لا تأتي الأفكار السياسية «الخلاصية» من قبل رجال الدين في لبنان هكذا من هباء. هي غالباً وليدة المكر والدهاء، ذلك أنّ رجل الدين عندما يطرح مشروعاً «إصلاحياً» في بلد طائفي، يتوجّب علينا أن نذهب إلى ما هو أبعد من العناوين البرّاقة التي تحاكي وجدان شباب ينجذب إليها، من دون إدراكه للوسائل والأبعاد والزوايا. مَن لم يقرأ تاريخ لبنان جيداً، بدهاليزه وعناوينه العريضة، فسيصعب عليه أن يتّخذ موقفاً واضحاً من الأحداث التي تحصل في الراهن، أو تلك التي ستحصل غداً. ما يحصل، اليوم، هو أنّ البعض يصرّ على استغلال جهل جيل ما بعد الحرب، بسياقات الحرب الأهلية اللبنانية وما قبلها وما بعدها، ليرسم من جديد سياقه الأحادي في وعي هذا الجيل، ثم يُسقط عليه وقائع انتقاها بعينها دون سواها، لتكتمل وجهة المسار الذي يريد أن يرسمه.

والمتتبّع للأحاديث السياسية في لبنان، في هذه الأيام، سيجد أنّ التاريخ يأخذ قسطاً مهمّاً منها، وكأننا أمام عملية إعادة هندسة للوعي السياسي لجيل اليوم، انطلاقاً من إعادة هندسة مجريات التاريخ نفسه، بغية صوغ هندسة «ماضوية» للمستقبل الذي يدّعي الجميع أنه يريده مستقبلاً مشرقاً. هذا ما فعله البطريرك بشارة بطرس الراعي تحديداً في مذكرة «الحياد الناشط». الراعي، الذي زارَ كيان العدو، عام 2014، أراد أولاً أن يبرهن أنّ لبنان حياديٌّ بالتكوين، وأنّ الإحادة عن طريق الحياد، هو عارضٌ سيسبّب مشاكل كبيرة داخل لبنان «الحيادي التكوين». جوهر الكلام هذا، يستبطنُ حرصاً كبيراً على الحفاظ على هذا التكوين السياسي، وعلى الإتيان بالحلول المستقبلية من داخله. هذا يعني، وقبل مناقشة مبدأ الحياد نفسه، أنّ هذا الطرح ليس طرحاً خلاصياً إصلاحياً تبديلياً للأحوال كما يحاول البعض الإيهام بذلك. هو طرحٌ يهدف إلى تثبيت وتدعيم النظام اللبناني على ما هو عليه. تلك معضلة يجب التوقف عندها لفضح كلّ هذا الخطاب الذي يدعو إلى النهوض بلبنان ودولته، لكنّه في العمق يسعى إلى تقويض كلّ المساعي التغييرية.
قدّم البطريرك الراعي سياقاً تاريخيّاً اختزاليّاً. برأيه، العلامة الفارقة في خرق مبدأ الحياد بدت وتجلّت مع اتفاق القاهرة. وهو في إطار سرده، اعتبر أنّ جمال عبد الناصر كان ينوي ضمّ لبنان إلى الوحدة المصرية ـــــ السورية، وكان هذا سبباً في إشعال أحداث عام 1958 في لبنان، بعد خرق مبدأ الحياد! لا شكّ في أنّ نكبة عام 1967، أرخت بظلالها على كلّ المنطقة العربية، لكنّ تزوير الحقائق، وغرس معطيات غير صحيحة في وعي جيل جديد ليسا بخطيئة فحسب، بل هما خديعة، لها أسبابها طبعاً.
قبل اتخاذ موقف من الحياد نفسه، لا بدّ من الوقوف على بعض المحطات التاريخية التي تسبق وتلي نشوء دولة لبنان، وتسبق وتلي الحرب الأهلية، ومعرفة طبيعة هذا الحياد الذي أراده بادئ ذي بدء المستعمر نفسه، كما يقول الراعي، ثم جعلته «الطبيعية الكيانية للبنان» ضرورة لا بديل عنها وفق ما يُلمّح.
