب في فخ «الوطنية» المؤدّية إلى التقوقع وبعض العنصرية، لتسود معها نظم سياسية، جرى تركيبها على عجل وبوظائف سياسية، خدمة لذلك القادم من الغرب، وبنى اقتصادية فاشلة وغير قادرة على الإنتاج، وصيغ ملتبسة من دول، تأرجحت بين الممالك والمذاهب والطوائف والأعيان والمرتزقة؛ تحمل في بنيتها ووظيفتها عوامل تعطيلها كما عوامل انهيارها. وعلى أساس هذا الحدّ وذلك التوصيف تشكّل الممر الآمن لمنطق الاستجابة الطوعية لسياسات الهيمنة والتبعية، والملاذ الدائم لإقامة شبكات المصالح ونمو أشكال من العلاقات الزبائنية والمصلحية. وعليه تصبح عملية التحدي بتغيير الواقع مسلكاً إلزامياً لا يمكن القفز من فوقه.
إن ابتلاء المنطقة بآفة التبعية، المتأصّلة في الجينات المؤَسسة للعقل السياسي الذي تحكّم بالنظم التي تولّت شأن إدارة العامة، والمستجيبة لمنطق الهيمنة، الوافد مع المشروع الاستعماري وما أنتجه، يفرض التصدي له وللنتائج التي ترتبت عليه وبسببه. لقد تخطى منطق الاستتباع المعمول به مصالح العامة فوقع المحظور؛ غياب كلّي للمصلحة العامة المرتبطة بهموم جموع من الناس انتشرت بين محميات عائلية موروثة أو نظم سياسية ملتبسة، وبتركيبة مصطنعة بين حكم المذاهب والطوائف والرعيان وبرجوازيات محلية تولّت السلطة والولاء لقوى الأمر الحاكم. هذا الالتباس في التكوين انعكس مباشرة في الوظيفة السياسية لتلك المنظومات التي حددت أولوياتها على توقيت من ولّاها ومصالحه. وبذلك بدأت خسارة الشعوب وضاعت أحلامها بين حدّي الانتماء: الوطني أو القبلي، لتغوص في حروب «الردة» وتغرق في وحول التاريخ مجدداً. لقد بنت تلك المعادلة هشاشة مفرطة في المواقف وعقماً متأصّلاً في التكوين، واللذين أصبحا ملازمين لصيرورة تطور تلك الكيانات ومعطّلَين لها.
لم يخرج لبنان عن ذلك المسار ولم يحدّ عنه؛ فالتركيبة الملتبسة لمنظومته المتحكمة أوغلت عميقاً في تخلّفها حتى وصلت إلى الجذور المؤسسة. ابتلاؤه بتكوين ملتبس في طبيعة نظامه السياسي ووظيفته، جعله هشّاً ومنصاعاً لمصالح معلومة، بين تكوينات الداخل والقادم من الخارج؛ لقد أصبح المستعمر القادم على بواخر التقسيم والتفتيت «أماً حنوناً» نحتفل وإياها بولادة بكرها الذي ناهز اليوم قرناً من الزمن، ولم تُعطَ له هوية انتماء أو بطاقة تعريف بعد. لقد ضاع بين الركام والصراعات والوظائف الملتبسة، كما سقط في فخ الدلع السياسي لأبنائه ومصالحهم المرتبطة، من جهة بخارج يحددون من خلاله تموضعهم، ومن جهة أخرى بداخل غاص في وحول التعطيل المقصود لبناء شكل من حكم ولو بالحد الأدنى من الشروط حدّ الاختناق؛ فسمة التعطيل واكبت ذلك المولد البكر والوحيد الذي نتج من ذلك التلاقي الملتبس والمشتبه فيه بين الاستعمار الوافد من الغرب وحكم الرعيان المتوارث أباً عن جد.
إنّ موجبات التحدّي تكمن اليوم في رفض الموروث والمعمول به واقتلاعه من جذوره، وما إرساء سياسات كسر نمطية الفهم المتوارث والرجعي والمشتبه فيه إلّا أحد موجباته الأساسية. إن فعل المواجهة يقتضي ذلك الفهم المطلوب في هذا الوقت؛ فالتمركز، على حدود الحياد الملتبس، يجعل من رمادية الموقف موقفاً منحازاً إلى العدو أو أقلّه في خدمته. وموجبات الاستجابة تصبح في وضع الحدّ الفاصل بين المقبول والمرفوض. وعليه تصبح ثنائيات التكوين بين القضايا وفهمها هي المحدّدة للموقع وللموقف السياسي المطلوب. وليس من المنطق أن يُعاد كل فترة من الزمن نقاش في الهوية الوطنية أو الوظيفية التكوينية للبلد. فلا هو منطلق الشرق إلى الغرب ولا العكس، ولا هو همزة الوصل تلك ولا هو مفتاحها... فالبناء على هذا المنطق المقلوب ليس له هدف إلّا تشريع العجز والاستقالة من موجبات مواجهة مستحقة في المنطقة، آن أوانها وبكلّ المعايير الإمكانات. فلماذا اللعب إذن على حافة القرار الكبير، وفي هذا الوقت بالذات؟
* عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني