لم يكن بوسع أحد باتساع العالم العربي، أن يسيطر على مشاعره وهو يرى أجمل المدن العربية تُروّع بالانفجار، الذي هزّ جنباتها وأسقط ضحايا وبنايات وثقة مواطنيها في المستقبل، كأنّه بلد منكوب بأزماته المتراكمة والمستجدة. بوسائل العصر، نُقلت صور بيروت المروّعة إلى كلّ بيت، توحّدت مشاعر وتبدّت أسئلة عمّا يتوجّب فعله عاجلاً لإنقاذ بلد عربي صغير في حجمه وجوهري في دوره. لا يمكن كتابة التاريخ العربي المعاصر، من دون إطلالٍ طويل وعميق على الدور الذي لعبته تلك المدينة في السياسة والثقافة والآداب وحركة الفكر والإبداع.

قيمة بيروت للعالم العربي، أنّها مرآة تفاعلاته وصراعاته وأفكاره وأحلامه، بوتقة التفاعل والانصهار، وهو دور وظيفي أضفى عليها وزناً خاصّاً دفعت في بعض الأحيان فواتيره الباهظة. التضامن الواسع قضيّة مسلّم بها، لكن المشاعر وحدها لا تكفي إذا لم تسندها إجراءات تمدّ يد العون إلى بيروت الجريحة، حتى تأخذ نفساً من أمل وقدراً من ثقة أنّ عالمها العربي لن يدعها وحيدة تعاني آلامها المبرحة على نواصي الطرق المهدمة. هذه هي المسألة.
«إن لم نزن مصر وزناً حقاً سالت الدم على الضمير». هكذا أنشد الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل ذات يوم. رغم ما هو منسوب إليه من دعوات انعزالية فقد لمس الحقائق، والحقائق وحدها تتحدّث في النهاية. بالقدر ذاته، فإنّ العالم العربي كلّه، وليست مصر وحدها، مدعوّ إلى أن يزن لبنان وزناً حقاً حتى لا يسيل الدم على الضمير ويصبح انهياره أمراً واقعاً في قلب المشرق العربي المنكوب بأزماته وحروبه ومشروعات تقسيمه.
قد يزكي الانفجار المروّع الذي ضرب بيروت، كما لو كان قنبلة نووية صغيرة، مستوى الصراعات الداخلية ويدخل البلد في التشاحن الزائد إلى أوضاع يصعب توقّع نتائجها الوخيمة على وجوده نفسه. نحن أمام بلد تلاحقه أزماته، من دون أن تتبدّى حلولٌ في الأفق، قادرة على صناعة التوافقات الوطنية الضرورية في مواجهة أسئلة مصيره. هذه مهمة اللبنانيين قبل غيرهم.
بصورة أو بأخرى، يكاد الدور اللبناني في العالم العربي يُقارب الدور الإسباني في محيطه الأوروبي، حيث ينظر إليه كـ«معمل أفكار» تُختبر فيه الأيديولوجيات والأفكار الكبرى. كلا البلدين تعرّض لحرب أهلية ضارية ما زالت ماثلة بدرجات مختلفة تحت الجلد السياسي. قبيل الحرب العالمية الثانية بين عامَي 1936 و1939، نشبت الحرب الأهلية الإسبانية وأسفرت نتائجها عن هزيمة الجمهوريين الاشتراكيين لمصلحة حكم فاشستي بقيادة الجنرال فرانشيسكو فرانكو، امتد حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي. وفيما كانت إسبانيا تلملم جراح حربها الأهلية، بدأت حربٌ أهلية أخرى في قلب المشرق العربي في ظروف مختلفة وأزمان جديدة، دفع لبنان ثمنها باهظاً لنحو ستة عشر عاماً. في الحالتين «الإسبانية» و«اللبنانية»، تبدّت روح مقاومة تراهن على قوة الحياة رغم وطأة وآلام ما جرى.
إسبانيا الجريحة أنتجت أدباً وفنّاً خالديْن عبّر عنهما شعراء عظام، مثل لوركا، وروائيون مجيدون مثل الأميركي إرنست همينغواي، والفرنسي أندريه مالرو، وزير ثقافة شارل ديغول، وفنانون تشكيليون من حجم بيكاسو، الذي أطلّ على العالم بلوحته الملهمة «غرنيكا»، التي عبّرت عن فظائع ما جرى لتلك المدينة الإسبانية من تدمير بعد غارة جوية ألمانية. بقدر آخر، احتضنت بيروت قامات شعرية عربية من حجم محمود درويش، ونزار قباني، وأدونيس، ورسام الكاريكاتير الأبرز ناجي العلي، فيما جسّدت فيروز بصوتها الفريد، قدرة المدينة على إلهام معاني الحياة والبقاء واجتراح المعجزات.
في الحالتين «الإسبانية» و«اللبنانية»، تأسّست أوضاع جديدة بعد الحرب الأهلية. نجحت إسبانيا في تجاوز مرحلة حكم فرانكو الفاشية بأقلّ اضطرابات ممكنة. نجح ملكها الشاب خوان كارلوس، الذي صعد إلى الحكم بعد وفاة الديكتاتور العجوز، في إدارة التوازنات الحرجة والانتقال إلى الديمقراطية والملكية الدستورية حيث يملك ولا يحكم. لم تكن رحلة التحوّل الديمقراطي سهلة ولا الطريق معبداً. جرت محاولة انقلاب يوم 23 شباط / فبراير 1981، بقيادة المقدّم أنطونيو توخيرو، وكان دور الملك حاسماً في إجهاضه. أهم ما ينسب إلى الملك السابق أنه ألغى ميراث الحرب الأهلية، بإسناد رئاسة الحكومة بعد أول انتخابات نيابية حرّة إلى رئيس وزراء اشتراكي هو فيليب غونزاليس. البطل القومي الإسباني خوان كارلوس، الذي اكتسب شعبية كبيرة في فترات من حياته، اضطُر أخيراً إلى مغادرة بلاده ملطّخاً بالعار. لم يشفع له تاريخه، بعدما حامت حوله شكوك قضائية عن تلقّيه عمولة تُقدّر بمئة مليون دولار، وُضعت في حساب سري في سويسرا، على خلفية دورٍ لعبه في تسهيل منح شركات إسبانية عملية تشييد خط قطار فائق السرعة بين مكة والمدينة عام 2008.
في أعقاب تنازله عن العرش لابنه الملك فيليبي، عام 2014، بدأت التحقيقات والملاحقات القضائية. لا حصانة لأحد إذا ما ثبت تورّطه في قضايا فساد، أياً كان سجلّه السابق في خدمة بلاده. هذا درس مجاني نحتاج إليه في العالم العربي. لا عادت الأموال المنهوبة من مصر، على عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولا أحد في لبنان بوارد أن يعيد دولاراً واحداً ممّا جرى تهريبه إلى مصارف سويسرا، وغيرها، حتى لو مات البلد نفسه!
في مرآة الضمير، يبدو لبنان جريحاً ومنهوباً، وبعض من نهبوه يتصوّرون أنّ الحكم حقّ مكفول لهم. وعلى عكس ما جرى في إسبانيا بعد انقضاء حربها الأهلية، من تأسيس نظام جديد يُفسح المجال للالتحاق بالعصر، دخل لبنان عبر اتفاق «الطائف»، عام 1989، إلى مأزقه الذي يعاني ويلاته الآن. كان اتفاق «الطائف» إعادة إنتاجٍ للنظام الطائفي، بتوازنات دولية وإقليمية جديدة تتقاسم السلطة فيه.
في مرآة الضمير، كانت الانتفاضة اللبنانية، التي بدأت في 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019، احتجاجاً شعبياً شبه جماعيٍّ على نظام المحاصصة الطائفية. أفضى التوظيف السياسي الزائد إلى إجهاض أهداف الانتفاضة وإدخال لبنان كلّه، بالفعل الطائفي والطائفي المضاد، إلى أتون أزمات متلاحقة انهارت معها أسعار صرف الليرة اللبنانية، وزادت أعداد العاطلين عن العمل، وأصبحت الحياة نفسها لا تُطاق.
تتبدّى ــــــ هنا ــــــ مفارقة موجعة أخرى. في الحالة الإسبانية، طُرحت تساؤلات تحت ضربات جائحة «كورونا»، التي نالت من الاقتصاد بقسوة بالغة، عن جدوى الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي إذا لم يهرع لإنقاذ الاقتصادات التي تعاني. في الحالة اللبنانية، طُرحت مثل هذه التساؤلات على العالم العربي، من دون أن يكون أحد بوارد أن يستمع إلى أي أنينٍ، أو يستجيب لأي نداء إنقاذ.
هناك من هو مستعد في العالمين العربي والغربي، لأن يمضي إلى أبعد حدّ في تركيع لبنان، لأسباب تتعلق بالصراعات الإقليمية والدولية الجارية وحسابات القوة فيها. هذه حقيقة لا تخفى على أية نظرة في مرآة الضمير. الإبقاء على لبنان أولوية محزنة وضاغطة معاً، يحتاج من اللبنانيين إحداث جراحات في بنية نظامهم المترهّل، الذي استنزف زمانه وثقة شعبه فيه وأثبت إخفاقه في كل الاختبارات التي يتعرض لها البلد.
هناك فارق بين المراجعات الجادة وتصفية الحسابات المعتادة. هذه مهمة شاقة، لكنها حتمية، في بيروت الجريحة.
* كاتب وصحافي مصري