اهتم الغرب بالمسيحيين في الشرق الأوسط اهتماماً خاصاً، ولا سيما أنهم كانوا عرضة للكثير من حملات التهجير والاضطهاد. ولأنهم برعوا في تجارة الأقمشة وصناعة الحرير، فقد كانوا محطّ أنظار الفرنسيين ورعايتهم، ولا سيما أنّهم وجدوا بدعمهم بوابة للعبور إلى الشرق الأوسط. وهكذا، استطاع الموارنة ما بين عامَي 1840 و1860، انتزاع السلطة من الدروز، ثمّ تصدّروا مراكز السلطة قبل أن تساهم فرنسا في تقسيم المنطقة، وفق «اتفاقية سايكس ـــــ بيكو». بعد الاتفاقية، سعى الفرنسيون إلى تثبيت أكثرية مارونية موالية لهم في لبنان، تعمل لمصلحتهم بمباركة من البطريركية المارونية التي كانت صمّام الأمان للمستعمر الفرنسي في تعزيز غايته تلك. كذلك، سعوا إلى تثبيت مكوّن إسلامي غير مرتبط بالعالم العربي، يكون واجهة لهم إلى العالم العربي. تبلورت هذه الصيغة بشكل واضح، عام 1943، حين قبِل المسلمون التخلّي عن فكرة الانضمام إلى سوريا، وقبِل المسيحيون التخلّي عن فكرة الحماية الفرنسية. وبهذا، بدا الحياد عبارة عن فكرة «التخلّي»، التي ظلّت طوال الوقت فكرة طوباوية، لأنّ لبنان لم يتأسّس وفق أسسٍ معروفة تبتنى على أساسها الدول، ولم يأتِ كوليدة لعقد اجتماعي محدّد يمهّد لفكرة التخلّي، بل كان كياناً موروثاً من مرحلة الانتداب. والحديث عن «الوراثة»، يعني حديثاً عن امتداد عبر الزمن لما هو موروث، أي أنّ صيغة التخلّي الميثاقية لم تنعكس يوماً على أرض الواقع انعداماً لانجذاب المسيحيين نحو الغرب، والمسلمين نحو محيطهم العربي، بل زاد الانجذاب بعد اشتعال الرغبة بالأمن الذي هدّده احتلال إسرائيل لفلسطين. وعندما تتعلّق القضية بالأمن، تعود التجاذبات و«الانجذابات» إلى عهدها السابق. انجذابات هي نفسها ولّدت أزمات لبنانية ما زالت وستبقى تتوالد مع الزمن، في ظلّ كيان لبناني أنتي ـــــ دولتي، وفي ظلّ وجود كيان صهيوني محتلّ يعمل ليلَ نهارَ، ويساهم في تفتيت المنطقة بأسرها والحؤول دون نشوء دول حقيقية، ودون نشوء طروحات وطنية كاملة منسجمة مع المصلحة العامّة ومواجهة الكيان الغاصب، بل إنه عمل على تعزيز أيّ طرح مواجهة غير مكتمل، حتى يتمكّنوا من التسلّل من بوابة عدم الاكتمال الكامن فيه للاستثمار فيه وتصويره نقصاً يشكل خطراً على العرب قبل إسرائيل.

مشروع الحياد ليس خلاصاً للبنان بقدر ما هو مشروع خلاص وتأبيد للسلطة اللبنانية، وللكينونة اللبنانية المعطوبة


على أي حال، توالت الأحداث... ثمّ كان حدث العدوان الثلاثي على مصر، بعد تأميم قناة السويس. لبنانياً، ومنذ عام 1956، رفض الرئيس كميل شمعون المسيحي، قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية التي هاجمت مصر، ثمّ أعلن تقرّبه من «حلف بغداد» الموالي للغرب. ولم يكن هذا قرار حيادٍ طبعاً، علماً بأنّ مفهوم الحياد في القانون الدولي يمنع انضمام الدولة إلى أحلاف عسكرية أو إقامة قواعد حربية، في حين أنّ شمعون انضم إلى مشروع أيزنهاور في عام 1957 المكمِّل لـ«حلف بغداد». ثمّ كانت أحداث سنة 1958... وهكذا خرق الحياد إذاً، لا كما صوّره الراعي، الذي عاد وشدّد كثيراً على اتفاق القاهرة كسبب لخرقه، وبالتالي كسبب للاجتياح في ما بعد. وقد سبق البطريرك، الصحافي نديم قطيش، في تغريدة له على «تويتر» في عيد التحرير، قال فيها: ‏«في 25 أيار، ينبغي أن نكفّ عن تزوير التاريخ. لولا المقاومة لما كان هناك احتلال. هذا الواقع وليس العكس. لولا المقاومة الفلسطينية والخطيئة التاريخية التي اسمها اتفاق القاهرة الرذيل، لما كان هناك احتلال، لا في عام 1978 ولا في عام 1982». وهذا هو المنطق الذي استبطنه كلام البطريرك الراعي تحديداً، والذي بات يدغدغ بعد هذه الحملة الإعلامية لاوعي الكثيرين من جيل الحاضر، الذي يبدو أنّه يُحضَّر أو يراد له أن يكون امتداداً لجيل الحرب. وهنا تكمن الحيلة، وأيضاً هنا يكمن المكر. وتكمن ضرورة إعادة التركيز على تفاصيل الأحداث الماضية، وأهمية دعوة الجميع، بمن فيهم الإعلاميون والمؤثّرون على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى الاطلاع الوافر على التاريخ، قبل اتخاذ أي موقف سريع من أي قضية تُطرح.
أن يعمد البطريرك الراعي إلى اتخاذ اتفاق القاهرة كتاريخ فيصل مؤسّس لكلّ خروقات مبدأ الحياد، هو أمر ليس بغريب عن بطريرك ماروني. البطريركية المارونية، من الأساس، تكتنز في وجدانها ما قاله الراعي، فهي تنطلق من عقلية متوجّسة من المدّ الإسلامي، كما تنطلق من عقلية الضحية على اعتبار أنّ التهجير الذي لاحق المسيحيين شكّل ذاتاً جماعية تعي نفسها على كونها ضحية. وهاتان العقليّتان، حين تشكلان لاوعي هوية بعينها، فإنّهما تصوغان تلقائياً وعياً اختزالياً استنسابياً، إن لم نقل وعياً مؤامراتياً. وهذا الوعي سيعتمد على آليات تستبعد أو تهمّش بالضرورة الأسباب السابقة على أيّ ردّ فعل. هو وعي سيحوّل كل ردود الأفعال الإسلامية إلى فعل، فكيف والحال أنّ الموارنة في لبنان على وجه التحديد يعتبرون أنّهم مؤسّسو هذا الوطن، وكأنّ خلفيّتهم تستبطن الأصل المسيحي للبنان، وبالتالي «الزيادة» الإسلامية عليه؟
على أنّ عند الحديث عن إسرائيل (الفعل) ومبدأ المقاومة (ردّ الفعل)، من المهم أن يتذكّر الجميع أنّ الكيان الصهيوني ليس سوى كيانٍ بني على أسس أيديولوجية. أيديولوجيته تجعل من التوسّع الصهيوني في البلدان والمناطق العربية، أمراً مبدئياً لا عرضياً، غائياً لا أداتياً. هو هدف بالإمكان تلمّسه بأبعاده الأيديولوجية والعقائدية، بشكل واضح جداً، في رسائل بن غوريون التي كتبها لزوجته، وهو يمارس نشاطاته على كل الأصعدة لإنجاح المشروع الصهيوني في إقامة الدولة العنصرية على أرض فلسطين. وهي بالمناسبة رسائل تُعتبر تسجيلاً لنشاط الحركة الصهيونية آنذاك. وكان قد كتب في رسالته، في 5 تشرين الأول / أكتوبر عام 1937: «ليس لديّ أي شك في أنّ جيشنا سيكون من أفضل جيوش العالم، ومن ثم سيمكننا أن نستوطن في جميع أنحاء البلاد الأخرى، إما عن طريق الاتفاق مع جيراننا العرب أو بأية وسيلة أخرى».
يُذكر أنّه في كتاب «المتاهة اللبنانية» للكاتب الإسرائيلي راؤوفين أرليخ، يقدّم الأخير معطيات تفصيلية عن العلاقة بين الحركة الصهيونية وجهات في الداخل اللبناني، ما بين عامَي 1918 و 1958، بالشكل الذي تظهر فيه الأطماع والمساعي الإسرائيلية طيلة هذه السنوات للاستحواذ على الأراضي اللبنانية، وتواطؤ جهات داخل الدولة اللبنانية لأجل تحقيق هذا الهدف. ثمّ يأتي من يتحدّث عن أنّ عبد الناصر خرق الحياد!
لقد تعرّضت سيادة لبنان إلى الانتهاك، طيلة الفترة السابقة لاتفاق القاهرة. لكن يصرّ الراعي على أن يقدّم تاريخاً ذا وجهة نظر اختزالية تقترب من الرواية المعادية. وهو أرّخ للاجتياح الإسرائيلي للبنان، بدءاً من عام 1978، ليرمي بذلك كلّ التاريخ المكتوب والمُعاش عن الاعتداءات الإسرائيلية قبل ذلك على لبنان ومطاره، وعلى الجنوب تحديداً، والاغتيالات التي حصلت عرض الحائط.
خلاصة القول: ليس مشروع الحياد هذا، بمسمّياته العديدة، سوى رؤية اختزالية تسطيحية عند حسني النية، ومحاكاة لرواية صهيونية عند سيّئيها. هو ليس خلاصاً للبنان بقدر ما هو مشروع خلاص وتأبيد للسلطة اللبنانية، وللكينونة اللبنانية المعطوبة... وبالتالي، خلاص لإسرئيل نفسها، لكون أيّ عطب في دوِلِنا هو خدمة للمشروع الصهيوني. ليس الحياد سوى حيلة ماكرة، بل بات شعاراً يغري أولاً الشباب الطامح إلى تغيير في لبنان، في ظلّ جهلٍ لأدوات هذا التغيير، وما يعنيه ذلك من سهولة خدّاعة عبر غرس معطيات خاطئة وسوقها في إطارٍ لا يخدمهم بقدر ما يخدم السلطة ذاتها. مشروع الحياد حيلة السلطة العميقة ومَكرُها للبقاء.

*كاتبة لبنانية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا